
الصالون الثقافى يناقش أعمال صنع الله إبراهيم.. حين تتحول الرواية إلى شهادة على العصر

الصالون الثقافى يناقش أعمال صنع الله إبراهيم.. حين تتحول الرواية إلى شهادة على العصر
فى اليوم الرابع من فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب فى دورته السابعة والخمسين، شهدت قاعة الصالون الثقافى ببلازا (2) ندوة مهمة لمناقشة أعمال الكاتب والروائى الراحل صنع الله إبراهيم، أحد أبرز الأسماء التى شكّلت ملامح الرواية المصرية الحديثة، والذى يحتفى به المعرض هذا العام ضمن الشخصيات الأدبية المؤثرة.
أدار الندوة الناقد الأدبى الدكتور محمود عبد البارى، الباحث بمجمع اللغة العربية، الذى استهل اللقاء باستعراض موجز لسيرة صنع الله إبراهيم ومسيرته الإبداعية، مؤكدًا أننا أمام كاتب استثنائى استطاع تحويل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى مرت بها مصر على مدار أكثر من خمسين عامًا إلى شخوص روائية نابضة، تتكلم وتحتج وتكشف.
وأشار عبد البارى إلى أن صنع الله إبراهيم أعلن مبكرًا انحيازه الواضح للفكر الاشتراكى، وظل وفيًا له حتى وفاته، منحازًا للمهمشين، ومدافعًا عن دور المثقف التنويرى.
ولفت إلى أن أعماله اتسمت بالتوثيق الاجتماعى والسياسى، حتى عُدّ واحدًا من أبرز رواد الرواية الوثائقية فى السرد العربى، حيث دمج الواقع بالتخيل، وفتح أمام الرواية آفاقًا جديدة على مستويى الشكل والمضمون.
وتوقف عبد البارى عند ما قاله وزير الثقافة المصرى فى نعيه للكاتب الراحل، مؤكدًا أنه جمع بين الحس النقدى والإبداعى، وظل مخلصًا لقضايا الوطن، قبل أن يستعرض ملامح من سيرته الذاتية، بوصفه كاتبًا روائيًا ومترجمًا يسارى التوجه، وأحد أكثر الكتاب إثارة للجدل، لا سيما بعد رفضه تسلم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائى العربى عام 2003 اعتراضًا على سياسات الحكومة آنذاك.
ماهر حسن: صنع الله نموذج المثقف العضوي
وفى مداخلته، تحدث الشاعر والناقد والصحفى بجريدة المصرى اليوم ماهر حسن عن تجربته الشخصية مع صنع الله إبراهيم، مشيرًا إلى أنه أجرى معه أربعة حوارات عقب رفضه الجائزة، تناولت أزمة الجوائز الثقافية، ودور الدولة، وأزمة المثقف.
وأوضح أن صنع الله كان مشغولًا دائمًا بالبحث عن الحقيقة، وأن كل عمل من أعماله ينطوى على سؤال مركزى، يتقاطع فيه التاريخ الشخصى مع التاريخ العام.
وأكد ماهر حسن أن صنع الله إبراهيم قدّم نموذجًا نادرًا لـ«المثقف العضوي» صاحب الحس الاستشرافى، حتى إنه تنبأ بقدوم ثورة فى رواية «التلصص»، مشيرًا إلى أن صنع الله كان يرى التاريخ حلقة مفرغة تعيد إنتاج نفسها، دائمًا بين واقع نعيشه وحلم نطارده.
وكشف حسن عن رغبته فى جمع هذه الحوارات فى كتاب مستقل، تقديرًا لقيمة الشهادة التى تركها الكاتب الراحل.
شحاتة الحو: الواقعية الخشنة وكتابة الرفض
من جانبه، وجّه الدكتور شحاتة الحو، الباحث الأول بمجمع اللغة العربية، الشكر لإدارة المعرض على تنظيم هذا اللقاء، مؤكدًا أن الحديث عن صنع الله إبراهيم هو حديث عن واحد من أهم كتّاب الرواية العربية.
وتوقف عند اللحظة الأشهر فى مسيرته، وهى رفضه لجائزة الدولة أمام وزير الثقافة وإلقاء بيان شديد اللهجة، متسائلًا: هل كان ذلك بحثًا عن لقطة، أم تعبيرًا صادقًا عن موقف متسق مع مشروعه الإبداعى؟
وأوضح الحو أن صنع الله إبراهيم ينتمى إلى ما يمكن تسميته بـ«كتّاب الرفض» فى السردية العربية، وهو موقف متجذر فى بداياته، مستشهدًا بما قاله يوسف إدريس فى تقديمه لمجموعة «تلك الرائحة»، معتبرًا أن روح هذا العمل الأول ظلت سارية فى مجمل إنتاجه حتى آخر رواياته.
وأشار إلى أن صنع الله اختار منذ البداية كتابة «الواقعية الخشنة»، على عكس نجيب محفوظ الذى عبّر عن الواقع بلغة شاعرية رفيعة، بينما قدّم صنع الله الواقع بتفاصيله العارية، مستخدمًا لغة تلغرافية مباشرة، خالية من الزينة البلاغية، لكنها مشحونة بجمالها الخاص. كما نجح فى تفكيك مفهوم البطل التقليدى، وتحرير النص السردى من الحبكة الكلاسيكية، دون أن يفقد قدرته على جذب القارئ.
مسيرة إبداعية متشابكة مع التاريخ
وُلد صنع الله إبراهيم فى القاهرة فى 24 فبراير 1937، وارتبطت أعماله ارتباطًا وثيقًا بسيرته الذاتية وبالتاريخ السياسى لمصر والمنطقة، ومن أبرز رواياته «اللجنة» (1981) التى هاجم فيها سياسة الانفتاح، و«بيروت بيروت» (1984) التى تناولت الحرب الأهلية اللبنانية، و«شرف» التى صُنّفت ضمن أفضل الروايات العربية، إضافة إلى «يوميات الواحات» التى تمثل شهادة سردية على تجربة الاعتقال.
وكان يؤمن بأن الفضاء الروائى مجال مفتوح للتجريب، وليس مجرد «حدوتة» للتسلية، وهو ما يتجلى بوضوح فى رواية «وردة» التى جعل فيها المكان بطلًا، مؤرخًا لمرحلة مهمة من تاريخ عُمان، ومجسدًا مأساة الإنسان العربى، ومؤكدًا أن الصدق هو القاعدة الكبرى فى الكتابة.
ترك صنع الله إبراهيم إرثًا روائيًا متنوعًا شمل الرواية، والقصة القصيرة، وأدب الطفل، والترجمة، وظل حتى آخر أعماله وفيًا لفكرته الأساسية: أن الكتابة موقف، وأن الرواية شهادة على العصر.
وبرحيل صنع الله إبراهيم، لا تفقد الرواية العربية كاتبًا كبيرًا فحسب، بل تفقد ضميرًا سرديًا ظل يقظًا، مشاكسًا، ومخلصًا للحقيقة حتى النهاية. كتب ضد النسيان، وضد الزيف، وضد الصمت، وترك لنا أعمالًا لا تُقرأ للمتعة وحدها، بل للفهم والمساءلة، وإعادة التفكير فى علاقتنا بالسلطة، والتاريخ، والإنسان. وسيظل اسمه حاضرًا كلما طُرحت الرواية بوصفها فعل مقاومة، لا مجرد حكاية.
