لم تظهر الممثلة السورية سلافة عبد الله عويشق في أي حوار صحافي موسّع طوال مسيرتها تقريباً، وكانت كما قالت في حديث جانبي قبل بدء هذا الحوار أنها “تعشق التمثيل ولا تحب المقابلات ولا تهتم بالسوشال ميديا”، وانها تفضل أن يبقى حضورها محكوماً بما تفعله أمام الكاميرا لا بما تقوله خارجها.
اليوم وفي زمن ما بعد سقوط نظام الأسد، تختار للمرة الأولى أن تروي حكايتها من المسرح المدرسي إلى المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، ثم سنوات المنفى في فرنسا مع زوجها الممثل فارس الحلو، وصولاً إلى عودتها الحالية لتصوير عملين جديدين بين دمشق وبيروت.
سلافة عبد الله عويشق، ممثلة سورية من مواليد دمشق 1969، درست في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق وأكملت بالتوازي دراسة الأدب الإنكليزي، وتزوجت من الممثل فارس الحلو ولديهما ابنتان، نورا ومرح، بدأ حضورها المبكر في الشاشة وهي لا تزال طالبة، عبر مسلسل “أحزان عادية” 1985 للمخرجة أمل حنا، كما شاركت في أعمال شكلت جزءاً من الذاكرة التلفزيونية السورية، بينها “عيلة خمس نجوم” 1994، و “بنات أكريكوز” 2003، لتتوسع مشاركاتها في الألفية الجديدة في أعمال أبرزها “هومي هون” 2004 بشخصية “الست جاكلين”، و”غزلان في غابة الذئاب”، و”أبو خليل القباني” 2010، و”الخبز الحرام” و”الدبور” بجزأيه، و”طالع الفضة” كما ظهرت في “باب الحارة”، بالإضافة إلى تجارب في الكتابة لفيلمي “العودة للحياة”، و “ذاكرة صعبة” و”رباعية بيت عامر”.
ومع تصاعد القمع في السنوات الأولى من الثورة السورية، خرجت مع أسرتها إلى فرنسا بسبب مواقف زوجها السياسية المؤيدة للثورة، حيث أصبح بقاء العائلة يشكل خطراً مباشراً.
في أحد الأدوار القديمة (سوشيال ميديا)
من المسرح المدرسي إلى المعهد
وفي حوار مع “المدن”، قدّمت عويشق دخولها إلى المجال الفني بوصفه مساراً طبيعياً تدرج من المسرح المدرسي إلى المعهد، ثم إلى الشاشة، من دون قفزات أو محاولات استعراضية، وقالت إن الحكاية بدأت من مقاعد المدرسة حين كانت تشارك باستمرار في العروض المدرسية في الكتابة والتمثيل قبل أن يتحول هذا اللعب الأول إلى خيار دراسي ومهني.
وقالت عويشق إنها رأت في المعهد العالي للفنون المسرحية الامتداد المنطقي لهذا الشغف، لكنها كانت مضطرة في الوقت نفسه إلى طمأنة العائلة إلى مستقبل أكثر استقراراً، لذلك درست الأدب الإنكليزي بالتوازي مع المعهد، وروت أنها شعرت منذ السنوات الأولى في المعهد بأن وجودها في الوسط الفني كان “نتيجة منطقية لطموح مبكر”، أكثر من كونه مصادفة أو مغامرة.
وأوضحت عويشق أن عروض العمل جاءت مبكراً ولم تنقطع وأن التحدي كان في قدرتها على اكتشاف أدواتها الخاصة داخل مهنة مزدحمة بالأسماء، وكانت أول مشاركة احترافية لها أمام الكاميرا في فيلم “أحزان عادية” العام 1985 وهي طالبة جعلتها ترى نفسها على الشاشة للمرة الأولى وتراقب أخطاءها وتتعلم منها، وأشارت إلى أن هذه المرحلة جعلتها تميّز بين مفردات الأداء في المسرح ومفردات الأداء أمام الكاميرا وأن جزءاً كبيراً من تطور أدواتها ارتبط بمراكمة هذه التجارب المبكرة.
