اعتزلت الفنانة المصرية شادية (1931-2017) وهي في نحو الخمسين من عمرها، وظلت أكثر من ثلاثين عامًا في الظل، لكن “صورتها” حافظت على صدارة المشهد السينمائي والغنائي في بلادها والمنطقة، وما زالت.

ما بين الضوء والعتمة، تنقّلت شادية، “دلوعة الشاشة” كما وُصفت، بهشاشة جمالية غامضة، في الملامح والصوت، متحرّكةً في المنطقة المُلغَّزة ما بين أن تكون هند رستم، حيث الجمال وحشيّ، أو فاتن حمامة، حيث الجمال ليس في الملامح بل في الشخصية نفسها.

اعتزلت شادية العمل الفني في الخمسين من عمرها – مواقع تواصل  ​

كان هذا شأنها في الغناء أيضًا: في المنطقة الوسطى، بالغة الإلغاز والحيرة، ما بين أن تكون أم كلثوم، وقد تعذّر هذا عليها وعلى سواها، بأدائها الخرافي وغموض هويتها صوتًا وأداءً ما بين الذكورة والأنوثة، أو أن تكون نجاة الصغيرة من جهة أخرى، حيث أنوثة الأداء المُفرِطة.

شادية.. والثنائيات القاتلة

حكمت هذه الثنائية، والتردّد بين قطبيها، الفنانةَ الكبيرةَ شادية، وربما كانت وراء بحثها عن احتمالاتها المفترضة الأخرى، وهو ما تجلّى في أدوارها السينمائية: فلاحةً وأرستقراطيةً، ملاكًا وشيطانًا.

وكما أدّت أدوار الفتاة الرقيقة والمرأة الفاتنة والمغوية، قدّمت أدوارًا أخرى ربما كانت جزءًا من احتمالاتها، وأبدعت فيها على نحو نادر يكاد لا يُضاهى في السينما المصرية، وخصوصًا تلك الأدوار التي تبدو للوهلة الأولى متناقضة تمامًا مع شخصيتها “الواقعية”، المكرّسة، كامرأة جميلة ورقيقة، تنتمي إلى أعلى الطبقة الوسطى.

فقد ظهرت شادية في أدوار كانت فيها مجرد فلاحة فقيرة أو ابنة الطبقات الدنيا، لكن بجمال متمرّد وتطلعات غريزية تقودها إلى امتهان بيع جسدها (فيلم زقاق المدق)، أو أن تكون بائعة هوى لكن فاضلة (فيلم اللص والكلاب)، وصولًا إلى الرغبة التي تُصغي إلى نداءاتها وتنساق وراءها، من الخيانة التي تقود إلى الجريمة (فيلم الطريق)، إلى الضعف الذي يتكشّف عن صلابة نادرة في مقاومة الإغراءات لتحقيق الذات والتحرر من ربقة الفقر والجهل (فيلم ميرامار).

في تلك الأفلام المأخوذة عن روايات الحائز على جائزة نوبل في الآداب، نجيب محفوظ (1911-2006)، قدّمت شادية احتمالاتها الأخرى التي حقّقت فيها ذاتها فنانةً كبيرةً، والتي تتناقض للمفارقة مع أدوارها الرومانسية التي صنعت شهرتها.

في ميرامار تقدّم شادية دور الفلاحة المكافحة التي تسعى لتغيير حياتها – مواقع التواصل

دكتور جايكل والسيد هايد

هذه الازدواجية أو الثنائية نجدها في أفلام عدة لشادية، ففي “عفريت مراتي” الذي أخرجه فطين عبد الوهاب عام 1964، وقامت ببطولته مع صلاح ذو الفقار، تؤدي شادية دور المرأة التي تعاني من فصام نفسي.

وربما كان الفيلم معالجة مصرية لرواية “الدكتور جيكل والسيد هايد” الشهيرة للكاتب الإسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، التي كانت من أوائل النصوص على الإطلاق التي قاربت ما سمي لاحقًا اضطراب الهوية المتعددة، حيث يصطرع الشر والخير داخل الشخص الواحد، فإذا هو أكثر من شخص في إنسان.

ملصق فيلم عفريت مراتي من بطولة شادية وصلاح ذو الفقار – مواقع التواصل

في ذلك الفيلم تقدّم شادية دور زوجة جميلة تعاني من الفراغ القاتل والهوس بالسينما، وتتقمّص الشخصيات النسائية في الأفلام التي تُعرض في إحدى دور السينما القريبة من بيتها.

