(في ذاكرتي كان هو الناجح المحبوب،
وأنا النحيف المنغلق.
كنت أشعر بالذنب وبأنني الذي كان يجب أن يموت وليس هو،
وهذا “عقدني جداً”،
وظلت هذه العقدة تطاردني كثيراً،
بل كانت من أشد العقد التي أثرت بي)
– يوسف شاهين متحدثاً عن أخيه الأكبر ألفريد – (الجريدة الكويتية)
في فيلم “إسكندرية ليه” أول أجزاء السيرة الذاتية للمخرج يوسف شاهين، حين تفشل الحفلة الثانية للطالب الشاب يحيى شكري مراد، ويسقط مغشياً عليه على المسرح وسط ضحكات من تبقى من الجمهور، نظرات المواساة من زملائه وعائلته، يحمله عقله الباطن إلى واقعة موت أخيه الأكبر قبل سنوات، حين حاول يحيى الصغير أن يشعل شمعة ليلة عيد الميلاد، فتمسك النار في تمثال المسيح، وإذا بجدته تصيح به أنه هو الذي حرق المسيح، وأنه جزاء له سوف يموت، لكن يحيى يقف خلف أخيه الأكبر مُطلقاً الكذبة التي سوف تؤرقه لبقية حياته (لا مش أنا.. ده هو) مشيراً إلى أخيه فريدي! الذي لا يلبث أن يموت في نهاية التتابع ذو الصبغة السوريالية.
يمكن لنا من هذا المشهد، أن نتوقف أمام أحد أبرز العناصر التي شكلت التركيبة الدرامية في سينما يوسف شاهين، وهي تركيبة عائلية بامتياز، ونعني بها عقدة الأخ الأكبر كما أشار لها.
منذ أول أفلامه “بابا أمين” 1950، ولا يكاد شاهين يبرح بيت العائلة، في كل أفلامه تقريباً، ثمة أسرة ما تتعرض لأزمة أو معضلة أو صراع داخلي، أو حادثة خطيرة أو لعنة لا تعترف بحدود الروابط الأسرية، ربما بحكم تكوينه المشرب بالتراجيديا الهاملتية، فإن شبح الأب في حضوره المادي أو المجازي يكاد يهمين على إنتاجاته، عبر تحولاتها من الميلودراما إلى الغناء إلى الفلسفة إلى السياسية، وصولاً إلى السيرة الذاتية، إلا أن ثمة مكون أخر رئيسي، هو عقدة الأخ الأكبر، ومن غير المنصف لهذه الرحلة الزخمة تجاهله، أو التعامل معه على اعتبار أنه مجرد تفصيلة درامية صادف وأن تكررت في بعض الأفلام، في عالم شاهين لا يوجد ما يمكن اعتباره تكرار بمحض الصدفة، بل أن كل عنصر متكرر هو جزء من التأكيد على البصمة الجينية لهذا العالم، الذي تشكل عبر أكثر من 60 عاماً، من الوقوف خلف الكاميرا والجلوس للكتابة ورسم المشاهد.
“ابن النيل”
يمكن أن نرصد تحولات عقدة الأخ الأكبر عبر مراحل شاهين المختلفة، إذا ما اتخذنا مسار تراكمي من البداية.
في أول مشاركة له بمهرجان كان، ذهب شاهين بفيلمه “ابن النيل” الذي قدمه عام 1951، الفيلم الذي اقتبسه مع فتوح نشاطي ونيروز عبد الملك عن المسرحية الأميركية “فتى النهر”، في هذا الفيلم يمكن أن نرصد العلاقة المشحونة بالتمرد والرغبة في الانفلات بين حِميدة الأخ الأصغر وأخيه الأكبر ابراهيم! منذ المشهد الأول لظهرهم بينما يقود ابراهيم المحراث ويبذر حِميدة الصغير الأرض ثم هروبه من أجل الذهاب لمراقبة القطار أملا في مغادرة القرية الجنوبية التي تضيق كل يوم على جسده وأحلامه.
