وعلى مدار أكثر من عقد من المفاوضات، اصطدمت مصر والسودان بجدار التعنت الإثيوبي. ومع توقف المفاوضات منذ أواخر عام 2023، بدا الملف وكأنه دخل مرحلة الجمود، قبل أن تعيد رسالة ترامب خلط الأوراق وتطرح سيناريوهات جديدة، يتقدمها احتمال إعادة إحياء اتفاق واشنطن الذي وقعت عليه مصر بالأحرف الأولى، ورفضته إثيوبيا في اللحظة الأخيرة.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، في حديثه لـ”سكاي نيوز عربية”، أن رسالة ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي تعكس تحولا لافتا في مقاربة واشنطن لملف سد النهضة، وتفتح نافذة جدية لإنهاء واحدة من أعقد الأزمات المائية في القرن الإفريقي.

ويؤكد شراقي أن مضمون الخطاب يكشف إدراكا أميركيا واضحا لمكانة نهر النيل باعتباره شريان حياة للمصريين، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تسعى للعب دور أكثر فاعلية عبر دعم سياسي وفني يهدف إلى صياغة اتفاق مستدام يراعي حقوق ومصالح مصر والسودان وإثيوبيا على حد سواء.

وأضاف أن المعطيات الحالية تختلف جذريا عما كانت عليه خلال السنوات الماضية، موضحا أن تجاوز مرحلة التخزين الأولي للسد، التي تسببت في تعثر المفاوضات بين عامي 2020 و2024، خفف من حدة المخاطر المباشرة.

ويشدد شراقي على أن سد النهضة لم يعد يشكل تهديدا وجوديا لمصر بعد اكتمال مراحل الملء، لافتا إلى أن السد العالي والإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة كانت صمام أمان حال دون وقوع أضرار جسيمة.

وحول طبيعة الدور الأميركي المرتقب، يرى شراقي أن الوساطة هذه المرة قد تحمل ملامح مختلفة، خاصة إذا اقترنت بمشاركة خبراء فنيين مستقلين، وإدارة مفاوضات أكثر شفافية، وإشراف أميركي مباشر يضمن التزام الأطراف بما يتم الاتفاق عليه.

ويشير إلى أن هذا المسار قد يحقق استقرارا في تدفقات المياه لمصر والسودان، وفي الوقت ذاته يتيح لإثيوبيا الاستفادة القصوى من السد في توليد الكهرباء وتصديرها إقليميا.

واختتم شراقي بالتأكيد على أن التحرك الأميركي يمثل فرصة استراتيجية لا ينبغي إهدارها، إذ يمكن أن يقود إلى اتفاق شامل ينظم قواعد الملء والتشغيل، ويكرس مبدأ التشاور المسبق بشأن أي مشروعات مائية مستقبلية، بما يحفظ الأمن المائي لدولتي المصب ويحقق مكاسب تنموية لإثيوبيا دون الإضرار بجيرانها.

وفي قراءة مختلفة للمشهد، يرى محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن رسالة الرئيس الأميركي تمثل لحظة فارقة يمكن البناء عليها لانتزاع اتفاق قانوني ملزم يحفظ الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل ويؤمن احتياجات الأجيال المقبلة.

ويؤكد مهران أن واشنطن تمتلك أوراق ضغط حقيقية على أديس أبابا، خاصة في ظل تعقد أزمة الديون الإثيوبية واعتمادها المتزايد على دعم المؤسسات المالية الدولية.

ويشير مهران إلى أن الإدارة الأميركية قادرة على توظيف نفوذها المالي، سواء عبر صندوق الفرص الأميركية الأول المقترح في موازنة عام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار، أو من خلال المساعدات الخارجية، لدفع إثيوبيا نحو توقيع اتفاق ملزم ينظم تشغيل السد ويضع حدا لسياسة فرض الأمر الواقع.

وفيما يتعلق بالإطار الفني، يشدد مهران على أن أي تسوية جادة يجب أن تتضمن إنشاء هيئة فنية دائمة تضم خبراء من الدول الثلاث، إلى جانب مشاركة دولية محايدة، لمتابعة تدفقات المياه وآليات استخدامها، مع اعتماد نظم رقابة وتحقق من طرف ثالث تضمن طمأنة مصر بشأن السدود الحالية والمستقبلية، حيث يعتبر أن مسودة الاتفاق التي طرحت عام 2020، والتي صاغها المبعوث الأميركي الخاص مايك هامر، لا تزال تصلح كنقطة انطلاق للتفاوض.

وتأتي هذه الطروحات في وقت أعلنت فيه إثيوبيا اقتراب اكتمال سد النهضة بنسبة تفوق 99 بالمئة، وبدء التشغيل الكامل للتوربينات، بعد الانتهاء من مراحل الملء الخمس، وهو ما حول السد إلى واقع جغرافي فرض على مصر والسودان إعادة توجيه استراتيجيتهما نحو التركيز على انتزاع اتفاق ملزم لقواعد التشغيل.

وفي السياق ذاته، أوضح اللواء أركان حرب سمير فرج، في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن مرور أكثر من عامين على حرب غزة كشف الدور المحوري والاستثنائي الذي لعبته مصر في إدارة القضية الفلسطينية، مؤكدا أن القاهرة كانت ولا تزال الطرف الأكثر قدرة على التواصل مع جميع القوى الفاعلة دون استثناء.

وأشار إلى أن التحرك المصري، الذي توج باختيار مجموعة من الشخصيات الفلسطينية لتشكيل حكومة تكنوقراط تتولى إدارة قطاع غزة بعد التنسيق مع مختلف الأطراف، يعكس ثقة إقليمية ودولية في الدور المصري كضامن للاستقرار.

وأضاف فرج أن الولايات المتحدة أدركت، خلال هذه المرحلة المعقدة، أن مصر تمثل صمام الأمان الحقيقي في الشرق الأوسط، نظرا لخبرتها الطويلة في إدارة الأزمات وتشابك الملفات الإقليمية، وهو ما بدا واضحا في اختيار شرم الشيخ لاستضافة مؤتمر السلام، رغم تقدم عدة دول أخرى بطلبات مماثلة، قبل أن توصي واشنطن بعقد المؤتمر في مصر.