في اللحظة التي حوّل فيها بروكلين بيكهام نفسه إلى مصدر تهديد لصورة “آل بيكهام”، وجد والده ديفيد نفسه محاطاً بقمم جبال دافوس المغطاة بالثلوج. ومن المفارقات أنه كان هناك لتسلم جائزة تقديراً لعمله مع الأطفال والشباب، وربما توقف للحظة ليسترجع آخر مرة هدد فيها خلاف بهذا الحجم بتفتيت عائلته. كانت الأزمة الكبرى السابقة قد وقعت أيضاً على خلفية ثلجية، حين ذهبت العائلة في عطلة جماعية عام 2004 إلى منحدرات كورشوفيل (فرنسا) للتظاهر بوحدة الصف، بعد اتهامات بعلاقة عاطفية جمعت ديفيد بمساعدته آنذاك ريبيكا لوس.
وفي وقت ألقت صحيفة “نيوز أوف ذا وورلد” News of the World بظلالها على رواية العائلة المثالية، ظهرت فيكتوريا بابتسامة نادرة في الصور الشهيرة لمعركة كرات الثلج التي التقطها مصور المشاهير جايسون فريزر، المعروف بـ”المصور الرسمي للعائلة”. وقد رفض الزوجان تلك الادعاءات بوصفها “سخيفة” وتجاهلا ضجيج الإشاعات التي أثيرت حولهما، ولم يتكرر الحديث عنها إلا في سلسلة “نتفليكس” المكونة من أربعة أجزاء التي طرحت عام 2023 بعنوان “بيكهام” Beckham، إذ أعيد سرد القصة على أنها حكاية نسجتها الصحافة الصفراء الشريرة والأثر الذي تركته في العائلة.
كنت حينها محررة قسم أخبار المشاهير في صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، وشاهدت عن قرب مدى العناية الفائقة التي صيغت بها صورة “آل بيكهام”. وقد ترسخت أكثر فكرة “العائلة المثالية” حين انتقلا إلى أميركا ووقعا عام 2007 مع سايمون فولر، المدير السابق لفرقة “سبايس غيرلز” Spice Girls الغنائية.
ومع ذلك، لم تكن فكرة أن الأمور ليست على ما يرام بعيدة أبداً. فقد كان أفراد العائلة والأصدقاء يزودونني بقصص – بعضهم من دون مقابل مادي حتى – تلمح إلى الغضب والحسد والإحباط في الكواليس. وكثيراً ما كان مثيراً للاهتمام معرفة أي من العائلات تبيع قصصها للصحافة وأيها تبقى مخلصة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الصورة التي تبلورت كانت قاتمة. فيكتوريا – الفتاة التي تعرضت للتنمر بسبب حب الشباب وما زالت نحيلة حد الهوس – كانت متمسكة بيأس ببيكهام، الاسم الذي صار مرادفاً للنجاح والثروة، والذي يبدو أن حنكته التجارية لا تقل نجاحاً عن مسيرته الكروية، وقد مول أعمالها في مجال الأزياء لأعوام. ومع أن الحب تجاه أطفالهم لا شك فيه، فكثيراً ما كانت طفولة أبناء بيكهام الأربعة مضطربة، إذ كانت مهنة ديفيد تأخذهم من بلد إلى آخر.
بعد التصريحات الصادمة التي أطلقها ابنهم بروكلين، ستواجه عائلة بيكهام صعوبة في الاستمرار في “استعراض” صورة العائلة السعيدة هذه المرة. كما أن والده ديفيد لم يرد على الأسئلة المباشرة في شأن ابنه خلال ظهوره العلني في دافوس بسويسرا، إلا أنه أكد ضرورة أن يتيح الآباء لأطفالهم “ارتكاب الأخطاء”، وذلك أثناء تسجيل مدونة صوتية حول وسائل التواصل الاجتماعي مع الكاتب الأميركي الشهير في العلوم الشعبية آدم غرانت على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي.
وللمرة الأولى، يلتزم فريق العلاقات العامة لعائلة بيكهام الصمت، لكن لا يخدعنكم ذلك: فليس لدي شك بأن هناك غرفة عمليات تعمل على قدم وساق في الكواليس بينما يخطط الزوجان لخطوتهما التالية.
من يذكر أن الخلاف بين بروكلين ووالديه كان ينضج على نار هادئة منذ زفافه الذي بلغت كلفته 3 ملايين جنيه استرليني على نيكولا بيلتز، ابنة رجل أعمال ملياردير، في أبريل (نيسان) عام 2022. ويعتقد أن قرار فيكتوريا بضغط زر الإعجاب على فيديو نشره بروكلين على منصة “إنستغرام” قبل أسابيع، يظهر فيه وهو يطبخ دجاجاً منقوعاً في الجعة، كان بمثابة القشة الأخيرة التي قصمت ظهر آل بيكهام. ومن المدهش أن تصرفها هذا دفع محاميه إلى إرسال خطاب “كف وتوقف” إلى عائلته يطالبونهم فيها بالكف عن التفاعل معه عبر الإنترنت.
