تشابكات فنية
تبدو الأمور واضحة فنيا، لكن ما زادها غموضا كثافة التشابكات بين الشخصيات، مدا وجزرا، صعودا وهبوطا، اتساعا وضيقا. وتبدأ كل حلقة بتفاهم بين يحيى ونيللي وتنتهي بخصام بينهما، بسبب التعامل الفطري وحسن نوايا نيللي مع من حولها، وسوء تقدير يحيى للمواقف التي ظهرت فيها نيللي كأنها على علاقة بشخص آخر، وهو ما استغلته طليقته لمنع أي تطور في العلاقة بينهما، حيث حداها أمل بالعودة إلى يحيى.
بيئة العمل التي دار حولها المسلسل هي قناة “المصري” ويعمل بها يحيى وشقيقته نغم وقامت بدورها الفنانة بسنت أبوباشا، وهند زوجته السابقة، والمعدين في القناة: كريم وقام بدوره عمر رياض، وهادي وقام بدوره حازم إيهاب، وشخصيات على يمين أو يسار، مع أو ضد، كل من يحيى وهند.
بالتوازي مع هذه البيئة، كانت “2 قهوة” محطة رئيسية حاضرة في معظم الأحداث والتفاعلات، للدرجة التي جذبت والد كل من يحيى ونيللي إليها. وتضاعفت مركزيتها مع ظهور عنصر مثير آخر، حيث اشترى المكان رجل أعمال يدعى سيف وقام بدوره الفنان إيهاب فهمي ويريد هدم المقهى وبناء فندق مكانه. الأمر الذي رفضته نيللي بقوة، ولجأت إلى يحيى لحل هذه المشكلة، واستطاع استغلال ثغرة قانونية تمنع هدم الأماكن التي تجاوز عمرها مئة عام، وأوقف عملية البيع والهدم ومنع شطب “2 قهوة” من عقل وقلب نيللي.
عناصر إثارة متكاملة
واصل المؤلف عمرو محمود ياسين سلسلة أعماله الدرامية الشيقة، التي يختار أفكارها بدقة من واقع الحياة، وتعتمد على جاذبية القصة وحداثة الفكرة والخلط بين شخصيات العمل لتخرج ضمن إطار فني متعدد الملامح الإنسانية.
أسهم الشق الإنساني في رواج أعمال عمرو، نجل الفنان المصري الراحل محمود ياسين والفنانة شهيرة، من دون توظيف فني لإسميهما. فقد استطاع عمرو خلال السنوات الماضية وضع نفسه في مقدمة مؤلفي الدراما المصرية.
استفاد مخرج العمل عصام نصار من الشكل الجمالي الواضح لـ”2 قهوة” والديكور اللافت المتشح باللون الأبيض وكثير من الورود المتناثرة لتقديم بانوراما فنية رائقة، جعلت من المكان بطلا، يتسلل بنعومة إلى وجدان الجمهور، كنوع من التعبير عن الطابع الرومانسي الذي يسبغ الكثير من مشاهد المسلسل، ويمتص بعض الصدمات العاطفية، في إشارة لأهمية الاختيار. فعندما يصبح المكان معدا بصورة جيدة يسهم في تحسين أداء الممثلين، ويعكس جودة التدقيق لزوايا معينة، خاصة مع وجود ركن في المقهى يحوي آلة “البيانو” وكانت نيللي تعزف عليها من وقت لآخر.
لعبت المباراة الجانبية بين والد كل من يحيى ونيللي دورا مهما في اضفاء طابع كوميدي، عزز التوجه الرومانسي في العمل الذي أصاب شريحة من الجمهور بالقلق، كي لا يتحول الثاني إلى عنصر منفر في نهاية المطاف بسبب كثرة الخلافات التي خيمت على العلاقات الإنسانية داخل “2 قهوة”.
جسد الفنان الكبير محسن محي الدين دوره بطريقة هادئة وجديدة عليه، وكانت المواقف الكوميدية تخرج منه بلا تكلف. ولم يكن الفنان إسماعيل فرغلي أقل اتقانا للدور منه. ساعد اختلاف الطباع بينهما والميول والاهتمامات في الاستفادة من التناقضات الكامنة فيها بطريقة جيدة، بلا خلل في التوجهات الاجتماعية المتجذرة لدى كل منهما.
الفكرة الرئيسية التي يريد مسلسل “2 قهوة” تقديمها هي تقبل الآخر، بصرف النظر عن التباين في الأفكار والثقافات والبيئات، ولكل شخص حرية الاختيار طالما لا تؤثر تصرفاته سلبا على من سواه. وعلى الجميع التعايش، وعدم التدخل لإحداث تغيير قسري ينسجم مع ما يعتقدون فيه أنه صحيح. ولعل النهاية السعيدة للعلاقة بين يحيى ونيللي، وكلاهما جاء من بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة، تشير إلى ضرورة الانسجام، مع تقنين التصورات الفطرية. فالتلقائية المفرطة يمكن أن تقود صاحبها إلى مهلكة.