أما عن القواعد غير المعلنة التي حكمت الدخول إلى الصناعة في تلك المرحلة، فقد ربطت عويشق الفرص بطبيعة منظومة الإنتاج في الثمانينيات والتسعينيات، إذ قالت إن “المخرجين والمنتجين وأصحاب القرار كانوا يحضرون عروض التخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية، ويعاملون خريجيه بوصفهم مخزوناً جاهزاً للمشاريع المقبلة”، وأضافت: “وجودي داخل المعهد منحني مثل كثير من الزملاء نوعاً من الاحترام المسبق لأنني شخص أكاديمي وأن هذا الاحترام انعكس على طريقة التعامل مع الممثلات والممثلين الشباب في تلك الفترة”. لكن هذه القواعد كما أوضحت لم تبق على حالها، ومع توسع السوق ودخول الفضائيات ورؤوس الأموال العربية تغيرت شروط الحضور، فلم يعد التخرج من المعهد شرطاً كافياً ولا حتى ضرورياً، وصارت العلاقات الشخصية وشبكات المصالح ومفهوم النجم الجديد والعرض والطلب وحسابات المحطات والمنتجين والمخرجين عناصر تحضر بقوة إلى جانب الموهبة.
المنفى ثم العودة بقوة
توقفت عويشق طويلاً عند لحظة الخروج من سوريا، ووصفتها بأنها لم تكن خياراً مهنياً أو انتقالاً طبيعياً بين أسواق عمل، بل كانت خروجاً قسرياً مرتبطاً بموقف سياسي واضح، وأوضحت أن زوجها فارس الحلو دفع ثمن وقوفه مع الثورة، وإن الأسرة لحقت به إلى فرنسا في لحظة شعرت فيها أن البقاء في دمشق صار خطراً حقيقياً، وروت أنهم لم يتوقعوا أن يطول الغياب إلى أربعة عشر عاماً، وأن الإحساس بطول المسافة لم يظهر كاملاً إلا بعد مرور السنوات الأولى.
وقدّمت عويشق هذه المرحلة بوصفها قطيعة مؤلمة في البداية، لأنها جاءت في ذروة عطائها وعطاء زوجها، لكنها رأت أن هذه القطيعة تحولت لاحقاً إلى نقطة ارتكاز لانطلاقة جديدة، إذ اضطرت إلى اكتشاف فضاء مهني مختلف تماماً، ومع سقوط نظام الأسد في نهاية العام 2024، بدأت مرحلة جديدة، إذ صار بإمكان كثير من السوريين العودة وصار النقاش حول إمكانية العودة مختلفاً عن السنوات السابقة، وهنا ربطت عويشق عودتها بعاملين متلازمين، الأول سياسي يتعلق بزوال الخطر المباشر وسقوط النظام، والثاني مهني يتعلق بتوفر عروض عمل بشروط تراها مناسبة وحول عودتها إلى دمشق قالت:”أعادت لي الروح”.
عملان تلفزيونيان
وتشارك عويشق هذه السنة في عملين دراميين، أحدهما يصوّر في سوريا والثاني في لبنان، العمل الأول “بنت النعمان”، وهو عمل كوميدي اجتماعي من ثلاثين حلقة، تؤدي فيه شخصية أم سعيد، امرأة تنتمي إلى الطبقة الشعبية داخل مناخ دمشقي. والثاني هو مسلسل “مولانا”، وهو عمل درامي جديد يندرج ضمن موسم الإنتاج السوري–اللبناني للعام 2026، ولم تكشف عويشق عن تفاصيل دورها فيه، لكنها وصفته بأنه يضعها في مساحة أداء جديدة.
وروت عويشق أن التنقل اليوم بين دمشق وبيروت، مع بقاء باريس ضمن خط سير حياتها العائلية والمهنية، والتنقل بين مواقع التصوير، “أعاد لي إحساساً قديماً بإيقاع العمل كممثلة”، وأضافت: “شعرت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بأنني تعيش مجدداً حالة الانشغال الجميلة بين شخصيتين وطاقمين وإيقاعين مختلفين”، وأوضحت: “هذه المرحلة مرتبطة بالمشاريع الحالية، الإيقاع سيتغير عندما يبدأ عرض العملين، وتبدأ مرحلة انتظار تلقّي الجمهور لما قدّم”.
“الست جاكلين”… شخصية نمطية تعيش في الذاكرة
عند الحديث عن شخصية “الست جاكلين” في المسلسل الكوميدي الشهير “هومي هون”، تحدثت عويشق عن الشخصية بوصفها مجرد دور ناجح منحها شهرة أوسع، واعتبرته مثالاً على كيفية بناء شخصية تلفزيونية نمطية تستطيع أن تعيش طويلاً، وقالت عويشق: “البداية كانت من النص، عندما اجتمعت مع الكاتبتين لبنى حداد ولبنى مشلح، اللتين كانتا تكتبان الشخصية وفي ذهنهما أن أجسدها أنا”، وقالت إن اللقاء الأول دار حول ملامح هذه المرأة وعلاقتها ببيت الأغاباشي ودورها في نقل الأخبار والتعليقات.
