تشكل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي تم توقيعها أخيراً بين الإمارات ونيجيريا، امتداداً لمرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتأتي في إطار رؤية الإمارات لتعزيز الشراكات الاقتصادية العالمية، وفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي المتبادل.

وقد استحوذت الاتفاقية على اهتمام كبير من مجتمع الأعمال في الإمارات ونيجيريا، خاصة مع التعويل على الفرص الاقتصادية الكبيرة التي سوف تفتحها الاتفاقية أمام الشركات، والتي ستضخ استثمارات ضخمة في مختلف القطاعات التي تخدم اقتصاد البلدين.

وتستهدف الاتفاقية خفض الرسوم الجمركية وإزالة الحواجز التجارية، ما يعزز التدفقات التجارية والاستثمارية، ويوفر فرصاً جديدة في القطاعات الحيوية ذات الاهتمام المشترك، ومنها التكنولوجيا والزراعة والمعادن الثمينة والطاقة.

كما تهدف الاتفاقية إلى الارتقاء بعلاقات التعاون بين القطاع الخاص في الجانبين وتعزيز سلاسل التوريد وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من توسيع نطاق وصولها إلى الأسواق العالمية.

وتدشن الاتفاقية فصلاً جديداً من التعاون بعيد المدى بين البلدين، حيث بلغت قيمة التجارة غير النفطية الثنائية 4.3 مليارات دولار في عام 2024، بزيادة سنوية 55.3% مقارنة بعام 2023، وقد واصلت التجارة غير النفطية نموها في 2025، وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام سجلت 3.1 مليارات دولار.

وكونه ركيزة أساسية لأجندة التجارة الخارجية الطموحة التي تعتمدها دولة الإمارات، يهدف برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة إلى زيادة قيمة التجارة الخارجية غير النفطية إلى 4 تريليونات درهم (1.1 تريليون دولار) بحلول عام 2031.

وقد أسهم البرنامج عام 2024 في تحقيق رقم قياسي للتجارة غير النفطية بلغ 810 مليارات دولار، ما يمثل زيادة سنوية بنسبة 14%، ومع التوصل إلى 32 اتفاقية ودخول 14 منها حيز التنفيذ، يجسد برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التزام دولة الإمارات بتبني التجارة الدولية المفتوحة القائمة على القواعد، بهدف دفع نمو الاقتصاد وتنويعه وإتاحة فرص جديدة للشركات في الأسواق عالية النمو حول العالم.

إعفاءات جمركية

وقد أكد الجانب النيجيري الأهمية الكبيرة لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة التي تم توقيعها مع الإمارات والتي تسهتدف تدشين مرحلة جديدة من العلاقات التجارية والاستثمارية المزدهرة بين البلدين في إطار سعيهما إلى تحقيق التنمية المستدامة.

وفي هذا الصدد، أكدت وزيرة الصناعة والتجارة والاستثمار النيجيرية، الدكتورة جومكي أودوولي، مجدداً أن الاتفاقية ستمنح المصدرين النيجيريين حق الوصول المعفى من الرسوم الجمركية لأكثر من 7000 خط إنتاج إلى مركز الشرق الأوسط التجاري.

وقالت في حديث لقناة «تشانلز» التلفزيونية؛ أثمرت المفاوضات نتائج مجزية؛ مضيفة: «أعتقد أن كلا الجانبين كان مسروراً للغاية بما توصلنا إليه.. هذه الصفقة مخصصة للمصدرين النيجيريين ولتنويع اقتصادنا، والدفع نحو الصادرات غير النفطية».

ووفقاً للوزيرة، سيسمح بدخول أكثر من 7000 خط إنتاج، تراوح بين البذور والزيوت إلى المستحضرات الصيدلانية والمواد الكيميائية والمنتجات الزراعية، إلى سوق الإمارات معفاة من الرسوم الجمركية.

وأضافت: نريد حقاً أن تستفيد الشركات النيجيرية من هذا، وقد اخترنا الإمارات على وجه التحديد. وأشارت إلى أن الرئيس بولا أحمد تينوبو كان يعمل بدأب على تعزيز العلاقات، والزيارة الأخيرة له تمثل رابع زيارة رسمية إلى دولة الإمارات.

وأوضحت: تفاوضنا على هذه الصفقة لتمكين المصدرين النيجيريين من الحصول على مركز انطلاق إلى بقية السوق العالمية عبر الخليج. ووصفت الإمارات بأنها من أكبر الدول التجارية في العالم، وعدّتها بوابة رئيسية تربط الأسواق من الشرق إلى الغرب، قائلة: «هذا مركز محوري، ومدخل يربط الاقتصاد العالمي».

كما سلطت الضوء على الاستثمارات الضخمة للإمارات في النقل والخدمات اللوجستية والمقرات التجارية العالمية، مؤكدة أن الشركات النيجيرية سوف تتمكن الآن من تأسيس مكاتب وفروع لها هناك. وكشفت أنه سيُسمح لرجال الأعمال النيجيريين بالبقاء في الإمارات لمدة تصل إلى 90 يوماً خلال فترة 12 شهراً.