فمرة تتقمّص دور “غادة الكاميليا” بعد مشاهدة فيلم يحمل الاسم نفسه، وأخرى دور ريّا في فيلم “ريّا وسكينة” (أخرجه صلاح أبو سيف عام 1953 عن قصة كتبها للسينما نجيب محفوظ).

وثالثة تتقمّص شخصية “إيرما لادوس” من فيلم أميركي بالاسم نفسه، أُنتج عام 1963، وتؤدي فيه شيرلي ماكلين دور بائعة هوى يُفتن بها ضابط شرطة (جاك ليمون) يلاحق العاملين في هذه المهنة.

ويبدو أن ما أصبح يُسمّى في علم النفس الحديث “اضطراب الهوية التفارقي” أو “اضطراب الشخصية المتعددة” يفسر تقلّبات الشخصية التي قدّمتها شادية في ذلك الفيلم، حيث تتعدّد الهويات أو الشخصيات داخل الإنسان نفسه، ويكون لكل شخصية نمطها السلوكي وذاكرتها الخاصان، ما يجعل الشخص غير قادر على استرجاع بعض الذكريات أو التحكم في تنقلاته بين الشخصيات المختلفة.

وهو ما كرّرته شادية نفسها في فيلم آخر لها هو “ذات الوجهين”، والفيلم هو الخامس الذي يستند إلى أحد نصوص الروائي المصري نجيب محفوظ، وإن لم يكن نصًا أدبيًا خالصًا، فقد كتبه للسينما وحسب كأفلام أخرى كتبها ولم تكن جزءًا من ميراثه الأدبي العظيم.

شادية واحتمالاتها في السينما والحياة

رغم الضعف الكبير للفيلم الذي أخرجه حسام الدين مصطفى عام 1973 وكتب السيناريو والحوار له فيصل ندا، فإنه يضيء إلى حدود كبيرة شخصية شادية نفسها، لا باعتبارها شخصيةً في فيلم بل في الحياة وفي مقارباتها لشخصياتها السينمائية.

كأنما هي غيرها، أكثر من شخص، وأكثر من سيكلوجيا وذاكرة، في تجلّ مذهل لاضطراب الهوية التفارقي ولو على صعيد الاستعارات على الأقل.

تؤدي شادية دور حميدة في زقاق المدق – مواقع التواصل

وربما يفسر هذا، بالإضافة إلى الموهبة، إبداعَ شادية المدهش في أداء أدوار “الساقطات” و”المغويات” و”الفلاحات القويات”، بالمقارنة مع شخصياتها الأخرى التي أدت فيها أدوار نساء أو فتيات من الطبقة الوسطى، وكنّ على رقة وجمال لافتين، يختلفان عن غوايتها أو شراستها في الأدوار الأولى. 

شادية في روايات نجيب محفوظ

قدمت شادية، واسمها الحقيقي فاطمة أحمد شاكر، أكثر من مئة فيلم، من ما بين الدرامي والكوميدي الاجتماعي، جمعت في بعضها ما بين التمثيل والغناء، مثل “معبودة الجماهير” مع عبد الحليم حافظ وأخرى مع فريد الأطرش، وهما من أبرز رموز الغناء العربي في القرن العشرين.

كما عرفت شهرة واسعة في كثير من أغانيها (نحو 1500 أغنية)، إلا أن أهم ما تميّزت به يظل القليل من الأفلام، وأهمها على الإطلاق تلك المأخوذة عن نصوص أدبية، مثل روايات نجيب محفوظ التي أدت الشخصيات الرئيسية في أربع منها، بالإضافة إلى نص خامس كتبه خصيصًا للسينما، وهي:  


اللص والكلاب – عام 1962. إخراج كمال الشيخ
زقاق المدق –  عام 1963. إخراج حسن الإمام
 الطريق – عام 1964. إخراج حسام الدين مصطفى 
ميرامار – عام  1969. إخراج كمال الشيخ
ذات الوجهين – عام 1973. إخراج حسام الدين مصطفى

ويضاف إلى هذه الأفلام فيلم سادس هو “الهاربة” الذي أخرجه عام 1958 حسن رمزي، ولم تكن قصته لمحفوظ بل كتب له السيناريو والحوار. 

 ومن هذه الأفلام احتل فيلمان مواقع متقدمة من قائمة أفضل مئة فيلم مصري حسب استفتاء نقاد السينما عام 1996 بمناسبة مئوية السينما المصرية، وهما اللص والكلاب وميرامار.

