في السادسة عشرة من عمره، قفز الممثل البريطاني أوين كوبر قفزة خاطفة من تلميذ حالم على مقاعد الدراسة إلى واحد من أكثر وجوه جيله حضوراً في عالم التمثيل.
بداية متواضعة ومسار غير متوقّع
مسيرته، التي انطلقت من بدايات متواضعة في شمال إنكلترا وصولاً إلى أضواء جوائز غولدن غلوب، تختصر تلاقي موهبة فطرية نادرة مع التزام مبكر بالحرفة، ودور اختراقي استثنائي في عمل درامي تلفزيوني لامس وجدان جمهور واسع حول العالم.
كغيره من الفتيان، كانت أحلامه الأولى مألوفة وبسيطة: أن يصبح لاعب كرة قدم محترفاً، فكرّس سنوات طفولته للرياضة. غير أنّ تجربة مؤثرة غيّرت مساره. إذ، شدّته عروض شاهدها على الشاشة، بدأ ارتياد صفوف التمثيل في مدرسة “ذا دراما موب” في مانشستر، حيث تعرّف إلى أبجديات الأداء، وسط أقران ومدرّسين لمحوا باكراً شرارة خاصة في حضوره. الهواية سرعان ما تحوّلت إلى سعي جاد، مع ساعات طويلة من العمل على توسيع تعبيراته العاطفية وصقل حضوره أمام الكاميرا.

مع جائزة “إيمي“ لأفضل ممثل مساعد. (أ ف ب)
الدور الاختراقي في “Adolescence”
كانت بوابته إلى الاحتراف عبر دور مفصلي: شخصية جيمي ميلر في المسلسل القصير الذي أنتجته “نتفليكس” العام الماضي “أدولسنس” (Adolescence). العمل، الذي يغوص في قصة حساسة ومعقّدة لفتى في الثالثة عشرة يُتّهم بقتل زميلة له، تطلّب من ممثليه دقّة نفسية وعمقاً شعورياً استثنائيين. وقدّم كوبر، في تجسيده لجيمي، أداءً وصفه نقّاد كثيرون بالمذهل قياساً إلى حداثة عهده بالمهنة. إذ تنقّل بسلاسة بين حالات نفسية متشابكة، مقارباً أسئلة الهوية وضغوط المجتمع والاختناق الداخلي بوضوح لافت. فجاء أداؤه صادقاً، نافذاً، ومؤثراً.
لم يتأخر صدى هذا النجاح. ففي الخامسة عشرة من عمره، أصبح كوبر أصغر ممثل ذكر يفوز بجائزة “إيمي” لأفضل ممثل مساعد في مسلسل قصير، وهو إنجاز وضعه فجأة في قلب موسم الجوائز التلفزيونية، وثبّت مكانته بوصفه أكثر من مجرد موهبة صاعدة. وأكّد هذا التتويج قوة أدائه، ووقع “أدوليسنس” كظاهرة ثقافية أثارت نقاشاً عالمياً حول ثقافة الإنترنت وهوية الشباب.

كوبر بطل “أدوليسنس“. (نتفليكس)
أصغر الفائزين… من الإيمي إلى الغولدن غلوب
وبعد أشهر قليلة، أضاف كوبر إنجازاً تاريخياً جديداً إلى رصيده في حفل توزيع جوائز غولدن غلوب الثالث والثمانين، الذي أُقيم الأحد، حين نال جائزة أفضل ممثل مساعد في مسلسل تلفزيوني عن دوره في “أدوليسنس”. كانت هذه أول ترشيحاته وأول فوزه بالغولدن غلوب، ليُسجَّل اسمه بين أصغر الفائزين في تاريخ الفئة. وقد حظي ظهوره في قاعة فندق بيفرلي هيلتون في لوس أنجليس، وسط رموز صناعة الدراما وأعضاء رابطة الصحافة الأجنبية في هوليوود، باهتمام إعلامي واسع.
تحدّث كوبر بصدق وعفوية عن رحلته، مستعيداً شعوره بالحرج حين كان الصبي الوحيد في صفوف التمثيل الأولى. وشكر عائلته وزملاءه وكلّ من آمن به وسانده في مراحل تطوره، كاشفاً عن وعي متّزن رغم وهج الشهرة المفاجئة. كما لم يفوّت الفرصة للإشارة إلى نادي مدينته لكرة القدم، في لفتة شخصية زادت من محبة الجمهور له.

أوين كوبر الفائز بـ“غولدن غلوب“ أخيراً. (أ ف ب)
يُشكّل هذا الصعود السريع مؤشراً إلى تحوّل أوسع في مشهد الأداء التلفزيوني. نجاح كوبر بدأ يكسر الصور النمطية المرتبطة بالممثلين اليافعين، ويفتح آفاقاً جديدة لمواهب شابة آتية من خارج المراكز التقليدية لصناعة الترفيه. ومع أدوار كبرى تلوح في الأفق – بينها تجسيده المرتقب لشخصية هيثكليف في “مرتفعات ويذرينغ” – ومع رصيد من الجوائز في سنّ مبكرة، يبدو أوين كوبر مرشحاً لأن يكون اسماً راسخاً في التمثيل المعاصر، وأن يمتدّ أثره إلى ما بعد سنوات مراهقته بكثير.