وأضافت أودوولي أن نيجيريا ستواصل تعميق الوصول في القطاعات التي تتمتع فيها بقدرة تنافسية، ومنها الضيافة والعقارات والسياحة، مع توسيع صادرات المنتجات النيجيرية إلى الإمارات ومنها إلى الأسواق العالمية الأخرى.

وشددت على أن الاتفاقية حاسمة أيضاً لجذب الاستثمار الأجنبي، قائلة: يجب أن تكون لديك بيئة تمكينية لنمو الشركات؛ وهذا الإطار يمنح المستثمرين الراحة للقدوم.

ووفقاً لها، ستقود الصفقة الاستثمار إلى القطاعات الرئيسية التي تعطيها نيجيريا الأولوية، وخاصة البنية التحتية.

وقالت: نيجيريا ستستورد الآلات والمدخلات الصناعية من الإمارات لدعم أجندتها الصناعية، مشيرة إلى أنه تم فتح أكثر من 6000 خط استيراد.

وأفادت بأن مفاوضات التعرفة الجمركية نُفذت بشكل تعاوني مع وزارات المالية والصناعة والتجارة والاستثمار.

وأكدت أن دور الحكومة يشمل بناء القدرات للمصدرين من خلال وكالات مثل مجلس ترويج الصادرات النيجيري، وبنك «نيكسيم»، وبنك الصناعة، ووكالة تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وحثت الشركات النيجيرية على الاستفادة الكاملة من تدابير تيسير التجارة وفرص التصدير التي خلقتها الاتفاقية.

وقالت إن الصفقة تتماشى مع تنويع نيجيريا غير النفطي وأجندتها القائمة على التصدير، مضيفة أنه يجري إعادة تجهيز المناطق الاقتصادية الخاصة لتكون مخصصة للإنتاج الموجه للتصدير حصراً.

قوة استهلاكية كبيرة

تعد نيجيريا من أسرع دول العالم نمواً من حيث عدد السكان، إذ يصل عدد سكانها إلى نحو 240 مليون نسمة، ما يوفر قاعدة استهلاكية ضخمة تمثل سوقاً جذابة للمنتجات والخدمات محلياً ودولياً. هذا الحجم السكاني يعزز من إمكانات الطلب الداخلي طويل الأجل ويوفر قوة استهلاكية كبيرة للشركات المحلية والعالمية.

ويعد الاقتصاد النيجيري هو الأكبر في أفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، لكنه يتنافس على المراكز الأولى مع جنوب أفريقيا ومصر، وتختلف الأرقام قليلاً حسب سنة التقدير وتعادل القوة الشرائية؛ حيث يضعها صندوق النقد الدولي في المرتبة الأولى كأكبر اقتصاد أفريقي في تقديرات 2025، معتمداً على قطاع النفط وسوقها الضخم.

ففي عام 2025، يراوح تقدير الناتج المحلي الإجمالي لنيجيريا بين نحو 285 مليار دولار (تقديرات صندوق النقد الدولي الاسمي) و387 مليار دولار، مع توقعات بأن يتجاوز 374 مليار دولار، وتُشير تقديرات أخرى (بمعادلة القوة الشرائية) إلى أرقام أعلى بكثير تصل إلى نحو 2.59 تريليون دولار، مدعومة بنمو كبير في قطاع الخدمات والقطاعات غير النفطية، وتوقعات بنمو سنوي يقارب 3.9%. هذه الأرقام تعكس توسعاً في الأنشطة الاقتصادية، خاصة في الخدمات والزراعة والقطاع غير الرسمي.

وحقق الاقتصاد النيجيري نموًا بمعدل 4.6% في نهاية عام 2024، وهو أسرع معدل نمو خلال نحو عقد من الزمن، وفق تقديرات البنك الدولي. وفي الربع الثاني من 2025 سجل نمواً بنسبة 4.23% مقارنة بالفترة نفسها في 2024، مع توسع قوي في قطاعات الصناعة والخدمات. هذه الأرقام تعكس قدرة الاقتصاد على التعافي بعد الإصلاحات وتوسع النشاط الاقتصادي في قطاعات متعددة.

وقد استطاعت نيجيريا خلال عام 2025 تقليص معدل التضخم إلى نحو 14.45% بحلول نوفمبر 2025، مقارنة بـ33.18% قبل عام، وهو مؤشر مهم على الاستقرار بعد سنوات من التضخم المرتفع.

وبالنسبة للاحتياطيات الأجنبية، فقد ارتفعت إلى نحو 45.5 مليار دولار، ما يعزز قوة الاحتياطيات النقدية وقدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية. مثل هذا التحسن يعكس تأثير الإصلاحات النقدية التي حسّنت قدرة الدولة على إدارة سياساتها المالية والنقدية.

