على الورق، يبدو فيلم “هامنت” (Hamnet) مشروعاُ فنيّاً رفيع المستوى: رواية أدبية حققت مبيعات واسعة، كاتب كلاسيكي مكانته محفوظة، زمن تاريخي، وجاذبية موسم الجوائز. أمّا على الشاشة، فالمخرجة الصينية كلوي تشاو تُحوّله إلى عمل نادر وأكثر مجازفة، وإلى عملٍ يتعامل مع الحزن بوصفه محرّكاً سردياً ومنظومة طقوس يمرّ بها بيتٌ وزواجٌ وجسدٌ.

مقتبس عن رواية ماغي أوفاريل (2020)، وبسيناريو مشترك بين تشاو وأوفاريل، يعيد الفيلم تخيّل حياة عائلة شكسبير من خلال شخصية زوجته أغنِس (آن) هاثاواي، والتي يتمزّق عالمها بعد وفاة ابنها الطفل هامنت. تُصوّرها القصة معالجةً بالأعشاب وذات نزعة صوفية، وتملأ الفراغ التأريخي بعناصر درامية غير موثّقة تاريخياً.

سينما المساحات الخاصة
كثير من الأعمال السينمائية القريبة من شكسبير تدور في فلك البلاطات، والصراعات، والعروض المسرحية. أمّا “هامنت” فيلازم المساحات الخاصة: غرف النوم، المطابخ، الحقول، والصمت الذي يعقب غياباً على قياس طفل. يُقدَّم الفيلم رسمياً على أنّه “حكاية حبّ وفقدان” أسهمت في إلهام كتابة “هاملت”. بعبارة أخرى، لا يهتم الفيلم بالكاتب بقدر ما ينشغل بالكارثة المنزلية التي ربّما غذّت الإبداع. وفي قالب درامي، يُقيم “هامنت” علاقة بنيويّة مع الصمت، لا تستطيع سوى السينما، في غرفة معتمة، أن تحتملها كاملةً. لا يتعجّل الشاشة في شرح نفسها، إنما يدعو إلى الإصغاء لأصغر التفاصيل، مثل وقع الأقدام على التراب، والأصوات الهشّة لبيتٍ قبل أن يتصدّع.

 

قصة حب شكسبير وزوجته. (Focus Features)

قصة حب شكسبير وزوجته. (Focus Features)

 

تصوّر كلوي تشاو عالم “هامنت” حيّاً وبسيطاً. الريف يخرج من الخلفية ليُصبح شريكاً، حقوله تتنفّس، وأشجاره تشهد حلاوة الإعجاب وعذوبة الحبّ وجحيم الفقد، والضوء يتبدّل كالمزاج. كاميرتها تطيل الوقوف على الوجوه لا لاستخراج العاطفة، إنّما للسماح لها بأن تصل بصدقٍ وبشروطها الخاصة. ثمة صبر لافت في تفتّح المشاهد، إذ إنّ الحزن لا يمكن استعجاله من دون تزييفه.

في القلب تقف أغنِس، تؤديها جيسي باكلي بدقّة موجِعة. أداؤها بعيد عن الاستعراض، وتمضي عبر الفيلم بوصفها شخصاً مُصغياً لقوى بالكاد يلتقطها الآخرون: الطقس، الحدس، التغيّرات الدقيقة في جسد طفل. تؤدّيها باكلي كرمز للأمومة وكوعي كامل السكنى: ذكيّ، حسّيّ، وشرس بهدوء. حين يأتي الفقد، لا ينفجر. يستقرّ. ويجرؤ الفيلم على البقاء مع هذا الاستقرار.

شكسبير الهشّ
شكسبير بول ميسكال لا يتقدَّم إلى الواجهة ولا يُقدَّم كأسطورة. وجوده يبدو منقوصاً، ممزّقاً بين البيت والغياب، بين الريف ولندن، وبين الحب والمسافة. تقاوم تشاو إغراء تحويله إلى قدرٍ فنيّ. هو، بدلاً من ذلك، رجل لم يمتلك بعد اللغة اللازمة لمواجهة ما حدث. تكمن القوة العاطفية للفيلم تحديداً في هذا الاختلال: والدان في مهبّ الفاجعة؛ أحدهما يشعر بكلّ شيء، وآخر عليه أن يترجم الألم إلى شيءٍ آخر كي ينجو.

