في كلّ عام، تُقدّم جوائز أوسكار شيئاً جديداً، والكثير من المفاجآت أو خيبات الأمل. وقد جاء إعلان الترشيحات في جميع الفئات للدورة 98 – أمس الخميس، في مسرح صامويل غولدوين في بيفرلي هيلز – حافلًا بالمفاجآت.
أولًا، لم يكتفِ فيلم “خُطاة” Sinners، وهو فيلم مصاصي دماء متجذّر في الثقافة الأفروأميركية، تدور أحداثه في الجنوب الأميركي العميق، بإزاحة فيلم “معركة تلو أخرى” للمخرج بول توماس أندرسون، المرشّح الأوفر حظاً، بل حطّم أيضاً رقماً قياسياً تاريخياً، إذ حصد 16 ترشيحاً، متجاوزاً أصحاب الرقم القياسي السابق البالغ 14 ترشيحاً الذي حققته أفلام “كل شيء عن إيف” (1950)، و”تايتانيك” (1997)، و”لا لا لاند” (2016).
في الوقت نفسه، حصد الفيلم الذي يقوم ببطولته ليوناردو دي كابريو 13 ترشيحاً، ولا يزال منافساً قوياً في حفل توزيع الجوائز يوم الأحد 15 مارس، عندما تُقيم أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة حفلها السنوي في مسرح دولبي في لوس أنجلوس. وستتنافس عشرة أعمال على جائزة أفضل فيلم، هي “بوغونيا” (يورغوس لانثيموس) و”إف1″ (جوزيف كوزينسكي) و”فرانكنشتاين” (غييرمو ديل تورو) و”هامنت” (كلوي تشاو) و”مارتي العظيم” (جوش صفدي) و”معركة تلو أخرى” (بول توماس أندرسون). يُضاف إليها “العميل السرّي” (كليبر ميندونسا فيليو) و”قيمة عاطفية” (يواكيم ترير) و”خُطاة” (ريان كوغلر) و”أحلام القطار” (كلينت بينتلي(.
أما خيبة الأمل فكانت من نصيب ثلاثة أفلام عربية تنافست ضمن القائمة الأولية لجائزة أفضل فيلم دولي، وهي، “اللي باقي منّك” (الأردن/فلسطين)، و”فلسطين 36″ (فلسطين)، و”كعكة الرئيس” (العراق)، بينما استطاع الفيلم التونسي “صوت هند رجب” للمخرجة كوثر بن هنية تأمين مقعده في سباق الأوسكار لهذه الفئة، لتكون هذه المرة الثالثة للمخرجة التونسية التي ترشّحت للجائزة مرتين من قبل، عن فيلمي “الرجل الذي باع ظهره” عام 2021، و”بنات ألفة” عام 2024
.
وعلّقت بن هنية على ترشيح فيلمها للجائزة المرموقة في منشور عبر “إنستغرام” أن “هذا الترشيح يعود في المقام الأول إلى هند. إلى صوتها. إلى ما كان ينبغي ألا يحدث، لكنه حدث… يعود إلى كلّ من آمن بأن السينما يمكن أن تظلّ مساحة للحقيقة، وللعناية، وللمسؤولية. إلى فريقي الرائع الذي حمل هذا الفيلم بشجاعة ودقة. إلى تونس حيث تواصل السينما الوجود والمقاومة والتعبير، حتى عندما يكون ذلك مزعجاً. بين هذه الأفلام الجميلة من مختلف أنحاء العالم، يشرّفني أن يكون صوت هند حاضراً. ليس بوصفه رمزاً، بل بوصفه تاريخاً”.
“صوت هند رجب”، الفائز بالجائزة الكبرى لمهرجان فينيسيا السينمائي 2025، يسلّط الضوء على مأساة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي استُشهدت في قطاع غزة في 29 يناير/كانون الثاني 2024 بعد أن حوصرت داخل سيارة مع أفراد عائلتها الذين قُتلوا جميعاً، وبقيت تستغيث لساعات طويلة عبر الهاتف قبل انقطاع الاتصال واستشهادها.
المفاجأة الكبرى في سباق هذا العام يمثلها بالتأكيد فيلم “خُطاة” من إخراج رايان كوغلر (مخرج سلسلة أفلام “كريد” و”النمر الأسود”) وبطولة مايكل بي. جوردان، الذي يُعتبر فوزه بجائزة أوسكار لأفضل ممثل شبه مؤكّد (لأن أداءه يُحتسب مرتين، حيث يجسّد دور شقيقين توأمين). عُرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في أبريل الماضي، دون ضجّة كبيرة، وهو متاح على منصة HBO Max منذ بضعة أشهر. لكن بفضل خروجه عن تقاليد أفلام الرعب المبتذلة وتقديمه قصّة رمزية نقدية عن العنصرية المتجذّرة في صميم المجتمع الأميركي، صمد “خُطاة” أمام اختبار الزمن وبقي راسخاً في ذاكرة أعضاء الأكاديمية ومحبوباً لديهم، الذين وضعوا فيلم كوغلر مؤخراً في مكانة غير متوقعة، مُزيحاً ثلاثة من أكثر الأفلام شهرة في تاريخ هوليوود عن عرشها.