وقد يفسر المسار المتذبذب للأحداث اللاحقة حقيقة ما نشر قبل أيام بأن بروكلين ونيكولا قررا إنهاء تعاقدهما مع ماثيو هيلتزك، متخصص العلاقات العامة للأزمات الذي عمل سابقاً مع هارفي واينستين وجوني ديب. وكان والد نيكولا قد وظف هيلتزك قبل سبعة أشهر، بهدف تحويل التعاطف العام بعيداً من عائلة بيكهام وحماية سمعة عائلة بيلتز.
وبينما أفادت مصادر بأن الزوجين أنهيا عمله بسبب استيائهما من استمرار القصص السلبية عن نيكولا، تردد أيضاً أن هيلتزك ترك بعدما ضاق ذرعاً باستخدام نيكولا وسائل التواصل الاجتماعي لاستفزاز عائلة بيكهام.
وإذا صح أن هيلتزك لم يعد يعمل معهما، فقد يفسر ذلك توقيت منشورات بروكلين الستة على “إنستغرام”، التي كشف فيها عن “حقيقته”، روايات سامة عن عائلته لا يمكن التراجع عنها أو محوها. وكتب عن والديه قائلاً: “لا أريد المصالحة مع عائلتي… لست خاضعاً لسيطرة أحد، إنما أقف للمرة الأولى في حياتي دفاعاً عن نفسي”.

عائلة بيلتز تحرص على الحفاظ على سمعتها (حساب نيكولا آن بيلتز بيكهام على إنستغرام)
أما القصص المتداولة عما فجر كل هذا الخلاف – فستان الزفاف الذي كان من المقرر في البداية أن تصممه فيكتوريا، والرقصة الأولى التي أدتها نجمة “سبايس غيرلز” السابقة مع ابنها، ما ترك نيكولا باكية على ما يبدو – فقد كانت مجرد إشاعات، لكن بروكلين كشف عنها كاملة.
وأكد بروكلين أن فيكتوريا “ألغت تصميم فستان نيكولا في اللحظة الأخيرة”، قبل أن يضيف في رواية صادمة أكثر: “أمي استحوذت على رقصتي الأولى مع زوجتي، التي خطط لها منذ أسابيع على أنغام أغنية رومانسية. أمام 500 من ضيوف زفافنا، دعاني مارك أنتوني إلى المنصة، حيث كان من المفترض بحسب البرنامج أن تكون تلك لحظة رقصي الرومانسي مع زوجتي، لكنني وجدت أمي بانتظاري. رقصت إلى جانبي بطريقة غير لائقة أمام الجميع. لم أشعر في حياتي كلها بمثل هذا القدر من الانزعاج أو الإذلال”.
توجيه الإهانة لفيكتوريا، وهي نجمة بوب محترفة وراقصة سابقة، بهذه الصورة يبدو قاسياً للغاية. وفي الوقت ذاته، يصعب التعاطف كثيراً مع زوجين من “أبناء الامتيازات”، بلغت قيمة منزلهما الأول 7 ملايين جنيه استرليني. فهما ليسا من أولئك الذين بدأوا من الصفر كما فعل ديفيد وفيكتوريا، اللذان شقا طريقهما بالعمل الجاد، كذلك فإن بروكلين ليس ممن اختبروا يوماً قلق التساؤل عن القدرة على سداد الإيجار أو أقساط القرض العقاري في نهاية الشهر.
ومع ذلك، وعلى رغم كل ما يتمتع به من امتيازات، فإنني بوصفي متابعة لعالم المشاهير، كثيراً ما وجدت نفسي مفتونة بأبناء النجوم. فكثر منهم ينتهي بهم الأمر مدمني مخدرات أو منتحرين، بما لا يوحي إطلاقاً بأنها حياة مريحة.
وكتب بروكلين “نشأت مثقلاً بقلق لا يحتمل. وللمرة الأولى في حياتي، منذ ابتعادي عن عائلتي، اختفى هذا القلق”. الشعور ذاته تحدث عنه ساشا بيلي، نجل المصور الشهير ديفيد بيلي، حين قال لي يوماً إنك، حتى في طفولتك، لا تعرف ما إذا كان الأصدقاء يقتربون منك لأجلك أم لأن والدك شخصية معروفة. وانتهى به الأمر إلى مغادرة البلاد والتفكير في تغيير جنسه، بعدما شعر باغتراب عميق عن ذاته، غير قادر على تعريف نفسه إلا بوصفه “ابن ديفيد بيلي”.
يقول متخصص العلاقات العامة مارك بوركوفسكي: “الولادة في كنف الشهرة لا تمنح صاحبها امتيازاً بقدر ما تجعله ملكاً عاماً منذ اللحظة الأولى. اسمك يصبح بيانات عامة منذ ميلادك. مراهقتك تتحول إلى محتوى. أخطاؤك تستغل من الغرباء وتدار بهدوء من مستشاري العائلة. تكبر متمرساً في الظهور العلني، لكنك تفتقر إلى الاستقلال الذاتي. وحين تبلغ السن التي تتيح لك الاختيار، يكون مسارك قد رسم مسبقاً لمصلحة صورة العائلة”.
