تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعدم التراجع عن هدفه في السيطرة على جرينلاند الدنماركية، رافضاً استبعاد الاستيلاء على الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي بالقوة، كما انتقد الحلفاء في وقت يكافح فيه القادة الأوروبيون للرد.
ويهدد طموح ترمب، الذي عبر عنه في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وصور بالذكاء الاصطناعي، بانتزاع السيادة على جرينلاند من الدنمارك، عضو حلف شمال الأطلسي (الناتو) بتفكيك الحلف الذي دعم الأمن الغربي لعقود.
ويهدد طموحه أيضاً بإشعال حرب تجارية مع أوروبا هزت الأسواق والشركات لأشهر العام الماضي، لكن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تصدى لما أسماها “هستيريا” بسبب جرينلاند، قبل أن يعود ليهدد أوروبا هو الآخر بالعودة إلى سياسة وصفها بـ”الرد بالمثل”.
وقال ترمب، خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض قبل سفره إلى دافوس، رداً على سؤال بشأن ما قد يترتب على سيطرته بالقوة على جرينلاند مثل تفكك حلف الناتو: “أعتقد أن شيئاً ما سيحدث سيكون مفيداً جداً للجميع.. لم يقدم أحدٌ لحلف الناتو أكثر مما قدمتُ، وكما قلتُ سابقًا، من جميع النواحي، كان إقناعهم برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي أمراً لم يكن أحدٌ يتوقعه، فقد كانوا يدفعون 2% فقط، والآن يدفعون 5%، وهم يشترون الكثير من الأشياء منا، وأعتقد أنهم يمنحونها لأوكرانيا.. هذا شأنهم، لكنهم يشترون الكثير.. أعتقد أننا سنتوصل إلى حلٍّ يُرضي حلف الناتو ويرضينا أيضاً، فنحن نحتاج لجرينلاند لأغراض أمنية، نحتاجها للأمن القومي وحتى للأمن العالمي.. إنه أمرٌ بالغ الأهمية”.
وكان ترمب قال بعد حديثه مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته: “كما عبرت للجميع، وبوضوح شديد، فإن جرينلاند أمر حتمي للأمن القومي والعالمي.. لا يمكن أن تكون هناك عودة إلى الوراء، الجميع متفقون على ذلك!”.
ولإيصال هذه الرسالة، نشر ترمب صورة له في جرينلاند وهو يحمل العلم الأميركي، وأظهرته صورة أخرى وهو يتحدث مع قادة بجانب خريطة تظهر كندا وجرينلاند على أنهما جزء من الولايات المتحدة.
وبصورة منفصلة، سرب رسائل بما في ذلك رسائل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تساءل عما “يفعله ترمب في جرينلاند”.
وكان ترمب، الذي توعد بفرض رسوم جمركية على الدول التي تقف في طريقه، هدد في وقت سابق بفرض رسوم جمركية تبلغ 200% على الخمور الفرنسية.
رد فرنسا على ترمب
من جانبه، قال الرئيس الفرنسي، الثلاثاء، إن حلف “الناتو” أصبح الآن “مؤسسة ضعيفة”، و”أوروبا لن تستسلم أمام المتنمرين”.
وأضاف ماكرون، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، متحدثاً باللغة الإنجليزية: “نعتقد أننا بحاجة إلى مزيد من النمو، ونحتاج إلى مزيد من الاستقرار في هذا العالم، ولكننا نفضل الاحترام على التنمر.. نفضل العلم على (المؤامرات) ونفضل سيادة القانون على الوحشية”، مشدداً على “أوروبا لن تستسلم أمام المتنمرين أو ترضخ للترهيب”.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أمام البرلمان الثلاثاء، إن باريس تؤيد تعليق اتفاق التجارة المبرم بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع اشتداد الخلاف على مستقبل جرينلاند.
وقال بارو: “التهديد (الأميركي) بالرسوم الجمركية وسيلة ابتزاز للحصول على تنازلات غير مبررة”، مضيفاً أن المفوضية الأوروبية لديها “أدوات قوية جداً” للرد على تهديد ترمب.
وفي منشور له على موقع التواصل الاجتماعي “إكس”، قال بارو إن فرنسا ترغب في مواصلة العمل مع الولايات المتحدة في مجال الأمن والسلام. وكتب بارو: “لكن عندما تقدم الولايات المتحدة اقتراحاً غير مقبول، فإنها (فرنسا) مستعدة لقول لا”.
الاتحاد الأوروبي يبحث عن رد
وألقى القادة الأوروبيون خطابات في دافوس في محاولة لإظهار قوة القارة على الرغم من أنه لم يتضح بعد كيف سيرد الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف.
وهدد الاتحاد الأوروبي بالرد على الولايات المتحدة بإجراءات تجارية. ويتمثل أحد الخيارات في حزمة من الرسوم الجمركية على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو (109 مليارات دولار) التي قد تبدأ تلقائياً في السادس من فبراير بعد تعليقها 6 أشهر.
والخيار الآخر هو “أداة مكافحة الإكراه”، والمعروفة بشكل غير رسمي باسم “البازوكا التجارية” للاتحاد الأوروبي، والتي تسمح باتخاذ تدابير صارمة ضد الدول التي تحاول استخدام التجارة للتأثير على السياسات الأوروبية.
ولم تُستخدم هذه الأداة حتى الآن، لكن ماكرون، الذي أثار احتمال اللجوء إليها، أصر مرة أخرى اليوم على أنها مطروحة على الطاولة.