يتمرد حِميدة على كل ما يمثله إبراهيم، الحكمة والعقل والرزانة والطيبة والامتلاء بالخير والدفء؛ إبراهيم كتلة من النقاء يصعب مناطحتها إلا بالهرب والخطيئة، وهو ما يفعله حِميدة مستغلاً صدمته في الموت المتخيل لزوجته الشابة وهي تلد!
بعد هذا التاريخ بــ 8 سنوات، سوف يكون شاهين قد أنجز 10 أفلام شكلت مجمل انطلاقته في عقد الخمسينيات، وهي انطلاقة تنوعت بين الكوميديا الغنائية مع فريد الأطرش “انت حبيبي”و”ودعت حبك”، والكوميديا الاجتماعية في “نساء بلا رجال” و”المهرج الكبير”، والميلودراما العاطفية ذات البعد الاجتماعي “صراع في الوادي”و”صراع في المينا”، الذي يكتشف فيه رجب البحار أن ممدوح صديقه ومنافسه في حب حَميدة ليس سوى أخاه غير الشقيق من فاضل بيه رئيس شركة الشحن في الميناء، مما يطلق طاقة حقد كبيرة من رجب تجاه فاضل وممدوح لا يسيطر عليها سوى حبه لحَميدة وعودته من أجلها.
“حب إلى الأبد”
بعد 8 سنوات من عودة حِميدة إلى كنف الأسرة والأخ الأكبر ابراهيم، يقرر يحاكم الأخ الأكبر في فيلم “حب إلى الأبد” 1959عن سيناريو لوجيه نجيب، كاتبه المفضل في هذه المرحلة.
يدخل الكاتب الشاب أشرف إلى مكتب أخاه المحامي المرموق محمود نيازي، الذي ينظر إليه بشكل متفحص، يسأله بتهكم: “افندم يا أخي العزيز”، فيجيب أشرف بكلمة واحدة: “قتلت”.
في”حب إلى الأبد” لا يعود الأمر مجرد تمرد على سلطة الأخ الأكبر، الممنوحة بحكم العمر أو الخبرة أو الحكمة المكتسبة، بل تبدأ أولى فصول ما يمكن أن نطلق عليه محاكمة الأخ الأكبر في سينما شاهين!
محمود المحامي الناجح سليل العائلة التركية (عائلة نيازي)، الذي يعتز كثيراً بصورة جده وميراث عائلتهم التليد، والمرشح لأن يكون نائب الدائرة في قريتهم، يجد في أخاه أشرف، الكاتب الشاب الطموح، حجر عثرة أمام طموحه السياسي، إذ يعيش قصة حب ملتهبة مع آمال، واحدة رفيقات الخمر، وبسببها يقتل أشرف زوجها دفاعاً عنها.
يتصدى أشرف لمحمود، الذي لا يتوقف عن خداعه بالوقيعة المستمرة بينه وبين آمال من ناحية، وبينه وبين الرجل الذي اتهم ظلماً في قتل زوجها من ناحية أخرى، مزيفاً الحقائق وناسجاً شبكة عنكبويتة من الأكاذيب والإدعاءات والأسرار.
محمود في “حب إلى الأبد” هو نقيض إبراهيم في “ابن النيل”، إذا كان حِميدة قد عاد إلى كنف الأخ الأكبر في النهاية نادماً على تمرده، فإنه في “حب إلى الأبد” يحوّل الأخ الأصغر هذا التمرد إلى ثورة على كل ما يمثله محمود، من نفاق وزيف ونوايا سيئة وطمع وشر دفين، تدفع ثمنه آمال انتحاراً في النهاية ككبش فداء، من أجل أن يعلن أشرف ثورته على أخيه الأكبر ويفضحه أمام أهل دائرته، ليتحطم تمثاله المزيف، وتسقط كل أقنعته.