 

آغنس هاثاواي الأم المنهكة بأحزانها. (Focus Features)

آغنس هاثاواي الأم المنهكة بأحزانها. (Focus Features)

 

يُوصَف نهج تشاو أحياناً بأنه “أنثوي جذرياً”، وقد يُعزّز ذلك التحوّل في مركز الجاذبية السردية في “هامنت”؛ إذ يعود الفيلم مراراً إلى ذكاء الأم، وعملها اليومي، ومعرفتها الحدسيّة بابنها. والنتيجة ليست موقفاً معادياً لشكسبير، إنما إعادة توزيع للاهتمام، تقول إنّ قصة الأصل الأجدر بالسرد ليست كيف يكتب العبقري، بل كيف تنجو عائلة مما لا يمكن إصلاحه.

اللافت، حين يُختبَر الفيلم في صالة، هو كيف يستخدم “هامنت” الزمن. المشاهد تتمدّد وتنكمش وفق ثقلها العاطفي لا كفاءة السرد. يتيح المونتاج للحظات أن تتردّد، وأن تعود في هيئة متحوّلة، مولِّداً إحساساً بأن الذاكرة نفسها هي التي تُشكّل الفيلم. حين يكون الصبي حيّاً، حضوره خفيف، خاطف، شبه مراوغ. وحين يغيب، يصير في كلّ مكان. يتحوّل الغياب إلى مساحة.

الصمت والموسيقى
تصميم الصوت مقتصد ودقيق، وموسيقى ماكس ريختر – المستخدمة بتحفّظ – لا تملي عليك ما تشعر به، بل تفتح حيّزاً لحدوث الشعور. يُعيد “هامنت” توظيف ملحمة ريختر الموسيقية “عن طبيعة ضوء النهار” (On the Nature of Daylight) بعد 22 عاماً على تأليفها، ويبعث فيها حياةً جديدة بعد استخدامها في أفلام ومسلسلات عدّة، منها فيلم “جزيرة شاتر” (2010).

 

هامنت الطفل محور الفيلم. (Focus Features)

هامنت الطفل محور الفيلم. (Focus Features)

 

لا تقود موسيقى ريختر العاطفة من يدها، ولا تضغط على المعنى ليبلغ ذروته. تتركه يتشكّل ببطء، كأنّه ينبت من داخل المشهد نفسه. نغمات متقطّعة، شبه همس، تمرّ خفيفةً فوق الصورة ثم تنسحب، فتمنح الصمت وزنه، وتسمح للفراغ أن يتكلّم. وفي هذا الفراغ تحديداً، يولد التأثير الأعمق للفيلم. الأصوات الصغيرة، احتكاك القماش، وقع الخطوات، تنفّس الشخصيات، كلّها تتحوّل إلى مفردات سردية قائمة بذاتها، ويستحيل السمع شريكاً للعين في فهم الفقد. كلّ شيء يعمل بمنطق الإصغاء، لا بمنطق الإملاء.

وهكذا، لا يتشكّل الحزن كذروة درامية، إنّما يُستدعى كحالة مستمرّة، تتسلّل بهدوء إلى الجسد. تشعر به قبل أن تفهمه، وتبقى آثاره معلّقة بعد انطفاء الصورة. “هامنت” يثق بأنّ المتفرّج قادر على أن يشعر وحده، بلا إرشاد.

 

الأب وابنه على مسافة من الفاجعة. (Focus Features)

الأب وابنه على مسافة من الفاجعة. (Focus Features)

 

لا ينتهي الفيلم نهاية نظيفة. يبقى معك، في الجسد، وفي الفراغات بين الأفكار، كشيءٍ غير مكتمل، ولذلك، فهو صادق.

***

بحلول منتصف كانون الثاني/يناير 2026، كان الفيلم قد عزّز موقعه في موسم الجوائز. سمّاه المعهد الأميركي للأفلام ضمن أفلام العام، وهي إشارة استشرافية غالباً ما تنسجم مع مزاج الأكاديمية. حصدت جيسي باكلي جائزة “غولدن غلوب” لأفضل ممثلة في فيلم دراما، أمّا تشاو فنالت ترشيح أفضل مخرج، ضمن حصيلة ثمانية ترشيحات شملت أفضل فيلم.