وقد تحد الأداة من إمكان الوصول إلى المناقصات العامة أو الاستثمارات أو النشاط المصرفي، أو تقييد التجارة في الخدمات، وهو القطاع الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة بفائض مع التكتل، بما في ذلك الخدمات الرقمية المربحة التي تقدمها شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة.
استقلال أوروبا عن أميركا
وتحدث بعض قادة أوروبا عن أهمية تقليل الاعتماد الأوروبي في مجال الأمن على الولايات المتحدة. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن ما وصفته بأنه “تغيير مزلزل” يجعل من الضروري بناء “شكل جديد من الاستقلال الأوروبي”.
ونددت رئيسة المفوضية الأوروبية بالتهديدات الاقتصادية التي وجهها ترمب للاتحاد الأوروبي بشأن قضية جرينلاند، واعتبرتها “خطأ” ينتهك الاتفاق التجاري المبرم بين الجانبين العام الماضي.
وقالت فون دير لاين في كلمة خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: “الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أبرما اتفاقاً تجارياً يوليو الماضي.. والاتفاق هو الاتفاق سواء في مجال السياسة أو في مجال التجارة”.
وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أن رد الاتحاد سيكون “حازماً وموحداً ومتناسباً”، لكنها لم تكشف عن أي تفاصيل بخصوص طبيعة هذا الرد.
وذكرت رئيسة المفوضية الأوروبية في كلمتها أن الاتحاد “يعكف على تحديث استراتيجيته في القطب الشمالي، وفي القلب منها مبدأ أن للشعوب ذات السيادة الحق في تقرير مستقبلها”، مشددة على ضرورة بحث تقوية التحالفات الأمنية مع بريطانيا وكندا والنرويج وغيرها.
وتابعت: “نعد استراتيجية أمنية خاصة بالاتحاد الأوروبي سننشرها خلال هذا العام.. العالم تغير للأبد ويجب أن نتغير معه”، مؤكدة التزام الاتحاد الكامل بأمن القطب الشمالي.
وفي معرض حديثها عن دعم جرينلاند، أشارت فون دير لاين إلى أن العمل على إعداد حزمة دعم تتضمن “زيادة هائلة في الاستثمارات الأوروبية”، لافتة إلى أن الاتحاد سيعمل أيضاً مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين بشأن أمن القطب الشمالي، وهو ما سينعكس أيضاً في الاستراتيجية الأمنية الأوروبية الجديدة.
وأضافت: “أعتقد أنه ينبغي لنا توجيه الزيادة في إنفاقنا الدفاعي نحو بناء قدرات أوروبية في مجال كاسحات الجليد وغيرها من المعدات الضرورية لأمن القطب الشمالي”.
الدنمارك: لن نرضخ لمطالب ترمب
وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن إنها لن ترضخ لمطالب ترمب، وذكرت للصحافيين في كوبنهاجن: “بالتأكيد لن أتخلى عن جرينلاند، اتخذت هذا القرار منذ فترة طويلة بصفتي رئيسة وزراء الدنمارك”.
وأضافت: “لم يستبعد الرئيس الأميركي للأسف استخدام القوة العسكرية، وبالتالي لا يمكن لنا أن نستبعد ذلك أيضاً، لذلك فهي نتيجة طبيعية لما قاله الرئيس الأميركي وما لم يصرح به”.
اجتماع مرتقب في بروكسل
وقال مشرعون في الاتحاد الأوروبي إن من المتوقع أن يعلق البرلمان الأوروبي رسميا، الأربعاء، عمله بشأن الاتفاق التجاري المبرم مع الولايات المتحدة في الصيف الماضي احتجاجاً على تهديدات ترمب.
وكان من المقرر أن يصوت البرلمان على إلغاء الكثير من رسوم الاستيراد في الاتحاد الأوروبي يومي 26 و27 يناير، لكن مانفريد فيبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي، أكبر مجموعة في البرلمان، قال، في وقت متأخر من مساء السبت، إن الموافقة غير ممكنة في الوقت الحالي.
ومن المقرر أن يعقد قادة الاتحاد الأوروبي اجتماعاً طارئاً في بروكسل، الخميس، لبحث التدابير الانتقامية المحتملة.
وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إن التكتل “متحد” في دعمه للدنمارك وجرينلاند ومستعد “للدفاع عن أنفسنا ضد أي شكل من أشكال الإكراه”.
وخلال اجتماع عُقد الأحد، اتفق مبعوثو الاتحاد الأوروبي على السعي إلى حل دبلوماسي مع إدارة ترمب، بينما يعكف التكتل على إعداد خيارات للرد، حال مضي الولايات المتحدة قدماً في فرض الرسوم الجديدة.
ويرغب ترمب في انتزاع السيادة على جرينلاند في القطب الشمالي من الدنمارك بدعوى عدم قدرتها على الدفاع عن الجزيرة في مواجهة روسيا والصين، وهدد بفرض رسوم جمركية على ثمانية من أعضاء حلف شمال الأطلسي “الناتو” إلى أن يتم السماح لواشنطن بشراء جرينلاند.
وقال ترمب إن الرسوم الجمركية المتعلقة بجرينلاند على 8 دول أوروبية ستبدأ بنسبة 10% اعتباراً من فبراير المقبل، على أن ترتفع إلى 25 % في يونيو، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن شراء الجزيرة.