“فجر يوم جديد”
ما بين عامي 1959 وحتى عام 1974، برز اسم يوسف شاهين كصانع أفلام مختلف عن كل أبناء جيله، كان زخمه الكيفي أبرز ما يميزه، وكانت تجاربه تتنوع بشكل أقرب للمغامرات بمختلف ألوان الجرأة الشكلية، ومحاولات أن تترك أفلامه أثراً أعمق عقب مشاهدات متعددة.
لم يكن يصنع أفلاماً يسهل تلقيها من المرة الأولى، في السنوات الأولى من الستينيات تخلص شاهين تقريباً من بقايا تجارب الخمسينيات، التي أكسبته خبرات هائلة في التعامل مع الأنواع المختلفة، وشكلت وجدانيه البصري والموسيقى وميوله الدرامية، وهي السنوات التي سبقت أول فيلم ملون له “الناصر صلاح الدين” عام 1963، بدت أفلام الجريمة العاطفية مثل “نداء العشاق” 1960، والكوميديا الإجتماعية “بين ايديك” 1960،والميلودراما الصرفة “رجل في حياتي” 1961،وكأنها وداعات متتالية للأنواع التي سيطرت على إنتاجه خلال الخمسينيات، حيث شكل دخول الألوان إلى عالمه نقطة تحول أساسية، ليس فقط في رؤيته وقدرته على صياغة صورة تنتمي كلياً إلى خياله المفعم بالتكوينات والحساسية الهائلة تجاه الكتل والظلال، بل على مستوى أفكاره وهمومه وعقده، إن جاز التعبير.
في تجربته “فجر يوم جديد” 1965، تبرز شخصية الأخ الأكبر حسين، الذي يعود ليذكرنا بإبراهيم “ابن النيل”، ولكن في صورته المدنية، المتطورة، المثقفة ذات الهم السياسي والاجتماعي الذي يتجاوز الهم الأسري.
حسين أخو نايلة الأكبر بطلة الفيلم، هو صحفي همام أخذ على عاتقه كشف مساوئ الطبقية والفساد، التي تلوث مجتمع فجر (الثورة) الجديدة، والتي زلزلت عالم البرجوازيين المتعفنين، قدم شاهين نفسه شخصية حنفي خنجر الشهير بحمادة أبو العلا، زوج نايلة وابن غني الحرب الذي دفع ديون الباشا والد نايلة، في مقابل الزواج الذي يضمن له ختم الارستقراطية البراق، في مجتمع لا يعرف سوى الطبقية الفجة قبل وبعد 1952.
يبدو حسين بوصلة نايلة الشعورية والأخلاقية طوال الوقت، يتكرر بينهم الحديث عن البنت الصغيرة التي كانتها نايلة قبل أن تتزوج من حمادة، وكيف كانت مشاعرها تجاه من هم أدنى منها طبقة أو طبقات، وكيف أن ضلوعها في عوالم البرجوازية المريضة تسبب في تآكل روحها، والتي لم يرممها سوى علاقتها بالشاب طارق طالب العلوم الواعد.
الرمزية الدعائية واضحة، فمصر ما قبل (فجر العهد الجديد) المتمثلة في نايلة، يجب أن تترك طارق –الجيل الجديد- يمضي في قطار التحقق العلمي والإنساني، بعيداً عن أدران الطبقية التي لوثت المجتمع لعقود، والأخ الأكبر حسين يمثل صوت الضمير الحي والواعظ والواعز الأخلاقي والحسي لنايلة، كي تحاول أن تتغير أو تترك طارق من أجل مستقبله المشرق.