شادية في فيلم الطريق من إخراج حسام الدين مصطفى – مواقع التواصل ​

يذكر أن ستة أفلام شاركت فيها شادية حازت مواقع متقدمة في القائمة المذكورة، وهي:


شباب امرأة (1956) – المرتبة 6



اللص والكلاب (1962) – المرتبة 15



الزوجة 13 (1962) – المرتبة 100



مراتي مدير عام (1966) – المرتبة 35



شيء من الخوف (1969) – المرتبة 19



ميرامار (1969) – المرتبة 29


ورغم إبداع شادية في أدوارها المأخوذة من روايات نجيب محفوظ إلا أن الروائي المصري الكبير لم يكن واثقًا في البداية من قدرتها على أداء الشخصيات النسائية في رواياته، إذ قال في حوار صحافي قديم: 

شادية ممثلة رقيقة وجميلة لكنها لا تناسب شخصيات أفلامي اللى بيبقى فيها نوع من العمق شوية. 

لعلّ ذلك ما يفسر تخوّف محفوظ من قيامها بأول دور لها مأخوذ من رواياته، وهو دور نور في “اللص والكلاب”، إلى درجة أنه اشترط على شركة الإنتاج أن يقوم بإخراج الفيلم كمال الشيخ ليطمئن، وفق روايات صحافية.

لكن تخوّف محفوظ سرعان ما تحوّل إلى إعجاب كبير بالممثلة والمطربة المصرية، قائلًا إنه لم يكن بمقدور غيرها تقديم دور نور:

شادية من أكثر الممثلات فهمًا وتجسيدًا للشخصيات التي مثلتها في رواياتي التي أنتجت للسينما، وفي رأيي لم تكن هناك ممثلة غيرها تصلح لأداء شخصية نور في فيلم “اللص والكلاب”. 

وبعد أدائها دور حميدة في فيلم “زقاق المدق” قال محفوظ: 

شادية جعلتني أشاهد (حميدة) على الشاشة. لقد كنت أشعر بكل خلجة من خلجات حميدة متجسدة أمامي، على الرغم من تخوّفي الشديد من قدرتها على تجسيد الدور عند ترشيحها له.


شعرت لأول مرة أن الشخصية التي رسمتها على الورق نجحت في الخروج منه وأصبحت شخصية حقيقية من لحم ودم تتحرك أمامي على الشاشة، وكانت صورة لقدرة فائقة لا أتصور غيرها قادرًا على الإتيان بها. 

خاطئة ومغوية وبائعة هوى

قدّمت شادية في فيلم اللص والكلاب (عام 1962) شخصية فتاة الليل نور، التي أحبت اللص “سعيد مهران”، بينما قدّمت شخصية حميدة في “زقاق المدق” (عام 1963)، التي يقودها طموحها إلى العمل بائعة هوى.

وفي “الطريق” (عام 1964) قدّمت دور كريمة الخاطئة التي تخون زوجها وتدفع عشيقها إلى قتله.

وباستثناء دورها في “ميرامار” (عام 1969) الذي قدّمت فيه شادية شخصية زهرة، التي تعمل في “بنسيون” وترغب بتحقيق ذاتها بالعمل والتعلّم، فإن شادية في أفلام محفوظ الأخرى نموذج للمرأة “الخاطئة” أو التي تندفع إلى الخطيئة وتستسلم لرغباتها بلا أي رادع.

مع ذلك، لا بدّ من تسجيل فروق حاسمة بين هذه الشخصيات، وخاصة شخصية “نور” في “اللص والكلاب” التي صنّفها بعض نقاد السينما والأدب في خانة ما وصف بـ”المومس الفاضلة”، في إحالة إلى مسرحية بالاسم نفسه للكاتب الفرنسي جان بول سارتر، وإلى شخصية “سونيا مرميلادوف” في رواية “الجريمة والعقاب” للروائي الروسي فيودور دوستوفسكي.

شادية في رواية البحث عن الله

كتب محفوظ رواية “الطريق” عام 1964، وأدرجها الناقد جورج طرابيشي في سياق فلسفي تتحرك فيه بعض نصوص محفوظ الكبرى، وخاصة روايته الشهيرة “أولاد حارتنا” التي نشرها الروائي المصري أول مرة عام 1959 وأشادت بها لجنة نوبل عندما منحته جائزتها في الآداب عام 1988.

أثارت رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ ضجة كبيرة في العالم العربي – غيتي

وفي كتابه “الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية” الصادر عام 1973 يقدّم طرابيشي بحثًا في الدلالات والرموز التي تحفل بها الرواية، ليخلُص إلى أنها بحث معكوس عن الله نفسه. 

