هل كان ذلك الغياب المضمخ بالألم البشري هو الوحيد القادر على فرض نفسه على مسرح الحياة؟
هكذا كانت الحقيقة دائماً، وهكذا كان فعل النجومية الحقيقي بعيداً عن ثرثرة المعجبين وأعداد المتابعين.
قبل أيام، تابعت بشكل خجول بعض فقرات حفل «الجوي أوردز» الذي أقيم في المملكة العربية السعودية، الذي لا يختلف عن بهرجة الحفلات العالمية من حيث التنظيم والالتفاتات الجمالية لثيمة الحفل والاحتفاء الباذخ بالدراما السورية بعد غياب اشتقنا له جميعاً، لكن على الرغم من وجود وجوه عالمية تواضعت لتسليم الجوائز لنجوم عرب، وهذا ما لم يحدث سابقاً في تاريخ الفن العربي، كانت الأضواء تخفت شيئاً فشيئاً بينما يسطع نجم الغائبة شيرين عبد الوهاب في خيالنا، دون وعي منا أو قصدية مباشرة. إذ لم أكن يوماً من المهووسين بصوت شيرين أو حتى غيرها من الفنانين، عدا كاظم الساهر طبعاً. لكني رغماً عني وجدت هذه السيدة تمشي مثل الطاووس في سطوة من الغياب المرهون بالحضور الخاطف، وتأخذ موقعاً لم تحدده لها اختياراتها الصحيحة في الحياة، بل على العكس تماماً، كانت ساطعة لأنها أخطأت، لأنها كانت نجمة بشرية مثلنا، تقلبت على صفيح الحب الساخن، ثم تداعت في الهروب من الواقع بالتعاطي وغابت في متاهات الكآبة الحادة، وعانت من السمنة المفرطة والتعب والإرهاق والقلق المزمن. احترقت بنجوميتها مثلها مثل سارتر وفوكو ورامبو وفريدي ماركوري ووتني هيوستن. في سيرة شيرين عبد الوهاب شيء يشبه ذلك الجرح الذي يقاوم التسمية، هكذا يشعر بها كل من تعرف جيداً على أغانيها، ثمة عاطفة مهزومة ومشاعر مستسلمة، لذلك نحن نعود إليها كلما احتجنا إلى ما هو خارج التسمية. وكلما تغيب شيرين، لا يبدو لنا ذلك الغياب «غياباً فنياً» بقدر ما يبدو كأنه انطفاء مصباح الشارع الذي اعتدنا أن نراه مضيئاً حتى ونحن نعبره سريعاً دون مبالاة. كيف يمكن لهذا الإحساس شديد الرهافة أن يُطالب بأن يبقى قوياً أمام شراسة الأيام وهيمنتها التي لا تُطاق؛ إنها معادلة ليست عادلة وحبكة مضحكة في رواية شيرين عبد الوهاب.
كتبت فرجيينا وولف في مقالتها «أن يكون الإنسان مريضاً»: «إن الألم يقاوم التسمية» ووصفته بالانقطاعات المؤقتة عن الحياة الاجتماعية، وفرجيينا وولف كانت في الواقع مريضة، ليس بالمعنى الجسدي للمرض، ولكنها كانت تعاني جرحاً في الروح، وهذا ليس فقط من الصعب تسميته، وإنما يتعذر الحديث عنه حتى مع الذات. وحين تتعطل اللغة يظهر العدم. وبوحي من عدمها، حملت حجارتين في جيوب معطفها وتمتعت براحة أبدية، تحت سورات مياه نهر الوز المحاذي لبيتها. كان الجميع من حولها يعرف أنها تعاني بصمت، لكنها كانت تثرثر وجعاً بالكتابة.
من هنا يمكننا القول: إن تجربة الألم لم تكن هامشاً على حياة فرجيينا وولف، كما أنها لم تكن كذلك في سيرة شيرين الفنية، بل إن ذلك، في عمقه، هو السياق الذي يفسر حسها المختلف الذي يحاول الموازنة بين المعاناة والإبداع، ويجعلها تصر على النظر إلى هزائمها اليومية كنمط حياة شخصية.
شيرين امرأة تبدو كأنها خرجت قبل دقائق من بيت مصري عادي، ثم صعدت إلى المسرح ومعها عدة الألم. لهذا، حين تتعثر حياتها الخاصة يتعامل كثيرون معها كما لو أنها «قريبة منهم» ليست من صنف «المشاهير» الذين يختلفون، يلومون، يبررون، ثم يعودون إلى النقطة نفسها: هم يريدونها بخير، لأن صوتها كان، لوقت طويل، جزءاً من طمأنينتهم؛ وهذه أنانية الجمهور الذي لا يعرف سيرة حياة المبدعين الحقيقية. إن المبدع الحقيقي لا يمكنه أن يبقى ساطعاً طوال الوقت، لا يستطيع أن يواجه الضوء الاصطناعي بينما يصارع أضواءه الداخلية التي تسري في خباياه وتحرقه بالكامل. من الصعب على إنسان مرهف كوتر مشدود أن يقاوم انقطاعات الموت، ومن هذا الحطام نفسه ينبع الحضور المتوهج الذي يهيمن على المكان والأصوات والتصفيق الحار والوجوه المألوفة، ويعلن أن الألم وحده دائماً ما يكون صاحب القصة الأصيلة، وأن المبدع حين ينهار بالكامل فإنه يرسل ذبذباته الخفية لكل من يرتدي بجامته في ليلة شتوية كئيبة، وهو يشاهد التماعات الآخرين على التلفزيون، فتبرق في رأسه شيرين ويقول: آه كم تشبهني تلك البنت هذه الليلة؛ كم هي عظيمة.. آه يا ليل.