“الأرض” و”الاختيار”
ومع حلول السبعينيات كان شاهين قد اصبح الصانع المخضرم والمغامر جداً في شكل أفلامه، صقلته تجارب الستينات السينمائية والسياسية والمجتمعية، فأنهى العقد بملحمته الثورية “الأرض” 1969، والتي لا تخلو بالمناسبة من خط جانبي عن علاقة أخوية تجمع ما بين محمد أفندي المثقف المتعلم الساذج، الذي يدبج العرائض لأهل القرية من أجل إيقاف مشروع السكة الزراعية، وبين أخاه الفلاح القحف دياب الذي يسير خلفه على السكة الزراعية الملتهبة حافياً، كأي تابع خاضع، بينما يركب الأفندي الحمارة نظراً لمكانته الأكثر رقياً وفخامة في عيون أخيه وعيون أهل القرية بسبب البدلة والطربوش.
مرحلة السبعينيات، بالنسبة لشاهين، هي أكثر محطات رحلته التي تتجلى فيها عقدة الأخ بشكل صريح وصارخ وكاشف ومؤثر، هي مرحلة المآسي العائلية بامتياز، والتي بدأت مع “الاختيار” عام 1971.
يدور الصراع في “الاختيار” بين أخوين توأمين محمود، البحار والرسام البوهيمي الحر المنطلق، صاحب الأفكار الثورية المتمردة، عملاق التأثير ومحور أكوان كل من حوله، وسيد، الكاتب المثقف المقيم في فيلا عاجية عالية، صعد إليها برجوازياً عبر الزواج من ابنة رجل مهم، وبينما يحمل محمود البحر في داخله فيزيده حكمة واتساعاً، يحمل سيد سلم الصعود الطبقي اللاهث على أكتافه، فيثقل روحه ويحوله إلى حيوان طبقي شرس، جريح الكرامة من أثر يقينه الهوسي بأن زوجته شريفة على علاقة بأخيه الأيقوني.
الفيلم، الذي كتب له السيناريو والحوار يوسف شاهين بنفسه، عن قصة سينمائية لنجيب محفوظ، يمثل نقطة ارتكاز هامة فيما يتعلق بعقدة الأخ في سينماه، هو حصيلة كل علاقات الأخوة في تجاربه السابقة، هنا محمود وسيد توأمان كأنهما كائن واحد برأسين، أحدهما صاحب مكانة اجتماعية كبيرة لكنه منحط نفسياً، عليل الخيال، مريض بالرغبة المحمومة في الصعود، بينما محمود يبدو الأخ الأكبر إنسانياً وشعورياً وفنياً (من صغرنا وأنت اللي كل الناس بتحبه وأنا اللي مناخيره في الكتب) ألا يذكرنا هذا السطر الحواري بفضفضة شاهين عن عقدته في بداية المقال!
وحتى الآن.. لا تتوقف تجليات هذه العلاقة الأخوية الأهم في تاريخ شاهين، تجليات سياسية تخص الحقبة التي أنتج فيها الفيلم، وتخص إزدواجية المثقف واختلال المعاير، العلاقة مع السلطة وأصحاب النفوذ، وتجليات تخص الصراع الإنساني الأشهر بين قابيل وهابيل على امرأة ناصعة الأنوثة لكنها محط صراع أزلي بين عاشق ومشتهي.
“عودة الابن الضال”
لو قفزنا إلى “عودة الابن الضال” 1976، لوجدنا فاطمة فتاة عائلة المدبولي الذابلة، التي تنتظر عودة علي الأخ الأصغر المتمرد، بينما لا يطيق طلبة الأخ الأكبر جموحه وطمعه وشهوته تجاهها، لوجدناها تصرح لخالتها أم علي وطلبة بأنها تعرف أن عليها أن تختار بين قابيل وهابيل، وهو نفس الاختيار الذي وجدت شريفة نفسها أمامه قبل سنوات قليلة، الاختيار بين متمرد ثوري وبين جامح طامع وطامح وأناني.