وأوضحت عويشق أن الاسم الأصلي للشخصية في النص كان “الست جورجيت”، وإنها طلبت تغيير الاسم لأن هذا الاسم يحمل مدلولات معينة، وتم التوافق لاحقاً على اسم الست جاكلين، وهنا رأت عويشق أن التغيير منح الشخصية فرادة موسيقية وصوتية، وأقرب إلى شخصية “التانت الشامية” التي تعرفها الأحياء الدمشقية، وأشارت إلى أنها عملت مع خبيرة الماكياج الراحلة ستيلا خليل، والدة الممثل مكسيم خليل، في رسم الشكل الخارجي للشخصية.
واعتبرت عويشق أن نجاح شخصية جاكلين لم يكن معزولاً عن هذا العمل التراكمي، وأن الشخصية صارت واحدة من الشخصيات النمطية التي يمكن لأي ممثلة أخرى أن تؤديها في سياقات مختلفة، لأنها تمثل نموذجاً اجتماعياً حاضراً أكثر مما تمثل حالة فردية مرتبطة بممثلة واحدة، وربطت ذلك بتقليد طويل في الدراما السورية لصناعة شخصيات نمطية شعبية مثل غوار وابو عنتر وأبو كلبشة وفطوم حيص بيص، ووضعت شخصية جاكلين في هذا السياق.
وعن الخوف من التصنيف أو من أن تبتلع الشخصية صاحبتها، نفت عويشق أن تكون شعرت بأن الست جاكلين تهدد صورتها كممثلة، وقالت إنها فخورة بأنها أدتها وسعيدة بأنها بقيت في ذاكرة الجمهور حتى اليوم، وإنها في الوقت نفسه نجحت في الخروج من ظل الشخصية عندما توفرت فرصة مختلفة في أعمال لاحقة، وأوضحت أنها تتعامل مع التمثيل كمهنة وهواية مشتركة وأنها تحب التنويع وتتعامل مع كل دور بوصفه فرصة لبناء شخصية جديدة لا تكرر السابقة.
الإذاعة كمساحة للاستمرار
وخصصت عويشق جزءاً واسعاً من حديثها لتجربتها في الإذاعة على مدار أكثر من عقد، بدءاً من إذاعة “روزنة”، حيث دخلت إلى غرفة الأخبار كمذيعة، قبل أن تتحول إلى معدّة نشرات وصولاً إلى إذاعة “مونت كارلو الدولية”، حيث صارت معدّة للبرامج الصباحي إلى جانب التقديم.
واعتبرت عويشق أن العمل الإذاعي كان وسيلة للاستقرار النفسي في زمن الغياب عن التمثيل. وقالت: “الإذاعة أعادت لي أدوات أساسية كممثلة، خصوصاً في ما يتعلق بالصوت والتنغيم وإدارة الجملة، وأعطتني في الوقت نفسه شعوراً بالأمان لأنها عمل يومي لا ينتظر موسم تصوير أو عرض”، وشرحت أنها بقيت على صلة بمهنة التمثيل عبر عدد من المسلسلات الإذاعية التي شاركت فيها، وأن هذا التوازي بين الإذاعة والدراما الصوتية ساعدها على عدم الانقطاع التام”.
وتعلمت عويشق خلال هذه السنوات، كيفية التعامل مع الأخبار اليومية في لحظات التسارع وكيف يعاد ترتيب موجز في غضون دقائق، وكيف تفرز الأخبار بحسب الأولوية وكيف يعاد بناء النشرة عند ورود معلومات جديدة أو تطورات طارئة، وربطت ذلك بتطور مهاراتها في تنظيم الأفكار وفي التعامل مع الضغط المباشر على الهواء، وأضافت: “هذه القدرة على التفكير تحت الضغط انعكست لاحقاً على عملي كممثلة سواء في التعامل مع الإيقاع أو مع النص”.
(مكتب الفنانة الإعلامي)
تجربة فرنسا
ورأت عويشق أن تطور تقنيات البث من الراديو الكلاسيكي إلى البودكاست والإذاعة المصورة ثم دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى جزء من هذا القطاع، فرض عليها وعلى زملائها أن يواكبوا هذا التطور وأن يعيدوا النظر في طرائق العمل، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن التجربة الإذاعية في جوهرها بقيت قائمة على الصوت والإنصات والمسؤولية عن الكلمة.
