
في ذروة التصعيد الكلامي الذي أطلقه دونالد ترامب تجاه إيران، ثم في التراجع المفاجئ الذي أعقبه، عاد السؤال القديم الجديد ليطرح نفسه بإلحاح: هل تراجعت الولايات المتحدة فعلا عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، أم أن ما جرى ليس أكثر من تأجيل محسوب، تحكمه اعتبارات استراتيجية وتكتيكية أكثر تعقيدا مما تسمح به تغريدات الرئيس المتناقضة؟ القراءة المتأنية لمسار الأيام الأخيرة، وللمواقف الأمريكية والإسرائيلية والإقليمية، توحي بأننا لسنا أمام عدول نهائي، بل أمام «إدارة زمن» دقيقة لأزمة شديدة الانفجار. ترامب، الذي رفع السقف إلى حد غير مسبوق، حين دعا الإيرانيين علنا إلى «الاستمرار في الاحتجاج»، مؤكدا أن «المساعدة في الطريق»، وجد نفسه بعد أيام قليلة يعلن أنه تلقى «تأكيدات موثوقة» بأن القتل توقف، وأنه «لا توجد خطط للإعدامات».
هذا التحول السريع في الخطاب، لم يكن انعكاسا لاكتشاف إنساني مفاجئ، بل ثمرة توازنات داخلية وخارجية معقدة، فحسب مصادر في الإدارة الأمريكية، يشعر ترامب بأنه وضع لنفسه «خطا أحمر»، وأن سمعته كرئيس «ينفذ ولا يكتفي بالكلام» باتت على المحك، خصوصا في ظل مقارنته المتكررة بباراك أوباما الذي تراجع عن ضرب سوريا عام 2013. ومع ذلك، فإن الإحساس بالالتزام بالتحرك لا يعني بالضرورة، أن هذا التحرك سيكون فوريا أو عسكريا بالضرورة.
دول عربية حليفة لواشنطن، نقلت رسائل واضحة للإدارة الأمريكية تحذر من أن أي ضربة عسكرية ستشعل المنطقة بأكملها، وستنعكس فورا على أسعار الطاقة وأمن الملاحة
داخل واشنطن نفسها، الانقسام واضح، فريق من مستشاري الأمن القومي يدفع باتجاه ضربة محدودة و»نظيفة»، تركز على أجهزة القمع أو رموز السلطة، من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة، أو وجود بري. في المقابل، يحذر آخرون من أن أي ضربة، مهما بدت محدودة، قد تفتح الباب أمام رد إيراني واسع يستهدف القواعد الأمريكية في الخليج وإسرائيل معا، في لحظة إقليمية هشة أصلا. لهذا السبب، يجري بحث بدائل أقل كلفة: هجمات سيبرانية، عقوبات إضافية، أو تشديد الخنق الاقتصادي مع إبقاء السيف العسكري مرفوعا لا مستخدَما. العامل الإقليمي لعب دورا حاسما في كبح الاندفاعة الأولى. دول عربية حليفة لواشنطن، من السعودية وقطر إلى عُمان ومصر، نقلت رسائل واضحة للإدارة الأمريكية تحذر من أن أي ضربة عسكرية ستشعل المنطقة بأكملها، وستنعكس فورا على أسعار الطاقة وأمن الملاحة في مضيق هرمز. مسؤول عربي لخص المزاج السائد بالقول، «الأمور هدأت في الوقت الحالي، والولايات المتحدة تعطي فرصة للمحادثات لترى إلى أين ستصل». هذا الضغط الإقليمي لم يكن هامشيا، بل جاء من دول تدرك أنها ستكون في مرمى أي رد إيراني مباشر أو بالوكالة. في هذا السياق، برز الدور الإسرائيلي كأحد أكثر العوامل حساسية وإرباكا. على عكس الصورة النمطية التي تفترض أن تل أبيب تدفع دائما نحو المواجهة، كشفت تقارير متطابقة أن بنيامين نتنياهو طلب من ترامب «التريث» في توجيه ضربة لإيران. هذا الطلب لا يعكس تحوّلا أخلاقيا مفاجئا، بل حسابات باردة: إسرائيل استنزفت جزءا مهما من مخزونها الدفاعي خلال جولة القتال السابقة مع إيران، وتدرك أن جبهة داخلية متعددة الاتجاهات قد لا تكون مستعدة بعد لمواجهة وابل صاروخي إيراني مباشر، أو عبر حلفاء طهران. في الوقت نفسه، حرصت القيادة الإسرائيلية على التأكيد أنها «لا تسعى حاليا إلى ضربة»، لكنها ستدعم أي قرار أمريكي إذا اتُخذ، في محاولة للإبقاء على حرية الحركة السياسية والعسكرية معا.
داخل إيران نفسها، حاولت أصوات قريبة من دوائر القرار تهدئة مخاوف الحرب. صحف ومحللون محسوبون على التيار المحافظ، أو الإصلاحي، تحدثوا عن أن واشنطن «غير راغبة في خوض حرب جديدة»، وأن تركيز ترامب منصب على نصف الكرة الغربي أكثر من الشرق الأوسط. هذا الخطاب، الذي رددته وسائل إعلام عدة، بدا موجها بالدرجة الأولى إلى الداخل الإيراني، في محاولة لطمأنة الأسواق التي اهتزت بفعل الخوف من التصعيد، لكنه في الوقت نفسه يعكس إدراكا إيرانيا بأن لحظة الضعف الراهنة ـ اقتصاديا وعسكريا ـ تجعل أي مواجهة مباشرة مغامرة محفوفة بالمخاطر.
