تمثل تجارب الفنانين المعاصرين في الميادين المتنوعة، من موسيقى وتشكيل وسوى ذلك، جسوراً تربط بين الماضي والحاضر، حيث شكلوا، ويشكلون، أساساً فنياً وثقافياً متيناً عماده قيم التراث والحداثة.

    الأمر الذي جعل أعمالهم لا تقتصر على تميز الإبداع الفردي، بل مؤهلة وفاعلة في التأثير بالمشهد الفني والثقافي بأسره، ما أتاح للأجيال الجديدة القدرة على استيعاب الموروث الفني وتطويره بطريقة معاصرة، مع الحفاظ على هويته الأصيلة. وتبرز في الميدان، الأغنية الإماراتية بوصفها صوتاً للهوية ينبض بالقيم والمعاني الوطنية.

    «البيان» ترصد آراء مجموعة من المبدعين، مضيئة على أهمية أدوارهم المجتمعية وإثرائهم مهارات الشباب وإلهامهم. وفي السياق، يرى الفنان فايز السعيد أن الفنانين بحاجة لمواكبة كل ما هو جديد على الساحة الفنية، دون التخلي عن عاداتهم وتقاليدهم، خصوصاً فيما يتعلق بالأغاني والكلمات الإماراتية، حيث ينبغي عدم التخلي عن الموروث الشعبي وأصالته من حيث المفردات والإيقاع والألحان.

    ويؤكد السعيد أن الفنان يعكس في إبداعه صورة بلده ويمثّل مجتمعه، لذلك يجب أن يحمل فنّه الإماراتي ما يعكس قيم المجتمع ويقدم نموذجاً يحتذى للأجيال الشابة.

    ويضيف أن الجيل الجديد يجب أن يستقي من القيم الفنية والإبداعية لتجارب الفنانين السابقة، مع الحفاظ على الإيقاعات الإماراتية الخليجية، سواء كانت حربية أو عيالة.

    ويشير أيضاً إلى أن إدخال آلات موسيقية جديدة ممكن، لكن دون التخلي عن الإيقاعات التقليدية. وقال: «ألاحظ أن الأغاني التراثية القديمة ما زالت تحظى بشعبية بين الشباب، حتى على منصات التواصل الاجتماعية مثل تيك توك، حيث يعاد إنتاجها أو تصويرها وتقديمها بلمسة جديدة، ما يدل على تقدير الجيل الجديد للتراث وطابعه الأصيل. رغم وجود بعض المحاولات لإدخال ألوان غربية أو آلات جديدة».

    ويذكر الفنان فايز أنّ ما كان له بالغ الأثر في نفسه حول الحفاظ على أصالة الفن الإماراتي، سواء بالكلمة أو اللحن هي جهود والدنا المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، في صون التراث الإماراتي، وهو ما جعل فايز حريصاً على أن يعكس ذلك في فنّه وأغانيه ويظل متمسّكاً به.

    قيمة

    ويؤكد الفنان حبيب الياسي أن تأثير الفنانين على المشهد الثقافي والفني جلي وملموس. فقد أسسوا مدارس فنية أصيلة تجمع بين التراث والحداثة بشكل متناغم، وتركوا نماذج رائدة للجيل الحالي. فلولا تجاربهم الثرية لما وصل إلينا الموروث الثقافي والفني بهذه السلاسة، فهم أسهموا بشكل كبير في الحفاظ على التراث وإثراء المشهد الفني.

    وفي الحديث عن الجوانب الفنية والقيم الإبداعية المستمرة، يقول: «إذا نظرنا إلى أعمال الرواد من الفنانين فسنجد أنهم حافظوا على الموروث الأدبي والشعري والكلمة الأصيلة، وقدموا لنا النغمات والأهازيج والفنون بألوانها المختلفة التضاريس من الصحراوي والجبلي والبحري، مع الحرص في الوقت ذاته على مواكبة الحداثة، ما أتاح اليوم البناء على هذه التجارب وتطويرها بصيغ حديثة، مع الحفاظ على أصالتها».

    تجربة فنية

    وأوضح الياسي أن الجيل الحالي لم يجد صعوبة في الاندماج مع هذه التجارب، لأن الرواد خلقوا تجربة فنية متكاملة تخاطب جميع الأجيال، فكل ما خرج من القلب دخل إلى قلب الجمهور وتجربتهم كانت ثرية ومتنوعة بما يكفي لجذب كل الفئات العمرية.

    وعن حفظ الهوية الفنية يشير حبيب أنه رغم التسارع الزمني وتداخل الثقافات، استطاع بعض الرواد المعاصرين مواكبة التطور ودمج الفنون التقليدية مع الحداثة، بحيث يمكن للجيل الجديد تلقيها بسهولة وملامستها لذائقتهم، وهناك أعمال خالدة تجاوزت الزمن، وظلت مؤثرة وذات جوهر وقيمة، لأنها تميّزت بجماليات وتقنيات استثنائية، ما يجعل الفن الأصيل يفرض نفسه دائماً على ذائقة الجمهور.