هل ما زال هناك معنى إلى الآن لهذه السيرة؛ الإخوان، حازم أبو إسماعيل، حازمون؟ فبماذا يمكن ملء هواء الفضائيات المصرية، إذا فعلت الجماعة المستحيل، وقامت بحل نفسها؟!
    سيرة الإخوان هي موضوع الإعلام المصري منذ إثني عشر عامًا، ورغم إجراءات الاستئصال، التي بدأت في يوليو/تموز 2013، فإن التنظيم ما زال هو موضوع الساعة وكل ساعة، فمتى يطوون ملفه ويبحثون عن موضوعات أخرى للت والفت فيها، ولو بتقليد عمرو أديب في فقرات الأكل حتى التخمة؟!
    قبل ساعتين من كتابة هذه السطور، شاهدت مقطعًا لمقابلة القيادي الإخواني المستقيل مختار نوح، على برنامج «نظرة» في قناة «صدى البلد»، والجديد فيه هو الحديث عن الشيخ حازم أبو إسماعيل، حتى اعتقدت أنه مقطع قديم يرجع لعام 2013، فلا أحد طيلة السنوات الماضية يتحدث عنه، وقد بدا بالقبض عليه أن الزحام حوله لا أحد، رغم أنه كان أقوى المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية!
    وفي البحث والتنقيب تبين لي أن المقطع جزء من حلقة كاملة لبرنامج «نظرة» لحمدي رزق، مع مختار نوح، تم بثها قبل ثماني ساعات، فليست حلقة قديمة. والحديث عن الجماعة ليس مدهشًا، لأنه لم يتوقف خلال السنوات الماضية، مع الوضع في الحسبان أن قناة «العربية» خصصت للجماعة برنامجًا من بابه هو «مراجعات»، يقدمه رئيس هيئة الاستعلامات المصرية ضياء رشوان، وتحول في الآونة الأخيرة إلى الدعوة للجماعة. وقد تعرضنا هنا في هذه الزاوية «فضائيات وأرضيات» لاستضافة إخوانية سابقة، ما قالته يندرج ضمن إطار «الدعوة الفردية» للجماعة!
    وإذ شاع هذا المصطلح، فقد سألت أحد الأصدقاء الإخوان ماذا تعني «الدعوة الفردية»؟ فأجاب: ما أفعله معك الآن هو «دعوة فردية». لكن ما كتبته عن هذه الاستضافة كان فرصة لأقف على الجذور التاريخية لهذه الدعوة، من خلال تعليق لرئيس حزب الوسط المصري المهندس أبو العلا ماضي، الذي أرجعها إلى مصطفى مشهور، وكنت أعتقد أن «الدعوة الفردية» فكرة أطلقها حسن البنا!
    رشوان فاجأنا بمقابلة أخرى من برنامجه على قناة «العربية» مع زميلة صحافية انتمت للإخوان في فترة من الفترات، فإذا بمقطع يمثل تبشيرًا بالجماعة، روّج له الإخوان أنفسهم باعتباره رمية من غير رام. فماذا لو انتقل برنامج «مراجعات» إلى مكانه الطبيعي عبر قناة «مكملين»؟ أعتقد أنه سيتم توجيه الاتهام القضائي إلى المذيع وضيوفه بالتعاون مع جماعة إرهابية في سبيل نشر أهدافها!

    القرار الأمريكي بخصوص الإخوان

    فلا مفاجأة أن يكون موضوع برنامج «نظرة» هو الإخوان المسلمون، فالحديث عنهم لم يتوقف طيلة السنوات الماضية، وإن كان الحديث عن حازم صلاح أبو إسماعيل هو الجديد. كما أن المتحدث، وهو مختار نوح المحامي، ليس غريبًا على هذه المرحلة، لكنه ذكرنا بنفسه. وكان البعض قد توقع أن يُعيَّن في مجلس النواب، بعد تعيين تلميذه ثروت الخرباوي في مجلس الشيوخ، وهو خطأ منهجي؛ فليس جيدًا أن تبدو السلطة كما لو كانت تكافئ من يهاجمون الإخوان، لأنها بما فعلت توحي بأن الهجوم مدفوع الثمن، فتفقد المهمة استقلالها النظري!
    وهناك مناسبة جديدة تبرر أن يكون موضوع الإخوان بندًا في برامج «توك شو» في الفضائيات المصرية، وهو أن ترامب وضع الإخوان في ثلاث دول هي مصر ولبنان والأردن على قوائم الإرهاب. والدعاية في الداخل المصري تروّج لفكرتين في هذا الصدد: الأولى عظمة الرؤية المصرية، التي كانت سبّاقة في الوقوف على الخطر الإخواني. والثانية أن الإدارة الأمريكية فعلت ذلك خضوعًا للنظام المصري.
    بيد أن الجديد هو ذكر اسم حازم أبو إسماعيل، وتقييم مختار نوح له بأنه ليس من الإخوان، وأنه مع نفسه، وأنه ينظر لذاته على أنه زعيم، وأن «حازمون» أخطر من الجهادية السلفية، دون أن يخبرنا أين هم «حازمون» الآن؟!
    وعدم إخوانية حازم ذكرتني بما قيل عقب إعلانه الترشح لرئاسة الجمهورية، ونفي القيادي الراحل بالجماعة عصام العريان في تصريحات إعلامية علاقة حازم أبو إسماعيل بالإخوان، وهو الأمر الذي تعرضت له في حينه. فقبل سنوات بعيدة، وفي حياة والده البرلماني الشيخ صلاح أبو إسماعيل، كنت أعرف أن حازم انضم للإخوان، وعلمت بعد ذلك أن خوضه، بعد سنوات، لانتخابات مجلس نقابة المحامين كان قرارًا من الجماعة، وكان يفتقد الحماس لذلك، فلم تكن له بصمة خلال هذه الدورة!