التجارة والميزان التجاري

وسجلت نيجيريا فائضاً تجارياً إيجابياً خلال عام 2025 مدعوماً بزيادة الصادرات غير النفطية مثل الكاكاو والسمسم، ووصل الفائض إلى نحو 8.42 مليارات دولار في النصف الأول، واستمر الاتجاه الإيجابي في الربع الثالث، ما يشير إلى تنويع الاقتصاد، رغم أن صادرات النفط والغاز تظل المكون الأكبر في إجمالي الصادرات، مع شركاء تجاريين رئيسيين هم أوروبا وآسيا.

ونمت الصادرات غير النفطية بنحو 24.6% في 2025، في حين أن صادرات الغاز ارتفعت بـ48.3%. ويعكس هذا التطور قدرة نيجيريا على تنويع وتوسيع أنشطتها التجارية رغم التحديات.

ويعد القطاع الخدمي في نيجيريا قطاعاً حيوياً يمثل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، وتبرز فيه مجالات التجارة والمعلومات والاتصالات والعقارات والخدمات المهنية والمالية.

ويشهد نمواً مدعوماً بالقطاع الخاص، ولكن لا يزال يواجه تحديات مثل الحاجة إلى البنية التحتية وتحسين بيئة الأعمال، مع نمو ملحوظ في البنوك وقطاع التكنولوجيا المالية.

وأظهر القطاع الصناعي، بقيادة النفط والغاز، توسعاً قوياً وبرز في نمو الربع الثاني من عام 2025، ما ساعد على تعزيز قدرة الاقتصاد على خلق قيمة إضافية.

وفي قطاع الطاقة النظيفة، أطلقت نيجيريا صندوقاً بقيمة 2 مليار دولار لدعم الانتقال للطاقة النظيفة والمشروعات المستدامة، مع خطة لجذب 25 إلى 30 مليار دولار سنوياً في تمويل المناخ. وهذه القطاعات تظهر اهتمام المستثمرين الأجانب والمجتمع الدولي بالإمكانات الاقتصادية النيجيرية.

شريك إقليمي

وطبقاً لوزارة التجارة الخارجية، تعد دولة الإمارات أكبر سوق تصديري إلى نيجيريا بين الدول العربية بما يعكس مدى الروابط بين السوق المحلي والقارة الأفريقية. وتعزز تلك العلاقات الواسعة تحقيق أهداف الاتفاقيات المشتركة من خلال انسيابية رؤوس الأموال والاستثمارات إلى القطاعات ذات القيمة المضافة بين الجانبين، ولا سيما قطاعات أساسية، منها الزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

وتتمتع نيجيريا بمقومات خاصة تفتح المجال نحو نجاحات وفرص مستقبلية واسعة على صعيد التأثيرات الإيجابية المشتركة. فعلى صعيد قوة الاقتصاد المحلي، ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، من المنتظر أن تحتفظ نيجيريا بموقعها بين أكبر ثلاثة اقتصادات أفريقية بحلول عام 2030.

ويشكل القطاع النفطي في نيجيريا نحو 90% من إيراداتها بما يعزز فرص التعاون المشترك مع الإمارات بصفتها ضمن أكبر منتجي النفط في العالم.

وتظهر بيانات «أوبك» أن نيجيريا حافظت على ريادتها كونها أكبر منتجي النفط في القارة الأفريقية، تلتها كل من ليبيا وأنجولا والجزائر، حيث شهدت تحسناً ونمواً سنوياً خلال السنوات الماضية في حجم الإنتاج ليصل إلى 1.35 مليون برميل يومياً.

كما تتمتع نيجيريا بمكانة متقدمة في سوق المعادن عالمياً، ولا سيما على صعيد المعادن الاستراتيجية، ويعزز ذلك خطوات الاقتصاد النيجيري نحو فتح مجالات التنوع وإيجاد مصادر أخرى قوية للدخل القومي بخلاف الاقتصاد النفطي.

وتأتي نيجيريا ضمن مقدمة 5 دول أفريقية تنتج ثلثي إنتاج القارة السوداء من المعادن، وفق بيانات هيئات دولية منها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية والتي صنفت نيجيريا بأنها الخامسة عالمياً في إنتاج المعادن النادرة.

في حين تعد بشكل خاص ثاني أكبر منتج عالمي لمعدن التنتالوم بحصة تبلغ 18.7% من الإنتاج العالمي. وتشير دراسات أخرى إلى تمتع نيجيريا باحتياطيات كبيرة من المعادن مثل الذهب والحديد واليورانيوم، ولا زالت تنتظر تطوير الإنتاج بما يفتح سوقاً واسعة لفرص الاستثمار تعزز الشراكات الاقتصادية.

وزيرة التجارة النيجيرية:

الإمارات من أكبر الدول التجارية في العالم وبوابة رئيسة تربط الأسواق شرقاً وغرباً

نعتزم استيراد الآلات والمدخلات الصناعية من الإمارات لدعم أجندتنا الصناعية

7000

منتج معفى من الرسوم الجمركية بعد توقيع اتفاقية الشراكة