منذ الصفحة الأولى في رواية «تغريبة سليمان»، يجد القارئ نفسه أمام عالمٍ تتداخل فيه المأساة الفردية مع الخراب الجماعي، كأن الروائي «جابر نور سلطان» يعلن منذ البداية أن لا خلاصَ ممكناً لفردٍ منفصلٍ عن جماعته. تبدأ الرواية بجملةٍ تُشبه طلقةً في الهواء: «بركابها من المحطة المتهالكة الحافلة… حتى انقلبت الأحوال وانفجرت». هذه الجملة التأسيسية، بحمولتها الانفجارية، لا تصف حادثةً بعينها، بل تنسف فكرة الاستقرار الزمني والمكاني في السرد العربي المعاصر. فالمكان المحطة المتهالكة هو ليس مجرد فضاء، بل كيانٌ مريضٌ ينتظر الانفجار. وهكذا تتحول الرواية من البداية إلى تجربة في الانهيار المتتابع: من انهيار الجسد، وانهيار اللغة، وانهيار الإيمان بالثبات.

الرواية تُشيّد عالَماً يبدو في ظاهره مألوفاً كالحارة الشعبية، الفقر، الحلم بالهجرة، أهازيج الأمّهات – لكنها تزرع داخل هذا المألوف قلقاً لا يهدأ. سليمان، بطل الرواية، ليس شخصية بطولية على الطريقة الكلاسيكية، بل هو جسد هشّ يحمل قلباً مزروعاً، يعيش في مفارقة بين الحياة المستعارة والموت المتربص. وهنا تبدأ تغريبة سليمان بوصفها تغريبة جسدية ونفسية في آنٍ واحد، بحثاَ عن معنى البقاء. ومع الروائي جابر نور سلطان أجريت هذا الحوار:

{ في لحظة ذوبان بالمطر، هل كنت تكتب نهاية الفن أم عن ولادته؟

– لعلك تقصدين المشهد الأخير في الرواية (موت سليمان) الفنان التشكيلي. ربما توحي هذه النهاية بموت الفن. فحين يتحوّل المكان إلى دمار ودماء وقتل في وضح النهار، وذعر في كل زاوية ورعب في كل ناحية. هل يمكن للفن أن يعيش وهل يمكن للفنان أن يحيا؟ لكن الكائنات التي صاغها سليمان من حديد الحرب استصرخت حتى ضجّت بصراخها المدينة، وظل صوتها يتجاوب ربما هذا يقول إن الفن لا يموت.

{ كيف ترى العلاقة بين الذاكرة والفن في روايتك؟ هل الفن ينقذ الذاكرة من الفناء أم يجمدها في شكل لا حياة فيه؟

– فن الرواية بالذات هو حليف للذاكرة يستدعيها ويتماهى معها ويعيد إنتاجها، ويستدعي شخوصها ويمنحها حياة بلا حدود. الراوي يمتح من معين الذاكرة يتمثلها ويقيم صلاة لا تنتهي معها وحواراً وجدانياً شديد العمق. هي علاقة سحرية شديدة الغموض بين فن الرواية وبين الذاكرة. وبقدر الإخلاص في ممارسة هذا الطقس بقدر إنتاج عمل إبداعي مميّز هو يشبه الذاكرة ومن سلالتها لكنه ليس هي تماما.

{ الحارة عندك كائن يتكلم ويشي ويخاف، هل تراها مجتمعا متفرّجا أم مرآة للضمير الجمعي الذي لا يحمل الحقيقة؟

– نشأتُ في حارة سكندرية كان اسمها الحارة السد. مجتمع شديد التنوّع والتفاعل والحراك اليومي. مجتمع متداخل بشكل عميق. أحداث تتزاحم وشخوص شديدة الثراء. الحارة السد كانت بوتقة انصهرت فيها هويات مختلفة لكنها تعايشت ولم تتناقض ولم تتصارع. من الإسكندرانية، من الصعيد، من الفلاحين، من المهاجرين، من مدن القناة، من البدو، مسلمين ومسيحيين، المستوى المعيشي كان متقارباً جدا. البيوت كانت متلاصقة فتكاد الأحلام تسمع والأمنيات تتسرّب. قصص عشق كثيرة نَمتْ في الحارة البدايات والتعثرات والخطايا والأخطاء. كل شيء متداخل الأفراح والأحزان وقصص الغرام والإخفافات والانتصارات على ندرتها. الحارة كانت البداية لتشكُّل الوجدان والهوية وحتى الإيمان البسيط دون تعقيد ومحبة الآخر أيا كانت ديانته وأيا كانت هويته.

{ هل كان اختيارك للحديد مادة فنية واعياً منذ البدء أم جاءك لاحقا كقدر رمزي يفرض نفسه على السرد؟

– سليمان في زمن الحرب اتخذ من الحديد (الخردة ) بقايا الحرب: الخوذات الملطخة بالدماء، قلائد الراحلين، الأحذية العسكرية المغبرة، جنازير الدبابات، بقايا الرصاص، فوهات المدافع، استنطقها سليمان، وشكّل منها واقعاً يصرخ أن الحرب مرّت من هنا وخرّبت كل شيء.

{ هل تخاف من النسيان ككاتب؟ وهل الكتابة بالنسبة لك وسيلة تذكر أم وسيلة لتخفيف الذاكرة؟

– سؤال جميل. نعم النسيان هاجس مخيف وهذا ما دفعني لكتابة التغريبة قبل أن تشتدّ سطوة النسيان. وقبل أن يجفّ المعين. حالة التذكّر حالة شديدة التعقيد والغموض وتخشى أن تخذلك الذاكرة التي هي أنت وهي بعض من نسيجك. كان عليَّ أن أُحسن التعاطي مع الذاكرة وألا أقسو عليها وألا أثقل عليها فتنهرني وقد تتركني وحيداً، والإنسان خواء من دون ذاكرة. حاولت اللحاق بالذاكرة وتزاحمت عليَّ الأحداث وهل تصدقيني. كنت أنتظر بشغف تواتر الأحداث وتطور سلوكيات الشخوص عبر الزمن. وظهور شخوص أخرى لم تكن في الحساب. الاقتراب من جراب الذاكرة مغامرة كبرى تفيض بالدهشة ويكون السارد مجرد متلقٍّ، والذاكرة هي من تكتب وهي من تسرد، بينما تخلق تقاطعاً عجيباً مع الماضي ومع الحاضر.

شكراً لك على هذا اللقاء القيّم وشكراً لصحيفتكم الغرَّاء.