    مراجعات الإخوان.. ماذا تعني؟

    وبعيدًا عن حازم و«حازمون»، فإن الحلقة بدت لي في سياق آخر غير السياقات الماضية، من خلال الحديث عن مراجعات الجماعة، وأن هناك في داخل السجون من قاموا بذلك، لكن الإعلان عنها سيكون بعد خروجهم من السجن. وقد ضرب نوح مثلًا بشخصيات قامت بمراجعات، مثل الوزير السابق محمد علي بشر، والدكتور محمد البلتاجي.
    والحلقة ذكرتنا بالدكتور بشر، الذي لا نرى مبررًا لسجنه أصلا، وهو من الحمائم داخل الجماعة. وفي يوم فض رابعة، تولى انهاء السيطرة على مديريات الأمن وأقسام الشرطة في عدد من المحافظات، وقد استعان به اللواء العصار، عضو المجلس العسكري، في هذه المهمة، ثم فوجئنا باعتقاله بعد ذلك.
    المفيد هو ما قاله مختار نوح: إن 80 في المئة ممن هم في السجون لم يعودوا من الإخوان، وإن من رجال دولة محمد مرسي من لم يكونوا من الجماعة، ولم يُعرف عنهم انتماء لها، لكنهم أعلنوا الانتماء من باب المصلحة. وإن هناك من في الخارج من يتبنون فكرة المصالحة مع الدولة، مثل الدكتور حلمي الجزار، لكنهم يخشون الإفصاح عن ذلك. والجزار نفسه يعلن الرغبة في المصالحة ثم يتراجع بعد ضغوط من أطلق عليهم الذباب الإلكتروني!
    الرسالة التي التقطتها من الحلقة هي أن هناك اتجاهًا لتصفية الملف، ولا أعرف إن كانت هذه «رؤية» المذيع، أم توجهًا داخل النظام، ولا نعرف إن كان عليه إجماع بين الأجهزة الأمنية أم رأي جهاز؛ لأنه إن لم يكن هناك توافق بين الأجهزة، فلن تراوح الفكرة مكانها.
    والجديد هو القرار الأمريكي، وهو ليس في صالح السلطة في مصر، رغم فرح العمدة المنصوب ابتهاجًا به، وإعلان ضياء رشوان بحماسه المعهود في قناة «إكسترا نيوز»: «إن القرار الأمريكي يعني انعدام الحديث عن الإخوان كبديل سياسي في أي مكان عربيًا»!
    وحماسه أفقده القدرة على إدراك الخطر في القرار الأمريكي، لأنه هنا خسر الفزاعة. ومبارك حكم عشرين عامًا، منذ 1990، بهذه الفزاعة، وعدم الضغط الأمريكي عليه في انتخابات نزيهة لتقديم الإخوان كبديل لحكمه. وكان في قمة سعادته والإخوان يفوزون بـ 88 نائبًا في برلمان 2005. وقد فزعت إسرائيل، واستجارت بالولايات المتحدة الأمريكية، لينقل الرئيس الأمريكي هذا الفزع لمبارك، وإلى درجة أن رئيس الحكومة المصرية أحمد نظيف أعلن تزوير الانتخابات لإسقاط 44 مرشحًا إخوانيًا آخرين، فلم يدن البيت الأبيض أو الاتحاد الأوروبي هذا الاعتراف!
    الآن، فإن النص القانوني بعدم ترشيح من تثبت إخوانيته يتفق مع المعايير الأمريكية، فلا معنى في المستقبل لتصدير فزاعة الإخوان لتبرير الاستبداد واحتكار السلطة. هذا بجانب أن هناك جنينًا يتشكل في ما يعرف بشباب «زد»، وهو يتغذى على فكرة وجود معتقلين في السجون، ومعتقلات بالذات. ولإزالة هذا الاحتقان، يستوجب حلحلة ملف المعتقلين وتفكيك ملف الإخوان. فهل كانت حلقة برنامج «نظرة» خطوة في هذا الاتجاه.. الصحيح بالمناسبة؟!
    إن ما سبق تحليل أراه منطقيًا، وغير المنطقي هو ما ذهب إليه ضياء رشوان، وأن ترى بعض الأجهزة ضرورة الاستمرار في السياسة نفسها، وما يرتب عليها من استمرار الاحتقان الشعبي!
    كثيرون في الداخل والخارج سيتحولون إلى عاطلين لو جرى تفكيك معضلة الإخوان!
    على بركة الله.

     صحافي من مصر