أثار إعلان دونالد ترمب عن “مجلس السلام” في غزة، الكثير من التساؤلات بشأن ما إذا كان الرئيس الأميركي يخطط لتشكيل كيان مواز للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، أو على الأقل منافستهما في إدارة المشهد الدولي.

واكتسبت الأسئلة كثيراً من الجدية حين تبين أن الميثاق المرسل إلى الأعضاء المحتملين في “مجلس السلام” لا يذكر حتى القطاع الفلسطيني، لكنه يؤكد على الحاجة إلى “هيئة دولية أكثر مرونة، وفعالية لبناء السلام”، وفق صحيفة “فاينانشيال تايمز”.

واعتبرت الصحيفة البريطانية، أن التفويض الواسع لـ”مجلس السلام” الذي عينه ترمب، والمخطط له أن يشرف على غزة، يمهد الطريق لمنافسة الأمم المتحدة ومؤسساتها، حيث تشير الصياغة الفضفاضة للميثاق إلى أن المجلس قد يمارس الوساطة في نزاعات عالمية أخرى.

وذهبت “فاينانشيال تايمز” إلى أن الصياغة “الفضفاضة” للميثاق، المرسل إلى الأعضاء المحتملين بالمجلس، تعني أن ترمب برئاسته “مجلس السلام” ربما يخطط لمنافسة الأمم المتحدة، التي انسحب من نحو 66 هيئة ومنظمة تابعة لها، منذ أيام.

ويصف الميثاق المجلس بأنه “منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم القانوني الموثوق، وتحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالصراع”.

عضوية مقابل رسوم مالية

وتنص مسودة ميثاق “مجلس السلام” على أن إدارة ترمب تطلب من الدول التي ترغب في الحصول على مقعد دائم في “المجلس”، المساهمة بمبلغ لا يقل عن مليار دولار، بحسب “بلومبرغ”. 

وتنص المسودة كذلك، وفق “بلومبرغ” على أن “مدة كل عضو لا تتجاوز 3 سنوات من تاريخ دخول هذا الميثاق حيّز التنفيذ، مع إمكانية التجديد من قبل الرئيس.. ولا تُطبّق هذه المدة على الدول التي تساهم بأكثر من مليار دولار نقداً في مجلس السلام خلال السنة الأولى من دخول الميثاق حيّز التنفيذ”.

ومع ذلك، علق البيت الأبيض على ذلك قائلاً: “هذا مضلل، فلا يوجد حد أدنى لرسوم العضوية للانضمام إلى مجلس السلام.. ببساطة يتم منح عضوية دائمة للدول الشريكة التي تظهر التزاماً عميقاً بالسلام والأمن والازدهار”.

بحسب مسودة الميثاق، سيتولى ترمب رئاسة المجلس، وسيكون صاحب القرار في اختيار الدول المدعوة للانضمام، كما تُتخذ القرارات بالأغلبية، بحيث تحصل كل دولة عضو حاضرة على صوت واحد، لكن جميع القرارات ستخضع لموافقة “الرئيس”.

ويصبح المجلس فعالاً بشكل رسمي بمجرد موافقة 3 دول أعضاء على الميثاق. كما ينصّ على أن ترمب سيكون مسؤولاً عن “الموافقة النهائية” للمجموعة.

مجلس السلام منظمة دولية

ووفق الميثاق الذي اطلعت عليه “فاينانشيال تايمز”، فإن “مجلس السلام منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الديمقراطي والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراع”.

وجاء توزيع الميثاق بعد أن طرح المسؤولون الأميركيون، فكرة السماح للمجلس بالتوسط في بؤر التوتر الأخرى مثل أوكرانيا وفنزويلا، ويبدو أنه يعطي مصداقية لمخاوف الدبلوماسيين من أن إدارة ترمب تسعى إلى إيجاد طرق لتهميش الأمم المتحدة.

وبحسب مسؤول في البيت الأبيض، فإن “المستوى الأعلى من مجلس الإدارة” سيتألف “حصرياً” من رؤساء الدول في ظل قيادة ترمب، ويمنحه أيضاً “حق النقض” على قرارات المجلس.

كما يمنحه “السلطة الحصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات الفرعية حسب الضرورة أو الملاءمة لتحقيق مهمة مجلس السلام”، مثل اللجنة التنفيذية التي ستتعامل مع غزة، أو مجالس مماثلة أخرى تم إنشاؤها من أجل نزاعات أخرى.

نفوذ ترمب

ودعا ترمب عدداً من قادة العالم، بينهم رئيس الأرجنتين خافيير ميلي، ورئيس وزراء كندا مارك كارني، للانضمام إلى “مجلس سلام” في غزة.

ووفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر، تمت دعوة دول أوروبية للانضمام إلى المجلس، لكن المسودة تُظهر أن ترمب سيكون المتحكم بالأموال، وهو أمر يُعد غير مقبول بالنسبة لمعظم الدول التي قد تفكر في الانضمام، بحسب مصادر لـ”بلومبرغ”.

وأضافت المصادر، أن “عدة دول تعارض بشدة مسودة ميثاق ترمب وتعمل على تنسيق رد جماعي ضد المقترحات”.

وينص الميثاق على أن مجلس السلام سيعقد اجتماعات تصويتية مرة واحدة على الأقل سنوياً، و”في أي أوقات وأماكن إضافية يراها الرئيس مناسبة”.

كما يخضع جدول الأعمال لموافقة الرئيس، وسيعقد المجلس اجتماعات دورية غير تصويتية، على أن تُعقد هذه الاجتماعات مرة واحدة على الأقل كل 3 أشهر.

وسيكون لترمب أيضاً سلطة إزالة أي عضو، على أن يكون ذلك قابلاً للنقض من قبل ثلثي الدول الأعضاء. وتقول المسودة: “يجب على الرئيس في جميع الأوقات تعيين نائب له”.

وأثارت كل هذه المعطيات، شعوراً بالقلق لدى منتقدين، خوفاً من أن يكون ترمب يسعى إلى إنشاء بديل، أو منافس، للأمم المتحدة التي طالما انتقدها.

وقال مسؤول أوروبي رفيع المستوى لـ””فاينانشيال تايمز”، إنها “فكرة ملتبسة للغاية، ما معنى “العضوية”؟ هل هي تحالف أم هيئة وساطة بين الخصوم؟”.

وقال مسؤول أميركي، الجمعة، إن التخطيط لـ”مجلس السلام” يركز على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولم يتوسع بعد إلى ما هو أبعد من ذلك.

لكن في وقت لاحق، قال المسؤول إن “مجلس السلام” قد تم تشكيله بمجلس رفيع المستوى يتألف من رؤساء الدول، وتحته مجلس تنفيذي مؤسس، والذي بدوره يعلو مجلساً تنفيذياً لقطاع غزة، لأن “من الممكن أن يتطور مجلس السلام في المستقبل ليشمل أكثر من غزة”.

وقال المسؤول إن اتفاقيات السلام الأخرى التي “أنجزها ترمب” يمكن إدراجها” ضمن ولاية مجلس السلام من خلال إنشاء مجالس تنفيذية أخرى.

ولطالما كان ترمب معادياً للأمم المتحدة، وتداول فكرة انسحاب أميركا المتحدة منها بالكامل.