يجد بطل الرواية واسمه صابر، نفسه بلا معيل بعد وفاة والدته، “بسيمة عمران” غانية الاسكندرية وكبيرة قواداتها، وكانت قد أوصته قبل رحيلها بأن يبحث عن أبيه الغائب “سيد سيد الرحيمي” الذي سيُغنيه عن حاجة الناس، وسيجد في كنفه الاحترام والكرامة والسلام، قائلةً: 

استعد للبحث عنه. إنه سيد ووجيه بكل معنى الكلمة. لا حدّ لثروته ولا نفوذه، وأؤكد لك أن المال ليس إلا حسنة من حسناته.

يسافر صابر (رشدي أباظة) إلى القاهرة للبحث عن أبيه، ويتعثر بالصدفة بفندق صغير يقيم فيه اسمه “لوكاندة المحطة”، ومكتوب على بابه الزجاجي الداخلي “الله”.

وهناك يتعرف إلى “كريمة”، زوجة صاحب الفندق العجوز، التي تلعب دورها شادية، وهي جميلة وشابة تزوجت من عجوز لتأمين حياتها، وفي الوقت نفسه، يتعرف إلى إلهام (سعاد حسني) التي تعمل في إحدى الصحف، ويتواصل معها لنشر إعلان عن والده الغائب.

ومع تضاؤل فرصه في العثور على والده “الثري” تزداد علاقته “الآثمة” مع كريمة، ويبدو بطل الفيلم والرواية أيضًا بين حدين نقيضين ونموذجين بشريين على طرفي نقيض، فبينما تمثّل كريمة الشيطان والشر تمثّل إلهام الملاك والخير، ويتمزق بينهما البطل رغم أنه يسير في درب الخطيئة بقدميه وبرغبته.

موهبة كبيرة وجرأة استثنائية

تقدّم شادية في هذا الفيلم واحدًا من أعظم أدوارها وأكثرها جرأة على الإطلاق، وخاصة في المشاهد الحميمة التي تجمعها مع رشدي أباظة.

كأنها تغادر صورتها المكرّسة في أفلامها الرومانسية وبين معجبيها كفتاة وامرأة رقيقة المشاعر، وتصبح بدائية المشاعر هنا، محكومة بما يشبه القدر الذي يقودها إلى الخطيئة فالتحريض على القتل.

تقدم شادية في الطريق دور المغوية التي تدفع صديقها لقتل زوجها – مواقع التواصل

ووفقًا لطرابيشي فإن صابر في بحثه عن الأب الغائب (الله رمزيًا) كان قد أخطأ الطريق، فقد سلك كل طريق يبعده عن العثور عليه. 

تبدو رحلة صابر بين النساء قَدَرية ومرتبطة بالخطيئة، ومحملة بالرموز الميثولوجية والدينية، فوالدته اسمها بسيمة عمران في إشارة إلى/ أو على الأقل في تشابه أسماء ليس بريئًا بينها وبين السيدة العذراء المقدسة مريم بنت عمران، التي أنجبت من غير حبل في النصوص الدينية.

أما والده فهو سيد سيد الرحيمي، والله هو السيد وهو الرحمن الرحيم.

وبينما تبدو الخطيئة “كريمة” فإن سلوك طريق الفضيلة يحتاج إلى “إلهام” من نوع خاص، وبدل أن يعبر صابر الخطيئة إلى الإيمان (بالعمل لا الاتّكال على أب غائب) يغلّب علاقته مع كريمة على إلهام، فيقوده ذلك إلى الخطيئة الأكبر: القتل.

هل وفّق الفيلم في مقاربة الرموز أو احتمالات قراءة الرواية رمزيًا عبر لغة سينمائية؟

تقدم شادية في الطريق واحدا من أكثر أفلامها جرأة – مواقع التواصل

يكاد دور شادية، المغوية والغاوية في الفيلم، يكون قاطرة التعبير من الواقعي إلى الرمزي في الفيلم، فهي “أرضية” ومن طين ورغبات.

وهي تقود صابر وتدفعه بالإيحاء لقتل زوجها ليتمتعا معًا بثروته بعد يأس صابر من العثور على أبيه، ما يجعل أداءها يتمتع بقوة الإقناع بل الاندراج في سياق الرموز، وعدم الاكتفاء بإشارات الأسماء ودلالاتها.

ربما نجحت شادية في ذلك لأنّ دورها كان أيضًا أحد احتمالاتها، إنسانة وفنانةً، كأنها تتنقل بين الغُرَف على حد تعبير الروائي الأسكتلندي سيمبسون في “الدكتور جايكل والسيد هايد”، لأن الإنسان قد يكون هو نفسه تلك البناية الغامضة المفترضة التي تعج بالغرف، والتي ينتقل بينها من دون أن يعلم، فيحيّر ويحتار، بل ويثير الإعجاب في حالة شادية.