منذ شاهدت فيلم «السادة الأفاضل» قبل أيام. لم تُبارحنى حالة الانبهار به، تأليفا وإخراجا وتميثلا. كمشاهد وليس ناقدا، وجدته إحدى أكثر التجارب السينمائية جرأة وإبداعا خلال السنوات القليلة الماضية. السيناريو رائع يجعلك لا تغفل لحظة عن الأحداث رغم تعددها وتشعبها. الأداء التمثيلى طبيعى دون افتعال، خاصة مجموعة الممثلين الشباب. كل عناصر النجاح تجمعت، مما جعل الفيلم حالة إعجاب عامة.. تتحدث عنها مع أسرتك وأصدقائك.

لكنى هنا أتحدث فقط عن الفكرة التى انطلق منها الفيلم. وهى أن الناس يقدمون أنفسهم ليس على حقيقتهم، بل كما يفضلون أن يراهم الآخرون. يريدون إقناعهم بأنهم صادقون، عطوفون، يصلون الرحم، ويتمتعون بحس المسؤولية والأمانة والكرم.. لكن الواقع غير ذلك. لا أحد صادق. الجميع يجرى وراء مصلحته وغرائزه. نحن نعيش، كما يرى صناع الفيلم، فى مجتمع مشوه يدعى أفراده الفضيلة، بينما هم غارقون فى البحث عن رغباتهم وملذاتهم حتى لو داسوا على أقرب أقربائهم. هل هذا صحيح؟ هل «السادة الأفاضل» ليسوا كذلك؟. للوهلة الأولى، ستكون الإجابة: نعم. تحدث مع أى شخص. غالبا، سيقول إن سلوك الناس يزداد سوءا.. حالات السرقة تتصاعد. العنف والانتقام والفساد كذلك. الألفاظ البذيئة سمة أساسية فى كلام الناس.

فى دراسة علمية منشورة عام 2023، قال أغلبية المشاركين من 60 دولة إن الحد الأدنى من اللياقة فى التعامل فى تراجع. 46٪ من الأمريكيين يعتقدون أن الوقاحة تزداد.

لكن هناك دراسات أخرى تشكك فى هذه الخلاصات. دراسة عالمية، شملت 32 ألف شخص عام 2022، أوضحت أن الغالبية تضع قيم الولاء والصداقة والمساعدة فى أعلى الاهتمامات. دراسات أخرى أشارت إلى أن الناس يتصرفون فى الشارع بشكل أخلاقى، وليس كما يتصور الإعلام والسينما والفن عموما. تحليل كاميرات المراقبة فى دول عديدة، وجد أن الناس يتدخلون لفض الخناقات التى يصادفونها فى الشارع. الأسترالى المسلم أحمد الأحمد، الذى خاطر بحياته لنزع سلاح أحد الإرهابيين خلال مهاجمة احتفال يهودى الشهر الماضى، يؤكد ذلك. دراسة أخرى تعود لعام 2019، وجدت أن المَحافِظ المفقودة فى 38 دولة من أصل 40، يعود معظمها لأصحابها إذا احتوت على مبالغ قليلة. بل إن نسبة إعادتها تزيد لو احتوت على مبالغ كبيرة، لأن الناس يعتقدون أن صاحبها سيتضرر بشدة لو لم تعُد إليه.

بول هانل، أستاذ علم النفس بجامعة أسكس البريطانية، يعتقد أن القول بأن البشر يعانون انحدارا أخلاقيا، انطباع خاطئ. الإعلام يركز على الأحداث السلبية، وهى أكثر عُرضة للانتشار على وسائل التواصل من الإيجابية. دراسات عديدة أكدت أنه عند وقوع الكوارث والزلازل يهتم الإعلام بحالات الذعر والقسوة التى تنتاب بعض البشر، بينما الغالبية تتضامن ويدعم بعضها البعض فى هذه الظروف. يضيف «هانل» أن أصحاب الآراء المتطرفة نشيطون فى النشر على الإنترنت بعكس الناس العاديين. ما تبثه وسائل التواصل لا يمثل، بأى حال من الأحوال، رأى عامة الناس. هناك أشخاص قادرون على الإضرار بالآخرين، لكنهم أقلية. «السادة الأفاضل» موجودون وبكثرة حولنا، لكننا نركز اهتمامنا على غير «الأفاضل».