Published On 24/1/202624/1/2026

|

آخر تحديث: 21:16 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:16 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

الحكاية هي العمود الفقري للفيلم السينمائي، لذلك يلجأ صانع الفيلم إلى القصة أو الرواية حين يعتزم تقديم فيلم جديد، ويظل الشعر بالنسبة له مساحة إلهام أو يدخل إلى بنية الفيلم كتعليق صوتي أو حتى قصيدة تتلى على لسان شخصية في العمل. امتلك عدد قليل من السينمائيين الشجاعة لعبور ذلك الحاجز، وحاولوا اكتشاف العمق الدرامي للقصيدة، أو إعادة كتابتها بالصورة، لاكتشاف النص البصري الذي تحمله لغة مكثفة.

ثمة 3 تجارب لفتت الأنظار حين تم الانطلاق منها لصناعة فيلم، وهي قصيدة “عواء” (Howl) لألن غينسبيرغ، و”الأرض اليباب” (The Waste Land) لتوماس ستيرنز إيليوت، وقصيدة الشاعر الأرمني سايات نوفا “لون الرمان” (The Color of Pomegranates).

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

كيف تعاملت السينما مع الشعر، ونقلت إيقاع اللغة إلى الشاشة، من دون حكاية، ولا سيناريو؟ ولماذا بقي هذا المسار استثنائيا في الفن السابع؟

تعد الحبكة المتقنة والشخصيات المحددة والتطور الزمني من شروط السيناريو الناجح، فهي عناصر أساسية في الفيلم الناجح. وتحتوي الرواية على العناصر الـ3، لذلك كانت بداية السينما من خلالها، بينما ظل الشعر، بطبيعته المكثفة، والمفتوحة على التأويل، مادة عصية على الحكي البصري، فالشعر لا يحكي، بل يلمح، ولا يشرح، بل يلامس، ولا يسير في خط مستقيم وإلا فقد هويته.

لكن سينمائيين قرروا المخاطرة، واندفعوا في محاولات لتطويع القصيدة لتناسب السينما. سأل هؤلاء السينمائيون أنفسهم بجرأة أولا: هل تحتاج السينما بالفعل إلى حكاية؟ ماذا لو كان الإيقاع واللغة والصورة يستطيعون، معا، بناء تجربة سينمائية؟

قصيدة سينمائية

استقبلت قصيدة “عواء” حين نشرت عام 1956 في ديوان يحمل الاسم نفسه للشاعر الأميركي ألن غينسبرغ، كما لو كانت بيانا ثقافيا يعبر عن جيل كامل. فاللغة التي كتبت بها حرة، ومتدفقة، وصادمة، تصف القصيدة حياة ذلك الجيل بكل ما فيها من جنون، وتمرد، وانحراف، ورفض للقيم المحافظة في أميركا الخمسينيات.

تفتتح القصيدة بجملة أصبحت من أشهر افتتاحيات الشعر الحديث:

“رأيت أفضل عقول جيلي تدمر بالجنون”

بواسطة أشهر افتتاحيات الشعر الحديث

لا يسرد الشاعر قصة واحدة، ولكنه يرسم مشهدا جماعيا للجنون، مفعما بالصور والصرخات والاعترافات. ورغم ادعاءات حرية الكلمة، تمت محاكمة ناشرها بتهمة الفحش، وانتهت القضية بحكم تاريخي أكد أن النص عمل أدبي مشروع، وساهم الحكم في توسيع هامش حرية التعبير في الأدب الأمريكي.

ملصق فيلم "عواء"الملصق الدعائي لفيلم “عواء” (الجزيرة)

وفي عام 2010، قدم المخرجان روب إيبستاين وجيفري فريدمان فيلم “عواء” (Howl)، في تجربة سينمائية ترى القصيدة هي البنية الأساسية للفيلم. يتكون العمل من 3 خطوط متداخلة، هي إلقاء شعري بصوت جيمس فرانكو، وإعادة تمثيل لمحاكمة النص، وتجسيد بصري لمقاطع القصيدة نفسها.

وعلى عكس الأفلام السينمائية العادية حيث تقود الصورة مسار العمل، سار المخرجان وراء النص الشعري، واكتفيا فقط بالترجمة البصرية دون تفسير، فتحولت القصيدة إلى خامة سردية داخل الفيلم، وخضعت السينما للإيقاع وتبنت منطق القصيدة تماما بكل ما فيه من فوضى شعورية.