التقديرات الأمريكية لا تنفصل عن هذا الإدراك. فالتقارير الاستخباراتية تشير إلى أن إيران، رغم تهديداتها العالية النبرة، حريصة على عدم تقديم ذريعة واضحة لتدخل عسكري واسع. من هنا جاء تشديد القبضة الأمنية في الداخل، وقطع الإنترنت، وضبط وتيرة العنف إلى مستوى لا يستفز واشنطن علنا، مع إرسال رسائل غير مباشرة بأن النظام «يسيطر على الوضع». هذه الرسائل، سواء كانت دقيقة أم مبالغا فيها، وفرت لترامب مخرجا تكتيكيا للتراجع المؤقت، من دون أن يبدو كمن خسر التحدي، لكن هذا «التراجع» لا يعني أن سيناريو الضربة قد أُسقط من الحسابات. الإدارة الأمريكية، كما تشير مصادر متعددة، أبقت كل الخيارات على الطاولة، وواصلت في الوقت نفسه تحريك قطعها العسكرية في المنطقة، من حاملات الطائرات إلى منظومات الدفاع الجوي، هذا التناقض الظاهري ـ تهدئة في الخطاب مقابل استعداد عسكري ـ يعكس استراتيجية كلاسيكية: الضغط من دون التورط، وإبقاء الخصم في حالة عدم يقين دائم. أما التوقعات، فهي تتراوح بين ثلاثة مسارات محتملة، الأول، وهو الأرجح على المدى القصير، استمرار حالة «اللاحرب- اللاسلم»، حيث تُستخدم العقوبات والتهديدات والضغوط الدبلوماسية لإجبار طهران على خفض منسوب القمع الداخلي، من دون انفجار عسكري. الثاني، ضربة محدودة ومفاجئة، تُنفذ إذا ما شعر ترامب بأن مصداقيته تتآكل، أو إذا ارتكبت طهران فعلا يصعب تجاهله. الثالث، وهو الأخطر، انزلاق غير محسوب نتيجة خطأ في التقدير من أحد الأطراف، وهو سيناريو تخشاه العواصم العربية والأوروبية على حد سواء.
في خضم هذا المشهد الملبّد بالتصعيد والتراجع، عاد اسم رضا بهلوي ليطفو على السطح بوصفه أحد السيناريوهات البديلة، التي يجري تداولها، ولو بحذر، داخل دوائر القرار الأمريكية. نجل الشاه محمد رضا بهلوي لم يعد مجرد معارض يعيش في المنفى، بل بات يظهر في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي كـ»خيار محتمل» لمرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية، أو على الأقل كرمز يمكن توظيفه في مرحلة انتقالية مضطربة، هذا الحضور المتزايد لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع سعي إدارة دونالد ترامب إلى إبقاء كل السيناريوهات مفتوحة، بما فيها سيناريو «البديل الجاهز» إذا ما انهار النظام أو تعرض لضربة قاصمة. غير أن اللافت هو التذبذب الواضح في موقف ترامب نفسه من رضا بهلوي. ففي لحظة، يصرح الرئيس الأمريكي بأنه لا يرى في بهلوي شخصية قادرة على إدارة إيران، مشككا في مدى قبوله الشعبي داخل البلاد، ومؤكدا أن الولايات المتحدة «ليست في وارد تنصيب ملوك». وفي لحظة أخرى، يترك الباب مواربا، قائلا إن بهلوي «يبدو شخصا لطيفا» وإنه «إذا قبله الإيرانيون فلا مشكلة لدينا»، في تناقض يعكس أكثر مما يخفي طبيعة التفكير داخل البيت الأبيض. هذا التردد لا ينبع فقط من شخصية ترامب المتقلبة، بل من إدراك عميق لتعقيدات الداخل الإيراني، حيث لا يزال إرث الشاه يثير انقسامات حادة، بين من يراه رمزا للاستقرار المفقود، ومن يعتبره تجسيدا للاستبداد والتبعية. من جهة أخرى، يبدو أن توظيف رضا بهلوي في الخطاب الأمريكي أقرب إلى ورقة ضغط سياسية منه إلى مشروع متكامل. فالإدارة الأمريكية تدرك أن المعارضة الإيرانية في الخارج منقسمة ومفتتة، وأن أي رهان على شخصية واحدة قد يفشل في حشد الداخل، بل قد يمنح النظام الحالي مادة دعائية ثمينة للقول، إن ما يجري «مؤامرة لإعادة الملكية». لهذا السبب، يُستخدم اسم بهلوي أحيانا كإشارة رمزية، وأحيانا كبالون اختبار لقياس ردود الفعل، من دون التزام واضح بتحويله إلى خيار فعلي.
في الخلاصة، ما جرى لا يمكن وصفه بتراجع نهائي عن الخيار العسكري، ولا بمجرد مناورة إعلامية. نحن أمام تأجيل محسوب، فرضته موازين القوى الإقليمية، والانقسام داخل الإدارة الأمريكية، والحسابات الإسرائيلية الدقيقة، إضافة إلى إدراك متبادل بأن كلفة الضربة، حتى لو كانت «نظيفة»، قد تتجاوز مكاسبها السياسية. تصريحات ترامب المتناقضة ليست دليلا على الارتباك فحسب، بل جزء من أسلوب تفاوضي قائم على إبقاء الجميع في حالة توتر دائم. والسؤال لم يعد ما إذا كانت الضربة ستقع، بل متى، وبأي شكل، وتحت أي ذريعة ستنفذ؟ وفي الشرق الأوسط، حيث سوء التقدير غالبا ما يتسبب في إشعال الشرارة الأولى، يبقى الاحتمال مفتوحا على كل السيناريوهات.
كاتب عراقي