وأشارت عويشق إلى أنها عملها في الإذاعة خلال وجودها في فرنسا لم يمنعها من مشاركات درامية، حيث ظهرت ضيفة في مسلسلين فرنسيين هما “Plus belle la vie” و”Engrenages”، فضلاً عن مشاركتها بعدد من الأفلام مثل “As Far as I Can Walk” الذي نال جائزة أفضل فيلم وأفضل ممثل في مهرجان “كارلو فيفاري”. وأضافت عويشق أنها واظبت على تقديم تجارب أداء في فرنسا كي تبقى على تواصل مع شغفها في التمثيل والحصول على فرص للعمل في السوق الأوروبية والعالمية، لكنها أبدت أسفها من قلة العروض التي حصلت عليها، وهو أمر طبيعي كون سوق العمل تتركز في الشرق الأوسط للجمهور الناطق باللغة العربية، وتبقى المحاولات الأوروبية قاصرة وتجسد تمثيلاً لنماذج محددة ضمن إطار اللجوء والهجرة وقصص اللاجئين في الدول الأوروبية.
الدراما السورية بعد الأسد
وفي قراءتها لمسار الدراما السورية خلال سنوات الثورة، ثم في مرحلة ما بعد سقوط النظام، أعادت عويشق ربط المسألة بالبنية الإنتاجية أكثر من ربطها بالنوايا الفردية، وقالت إن الدراما في النهاية مرتبطة بإرادة رأس المال، وإن رأس المال هو الذي يحدد الموضوعات المسموح بها والزوايا التي تروى والأسماء التي تتصدر، وأضافت: “تناول الثورة في الدراما السورية بقي محدوداً وخجولاً واقتصر غالباً على مقاربات إنسانية للعائلة واللجوء والانقسام مع تجنب مباشر لأصل الحكاية السياسية”، ورأت أن “ما قدّم خلال أربعة عشر عاماً لا يرقى إلى مستوى الحدث ولا إلى حجم الذاكرة التي تحتاج إلى سرد”، واعتبرت عويشق أن الفيلم الوثائقي كان في كثير من الأحيان أقرب إلى الإنصاف من الدراما الروائية لأنه استطاع أن يدخل إلى طبقات أعمق من التجربة السورية، وأن يقدّم بروفيلات وطبقات من العنف والتهجير والانتهاكات لم تجرؤ الدراما التجارية على الاقتراب منها بالوضوح نفسه.
وعن المرحلة المقبلة، ربطت عويشق الأمل بسقف حرية تعبير عالٍ وبوجود أدوات إنتاج وطنية صادقة، وقالت: “السوريون بحاجة إلى إنتاج محلي يمتلك شجاعة تبني الرواية السورية من داخلها، وأن يدار هذا الإنتاج بواسطة أشخاص أمناء على الذاكرة، وقادرين على قبول النقد والتصويب، وعلى تقديم أعمال تحترم التجربة السورية الصعبة خلال السنوات الماضية”.
لا أنتظر مكافأة على موقفي الأخلاقي تجاه الثورة
وعند سؤالها عن الفنانين الذين وقفوا مع الثورة السورية ودفعوا أثماناً واضحة لمواقفهم، رأت عويشق أن: “كثيرين منهم تعرضوا للتهميش والمنع وتشويه السمعة خلال السنوات السابقة وعودتهم اليوم إلى الدراما هي الحد الأدنى من تصحيح هذا الظلم”، لكنها رفضت النظر إلى الأمر بمنطق المكافأة، وقالت: “من وقف مع الثورة لم يفعل ذلك بحثاً عن جوائز بل استجابة لبوصلة أخلاقية، والأهم الآن هو إزالة القيود التي فرضت عليهم والسماح لهم باستعادة موقعهم الطبيعي، وترك الزمن والجودة المهنية يفرزان من يستمر ومن يتوقف”.
عويشق وزوجها فارس الحلو في وداع الساروت العام 2019 (سوشيال ميديا)
الدراما المصرية أفضل
وفي المقارنة بين الدراما السورية والدراما المصرية اليوم، وضعت عويشق التفوق المصري في سياق بنية السوق لا في سياق القيمة الفنية فقط وقالت إن الدراما المصرية تمتلك سوقاً داخلياً مستقلاً وعائداً إعلانياً وإنتاجياً يسمح لها بخوض مغامرات موضوعية وشكلية أوسع، وإن استقلالها المالي يمنحها حرية حركة لا تزال الدراما السورية تفتقدها، ورأت أن استعادة الدراما السورية لموقعها الإقليمي تتطلب إصلاحاً في بنية الإنتاج والتوزيع إلى جانب إصلاح في اللغة والموضوع.