هذا الخيار الجمالي دفع الناقد الأميركي “إيه. أو. سكوت” للكتابة في “نيويورك تايمز” (The New York Times) قائلا: “إن الفيلم لا يحاول تفسير غينسبيرغ بقدر ما يضعنا داخل صوته ولحظته التاريخية”، واعتبر أن قيمته تكمن في تحويل الشعر إلى تجربة حسية بلا شرح أو تفسير”. في المقابل، رأى الناقد تود مكارثي في مجلة “فارايتي” (Variety) أن الشكل غير التقليدي للعمل قد يربك بعض المشاهدين، لكنه يظل “وفيا لقصيدة ترفض الانضباط أصلا”.

لغة مشتركة

على عكس “عواء”، تأتي قصيدة “الأرض اليباب” عام 1922 للشاعر تي. إس. إليوت كواحدة من أكثر نصوص الحداثة الشعرية تركيبا، إذ تدور حول حكاية مركزية واحدة، وتتعدد الأصوات فيها، وهي شظايا من عالم ممزق يصور انهيار المعنى بعد الحرب العالمية الأولى. الغريب أن هذه القصيدة، بشكل خاص، كانت توصف طويلاً بأنها “غير قابلة للتجسيد”.

قدم المخرج البريطاني ديريك غارمان عام 1987 فيلما يحمل العنوان نفسه. لم يحاول تبسيط القصيدة أو تحويلها إلى قصة مفهومة. نقل الرجل – بأمانة – البنية المتكسرة للنص الشعري، فجاء الفيلم عبارة عن مشاهد قصيرة، وأصوات متداخلة، وشخصيات عابرة، وأزمنة غير مستقرة.

لا يروي الفيلم القصيدة، وإنما يضع مشاهدها أمام عين المشاهد، مثل أي قراءة أولى لنص كهذا، يشعر المتلقي بالضياع، لكن هذا الضياع يصبح جزءا من التجربة الجمالية نفسها.

احتفى النقاد بتجربة “الأرض اليباب”، ورأت مجلة “سايت أند ساوند” (Sight & Sound) أنها “حولت الحداثة إلى صور متحركة”، وكتب الناقد البريطاني ديفيد طومسون أن غارمان “لم يحوّل إليوت إلى سينما، بل جعل السينما تتصرّف كما لو كانت قصيدة”.

ألن غينسبيرغ مؤلف قصيدة "عواء" (آي ام دي بي)ألن غينسبيرغ مؤلف قصيدة “عواء” (آي ام دي بي)قصيدة السينما الخالصة

تجاوز المخرج الحدود مع التجربة الـ3، وهو فيلم “لون الرمان” (The Color of Pomegranates) عام 1969 للمخرج سيرغي باراجانوف، المستوحى من قصائد الشاعر الأرمني سايات نوفا. قصائد نوفا، المكتوبة في القرن 18، تقوم على الرمز، والاستعارة، واللغة الطقسية، بلا سرد أو تطور زمني.

لم يقدم باراجانوف سيرة شاعر، وإنما حول قصائده إلى مشاهد، لتبدو كل لقطة كما لو كانت بيتا شعريا بألوان كثيفة، وحركات بطيئة، ورموز دينية وثقافية، وصمت طويل.

ورغم الصدام الذي أحدثته اختيارات باراجانوف الجمالية بين المخرج والرقابة السوفياتية في ذلك الحين، إلا أن العمل أعيد اكتشافه فيما بعد. الناقد الفرنسي سيرج دانيه كتب في “كراسات السينما” (Cahiers du Cinéma) أن الفيلم “لا يشاهَد بل يُقرأ كما تقرأ القصيدة”، فيما وصفه جان-لوك غودار بأنه سينما “صُنعت كما لم تُصنع من قبل”. واعتبر بيتر برادشو في “الغارديان” (The Guardian) الفيلم أحد أكثر الأعمال البصرية تفردا في تاريخ السينما.

تكشف الأعمال الـ3 أن تحويل القصيدة إلى فيلم لا يعد أمرا مستحيلا، لأنه يتطلب تخلي السينمائي عن منطق الحكاية، والتمسك بمنطق الصورة، وقبول الغموض، وهو خيار يعني أن السينما قد لا تصبح فنا جماهيريا.