مخرج فيلم “أبو ميلاد” صهيب أبو دولة في الدوحة، 23 يناير 2026 (حسين بيضون)
لا يُختزل وليد دقة في سيرة اعتقال امتدت قرابة أربعة عقود، ولا في قصة حب استثنائية، بل في حالة فكرية حاولت باستمرار أن تسبق السجن، وأن تخرق زمنه العقابي بزمن موازٍ يصنعه الوعي. هذا ما يحاول فيلم “أبو ميلاد” (إنتاج شركة ميتافورا، وإخراج صهيب أبو دولة) الذي عرض مساء أمس الجمعة في العاصمة القطرية الدوحة على هامش الدورة الرابعة من منتدى فلسطين، التقاطه؛ كيف يمكن لإنسان أن يحوّل السجن من آلة صهر إلى مختبر للذات؟
يقدّم “أبو ميلاد” بناء بصرياً وسردياً يعتمد على تسجيلات صوتية ورسائل مهرّبة وصور أرشيفية، في محاولة لفهم كيف يمكن لإنسان أن يصنع عالماً موازياً في مكان صُمّم لمحو الزمن والذات. على امتداد ساعة وأربعين دقيقة، يُسمع صوت وليد دقة وهو يقرأ مقاطع من كتاباته ومقالاته ومقابلاته، لتتشكل صورة مثقف ومناضل لم يقبل أن يكون السجن تعريفه النهائي.
يستعيد الفيلم أفكار دقة حول صهر الوعي والزمن الموازي، ويقدّم شهادات تكشف أثره خارج النص. ويضيء الفيلم على قصة حب وليد دقة وسناء سلامة، وعلى ولادة ابنتهما ميلاد عام 2020 عبر نطفة محررة، بوصفها حدثاً يتجاوز البيولوجيا إلى السياسة، ويعلن فشل الاحتلال في احتكار المستقبل.
كما يتضمن شهادات لأسرى سابقين، بينهم زكريا الزبيدي الذي يتحدث عن تأثير كتاب دقة “صهر الوعي… أو في إعادة تعريف التعذيب” (مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، تقديم عزمي بشارة) في تجربة حفر “نفق الحرية” من سجن جلبوع. في السادس من سبتمبر/أيلول عام 2021، نفذت عملية “نفق الحرية”، أكبر عملية فرار من معتقلات الاحتلال الإسرائيلي، والتي حدثت في سجن جلبوع الإسرائيلي الأكثر تحصيناً، عبر نفق حفره ستة أسرى، بينهم الزبيدي، وانتزعوا حريتهم منه لبضعة أيام، على الرغم من التدابير العسكرية والأمنية الإسرائيلية المشددة، قبل أن يُعتقلوا بعد خمسة أيام من الحرية.
وقال المخرج صهيب أبو دولة، لـ”العربي الجديد”، إن قصة وليد دقة “جامعة” و”تمثل طيفاً واسعاً من طبقات الحركة الأسيرة الفلسطينية”، لما تحمله من رمزية فكرية ونضالية، ولأنه مثقف ومناضل ومن أبناء الداخل الفلسطيني، عاصر مراحل سياسية متعددة وما رافقها من نضالات وانكسارات.
استشهد وليد دقة في مستشفى “أساف هروفيه” في 7 إبريل/نيسان 2024، إثر تدهور حالته الصحيّة نتيجة الإهمال الطبي وظروف الأسر الصعبة، ورفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي الإفراج عنه رغم إصابته بمرض السرطان، وذلك بعد أن أمضى 38 عاماً في السجون الإسرائيلية.
لا يقدّم “أبو ميلاد” بطلاً جاهزاً، بل إنساناً يجرّب أن يكون أكثر من تعريفه القسري. وليد دقة هنا ليس “أسيراً نموذجياً”، بل مفكر يقترح أن الوعي يمكن أن يفلت من مركز السيطرة، وأن الجسد ليس الساحة الوحيدة للصراع. الفيلم يذكّر بأن الحركة الأسيرة ليست فقط تاريخ تضحيات، بل أيضاً تاريخ أفكار، وأن السجن، حين يفشل في صهر الوعي، يتحوّل إلى فضاء تتكاثر فيه أسئلة الحرية بدل أن تُقمع.
