وجاءت مسرحية “الزير سالم” برؤية إخراجية متكاملة، اعتمدت على توظيف ذكي للعناصر البصرية والصوتية، من الإضاءة والمؤثرات والموسيقى العربية ذات الإيقاع الدرامي، إلى التصاميم المتحركة التي واكبت تحولات السرد. وقد أسهم هذا التكامل الفني في خلق تجربة مسرحية متوازنة تجمع بين الأصالة والتجديد، وتمنح النص الكلاسيكي روحًا معاصرة قادرة على مخاطبة جمهور اليوم دون التفريط بجذوره التراثية.

اللافت في العرض هو التركيز على البعد الإنساني لشخصية الزير سالم، بوصفه إنسانًا ممزقًا بين واجب الثأر وصوت الضمير، لا مجرد بطل ملحمي أحادي البعد، فيما ينسجم هذا التناول مع رؤية ثقافية أوسع تشجع على إعادة قراءة التراث بعين نقدية، قادرة على استخراج القيم الإنسانية الكامنة فيه، مثل التسامح والمصالحة، بدل تكريس منطق العنف والقطيعة. وهي مقاربة لطالما دعا إليها الشيخ سلطان القاسمي في كتاباته ومشاريعه الثقافية.

وفي ختام العرض، التقى حاكم الشارقة بفريق العمل المسرحي من ممثلين ومؤدين وفنيين، مثمنا جهودهم في تقديم عمل تاريخي بهذا المستوى الفني، ومؤكدا أهمية الاستمرار في إنتاج أعمال مسرحية جادة تعيد الاعتبار للمسرح العربي بوصفه مساحة للتفكير والنقاش الجمالي والفكري، فيما يعكس هذا التفاعل المباشر مع الفنانين نهجا داعما لا يكتفي بالرعاية الرسمية، بل ينخرط في تفاصيل العملية الثقافية ويمنحها شرعية معنوية عالية.

ويأتي عرض “الزير سالم” ضمن سياق أوسع من الدعم المتواصل الذي يقدمه حاكم الشارقة للمشاريع الثقافية والفنية، خاصة تلك التي تعنى بإحياء التراث العربي وتقديمه ضمن رؤى إبداعية معاصرة، فقد نجحت الشارقة في بناء نموذج ثقافي متماسك يقوم على الاستثمار في المعرفة والفنون ويجعل من الثقافة رافعة للتنمية الاجتماعية والإنسانية، لا مجرد واجهة احتفالية.

كما أن اختيار مسرح المجاز، بما يتمتع به من بنية تحتية متطورة وموقع مفتوح على الجمهور، يعكس حرص الإمارة على إتاحة الثقافة للجمهور الواسع، وربط الفعل الثقافي بالفضاء العام. ويمنح العرض الذي يمتد لثلاثة أيام، بواقع عرض يومي، ولمدة 120 دقيقة، الجمهور فرصة حقيقية للانخراط في تجربة مسرحية ملحمية، تتكامل فيها العناصر التمثيلية والفنية لتقديم عمل غني بالمضامين والدلالات.

ولا يمثل عرض “الزير سالم” حدثًا فنيًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسار ثقافي طويل جعل من الشارقة مركزا فاعلا للمسرح العربي ومن الثقافة أداة لبناء الوعي وتعزيز الحوار. ويبرز دور الشيخ سلطان القاسمي هنا بوصفه راعيا للمشروع الثقافي ومؤمنا بأن المجتمعات التي تستثمر في الفنون قادرة على إنتاج مستقبل أكثر توازنا وإنسانية، حيث يصبح المسرح مساحة للذاكرة والأسئلة، لا مجرد استعادة للماضي.