من بين الترشيحات الستة عشر التي حصدها فيلم “خُطاة”، لا بد من ذكر الترشيحات الرئيسة – أفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل ممثل، وأفضل ممثل مساعد، وأفضل ممثلة مساعدة (ديلروي ليندو، وونمي موساكو) – بالإضافة إلى عدد كبير من الترشيحات في الفئات التقنية، وفي فئة جديدة أُضيفت مؤخراً من قِبل الأكاديمية، وهي أفضل اختيار الممثلين (الكاستينغ). في معظم هذه الفئات، سيتنافس الفيلم الأوفر حظاً مع منافسه الرئيسي، فيلم “معركة تلو أخرى”، المرشّح في فئة لم يُرشح فيها “خُطاة” – وهي أفضل سيناريو مقتبس (من رواية “فينلاند” لتوماس بينشون)- ومع منافسين أقوياء في الفئات المشتركة، مثل ليوناردو دي كابريو لجائزة أفضل ممثل، وبينيثيو ديل تورو وتيانا تايلور لجائزة أفضل ممثل وممثلة مساعدين على التوالي. كيف لنا أن ننسى المُعلّم المكسيكي والثورية الخائنة بيرفيديا؟
حقيقة أن الفيلمين الأبرز في سباق الأوسكار يُوزّعان عالمياً من قِبل شركة وارنر براذرز الأسطورية، إحدى أقدم شركات هوليوود، تضيف بُعداً جديداً إلى الجدل الدائر حول “نتفليكس”، التي تسعى للاستحواذ على حصّة في شركة “وارنر براذرز ديسكفري بأكثر من 82 مليار دولار. وكما هو معروف، فمنصّة البثّ المباشر – التي حصدت تسعة ترشيحات رئيسية بفضل فيلم “فرانكشتاين” للمخرج غييرمو ديل تورو – لا تُولي اهتماماً يُذكر بالترويج للعروض السينمائية، التي تُعدّ نقطة قوة “وارنر” لأكثر من قرن. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الدعم من أعضاء الأكاديمية لهيبة الاستوديو العريق سيُفلح في تغيير سياسة الرئيس التنفيذي لـ”نتفليكس”، تيد ساراندوس، الذي يريد تقليص الفترة الزمنية بين العرض السينمائي والرقمي إلى 45 يوماً فقط، وهو قرار يثير قلقاً بالغاً في قطاع العرض السينمائي حول العالم. يُذكر أن شعار “وارنر” الشهير يظهر في شارات 30 فيلماً مُرشّحاً لجوائز أوسكار 2026.
ورغم أن كلمة “كانّ” لم تُذكر صراحةً في إعلان يوم الخميس، إلا أن المهرجان الفرنسي يُعدّ مجدّداً لاعباً رئيسياً في سباق جوائز أوسكار، كما كان الحال منذ فوز الفيلم الكوري “طفيلي” (2019) المتوّج بالسعفة الذهبية للمهرجان الفرنسي، حين بدأت الأكاديمية بالبحث خارج نطاق بيفرلي هيلز. أربعة أفلام على الأقل، عُرضت لأول مرة عالمياً في مايو الماضي على مسرح الكروازيت، باتت الآن من بين أبرز المرشّحين للفوز بجائزة أوسكار. فيلم “قيمة عاطفية” للمخرج النرويجي يواكيم تراير، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، مُرشّح لتسع جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل ممثل وممثلة مساعدين (يتنافس ستيلان سكارسغارد وإيل فانينغ، إلى جانب إنغا إبسدوتر ليلياس، على الجائزة نفسها).
بينما حقق المخرج البرازيلي كليبر ميندونسا فيلو، الفائز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كانّ السينمائي، إنجازاً استثنائياً بترشّح فيلمه اللافت “العميل السري” لأربع جوائز: أفضل فيلم، وأفضل فيلم روائي دولي، وأفضل ممثل (فاغنر مورا)، وأفضل اختيار للممثلين. كما حصد فيلم “مجرّد حادث” للمخرج الإيراني جعفر بناهي، الفائز بجائزة السعفة الذهبية لعام 2025، والمُدان غيابياً من قبل محكمة تابعة لنظام طهران بسبب نشاطه السياسي، ترشيحين، وكذلك فيلم “صِراط” للمخرج الإسباني أوليفييه لاكس، الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كانّ. ويتنافس الفيلمان على جائزة أوسكار لأفضل فيلم روائي دولي، وهي الفئة التي ترشّح لها أيضاً فيلما “قيمة عاطفية” و”العميل السرّي”، ما يعكس تأثير المهرجان الفرنسي في هوليوود. كما يشير ذلك إلى تأثير منصّة الأفلام المستقلة “موبي” MUBI، التي تعمل الآن أيضاً كشركة إنتاج وتوزيع، حيث تُعدّ أفلام ترير، وبناهي، وكليبر جزءاً من مكتبتها.
بالنظر إلى قوة هذه الأفلام، فليس من المستغرب إسقاط أعضاء الأكاديمية لعناوين دولية عددية في هذه الفئة. لم يكن الأمر سهلاً. في النهاية، ذهب المركز الخامس في هذه الفئة إلى فيلم “صوت هند رجب” للتونسية كوثر بن هنية، الذي يُجسّد حدثاً مأسوياً حقيقياً وقع العام الماضي في غزة، أثناء حرب الإبادة الأخيرة.
بالعودة إلى سينما هوليوود، هناك فيلمان آخران على الأقل لديهما فرصة جيدة للفوز بجوائز. فقد حصد فيلم “مارتي سوبريم” للمخرج جوش سافدي، من بطولة تيموثي شالاميه، تسعة ترشيحات، تماماً مثل فيلم “فرانكشتاين” لغييرمو ديل تورو. وحصل فيلم “هامنت” للمخرجة كلوي تشاو، من بطولة جيسي باكلي، على ثمانية ترشيحات. وتتوقع بعض وسائل الإعلام المتخصصة فوز شالاميه وباكلي بجائزتي أفضل ممثل وأفضل ممثلة في أدوار رئيسية. ويُعد هذا الترشيح الثاني على التوالي لشالاميه، بعد دوره المميّز العام الماضي في فيلم “مجهول تماماً” بشخصية بوب ديلان.