بالنسبة إلى أبناء عائلة بيكهام على وجه الخصوص، بدا أن هامش الاختيار كان شبه معدوم. فهم ليسوا فقط أبناء نجمين شهيرين، بل كانوا جزءاً من اسم وصورة العائلة منذ أعوامهم الأولى. وحتى في أحدث منشورات فيكتوريا على “إنستغرام”، تظهر هاربر، البالغة من العمر 14 سنة، وهي تجرب أمام الكاميرا أحدث مستحضرات تجميل تنتجها علامة والدتها التجارية.
وفي حين يحظى معظمنا بفرصة ارتكاب الأخطاء والبدايات المتعثرة في مطلع مسيرته المهنية بعيداً من الأضواء، جاءت إخفاقات بروكلين على مرأى الجميع: تجربة قصيرة في عرض الأزياء، كتاب تصوير قوبل بسخرية علنية، ثم تجربته كطاهٍ على “يوتيوب” التي عرضته للاستهزاء بسبب وصفاته البسيطة. اليوم، وتحت إشراف والد نيكولا، أطلق مشروعاً لإنتاج صلصات الطعام. ومرة أخرى، ينطلق بدعم مالي من العائلة، ويحصل على فرص غير متاحة لغيره، لكن إذا تعثر المشروع فستكون العثرة علنية هي الأخرى.
في هذا المشهد ما يذكر كثيراً بقصة الأمير هاري، وكيف فجر علاقته بعائلته بعد زواجه من امرأة تنتمي إلى عالم مختلف. فكلا الرجلين، أحدهما أمير من سلالة ملكية والآخر وريث شهرة، لم يكن أمامهما خيار حقيقي في مسار حياتيهما، إلى أن جاءت زوجتاهما لتكشفا لهما إمكان وجود طريق آخر.
المنحازون إلى “فريق بيكهام” في هذه الفضيحة التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى مادة للتندر والصدمة والحزن، يلقون باللوم على نيكولا باعتبارها من أبعدته عن عائلته. غير أن الصورة، في رأيي، أكثر تعقيداً من هذا التبسيط. فكما كتبت ريبيكا لوس، التي تعمل اليوم معلمة يوغا، على “إنستغرام”: “سعيدة جداً لأنه يدافع عن نفسه أخيراً ويتحدث علناً. كثيراً ما شعرت بالأسى على زوجته المسكينة، لأني أعرف جيداً كيف يتصرف هؤلاء الناس”.
وبدوره كتب بروكلين “طوال حياتي، كان والداي يتحكمان في السرديات الإعلامية عن عائلتنا. المنشورات الاستعراضية على وسائل التواصل، والمناسبات العائلية، والعلاقات غير الصادقة كانت جزءاً ثابتاً من الحياة التي ولدت فيها”. إنها حكاية أخلاقية تكشف لنا الوجه الآخر من عالم مصقول بعناية، ذلك العالم المثالي على “إنستغرام” الذي تصنعه “الصورة العائلية”.
منذ ذلك الحين، اجتاحت منشورات بروكلين الإنترنت، وأطلقت سيلاً من المواد الساخرة، ركز معظمها على مزاعمه في شأن “تجاوز حدود اللباقة” خلال رقصة فيكتوريا مع ابنها في حفل الزفاف. ولا شك أن هذه العاصفة ستترك أثرها في “صورة آل بيكهام”، حتى وإن كانت أكبر من أن تنهار بالكامل.
من أكثر ما أثار الاهتمام في منشورات بروكلين كان تركيزه على عنصر صورة العائلة، حيث كتب: “يقاس ’حب‘ العائلة بمدى ما تنشره على وسائل التواصل الاجتماعي”، ملمحاً إلى وجود نزاع قانوني عائلي حول استخدامه اسم بيكهام. وأضاف “قبل أسابيع من يوم زفافي، ضغط علي والداي مراراً وحاولا ارتشائي للتنازل عن حقوق اسمي، مما كان سيؤثر فيَّ وفي زوجتي وأطفالنا المستقبليين. كانوا مصرين على توقيعي قبل زفافنا، لأنه كان سيتم آنذاك تفعيل شروط الصفقة”.
لا يحصل معظمنا على دفعات مالية قبل الزفاف ولا يضطر إلى القتال من أجل استخدام اسمه، لكن في بعض النواحي، هذه قصة عائلية معاصرة بأسلوب شكسبيري عن الحب والديناميات الأسرية، مشحونة بالشهرة والمال والسلطة. أما الألم العميق الناتج من القطيعة مع أفراد العائلة، فهو مأساة يعرفها كثر للأسف، ومهما كان “المعسكر” الذي يختاره الناس في هذا الخلاف، نادراً ما يخرج أحد منه منتصراً حقاً.