ما بين “الاختيار” وعودة “الابن الضال” انجز شاهين نسخته الخاصة من تراجيديا هاملت في “العصفور” 1974؛ رؤوف الابن الأصغر الذي يعيش مع أمه الجميلة وعمه لواء الشرطة الصارم إسماعيل، يكتشف أن والده المغني الشعبي المغرد جابر زيدان، ربما يكون قد مات في الليلة التي اكتشف فيها أن رؤوف ليس من صلبه، إنما هو ثمرة خيانة فاسدة بين الأم والعم!
فيقرر أن ينخرط في مهمة شرطية لا تلبث أن تتحول إلى مدخل لعالم أباه الراحل، حيث ينتظره أصدقاء الأب في شلة مكونة من بهية الخياطة وابنتها الجميلة، ويوسف فتح الباب الصحفي الثوري والشيخ أحمد الأزهري، الفوضوي صاحب الخلفية الدينية والحياة الليبرالية.
لكن لا يفوت شاهين أن يضع لنسخته الخاصة من “هاملت”، ونعني بها رؤوف، أخ أكبر، ضابط الجيش رياض، الذي يحتل صوته، عبر خطاباته لرؤوف من الجبهة، مساحة وجدانية هائلة في خيال اخيه ورأسه، رياض الأخ الأكبر الحالم بالانتصار ومقاومة العدوان والرجوع بعد أيام للبنات الحلوة في شوارع القاهرة، والزهرة الوحيدة التي خرج بها رؤوف من بستان الشوك العائلي، المدمم بموت الأب وخيانة الأم وفساد العم الإنساني والسلطوي، المتمثل في تنفيذ لأمر تصفية المجرم المنشق أبو خضر، قبل أن يكشف مستويات الفساد الأعلى في نظام يوليو.
في مرحلة السبعينيات وعلى عكس ميلودراما الخمسينيات والستينيات، تنتهي العلاقة الأخوية في سينما شاهين بالموت الفاجع، التراجيدي، في “الاختيار” يقتل سيد محمود ويصاب بالجنون، وفي “العصفور “يموت رياض على الجبعة صارخا (خيانة) بعد أن هاجمهم العدو وهم غارقون في وحل التخاذل والفساد الداخلي، وفي “عودة الابن الضال” يقتل الأخوين علىدي وطلبة بعضهم في نبؤة الحرب الأهلية، التي سوف تشتعل في المنطقة وتتعدد تجلياتها السوداء عبر عقود قادمة، لينتهي حلم القومية والأخوة والوطن الواحد.
عقدة الأخ الأكبر
يمكن اعتبار “عودة الابن الضال” أكثر تجارب شاهين، الكاشفة لرغبته في محاكمة صورة الأخ الأكبر، كما كرهها ورفضها طوال مشواره.
– بتحبي مين أكتر علي ولا إبراهيم
– أنت الوحيد اللي بحبه يا طلبة.. أنت الكبير
– علشان قاعد لك أكتر
هكذا يدور الحوار بين الأم وبكريها، الذي أخرجته من سلك الحربية، لكنه صار جنرال العائلة الأول بجموحه ورغباته المكبوته، وديكتاتوريته المادية والشعورية، يستولي على شونة العائلة ليديرها بكل ما أوتي من عنف رأسمالي، ويغتصب جسد فاطمة حبيبة أخيه، فيقتل زوجته عائشة أختها بتسمم الدم المجازي بعد أن عرفت، ويحتجز ابنه إبراهيم المتفوق في الثانوية العامة رافضاً أن يسافر لدراسة الفضاء، ليختصر مستقبله في المعهد البيطري القريب من ميت شابوره، ويرفض قصة حبه النقية لتفيدة، محتقراً مشاعرهم الغضة بطبقيته، عبر نظرة دونية لكونها ابنة عامل في الشونة.
هذا هو الأخ الأكبر والجنرال الحاقد طلبة، أو كما يلخصه المدبولي الكبير، الوالد ضعيف الشخصية والأثر: (ما تسمعش كلام أمك..ما تسمعش كلام أبوك..واسمع كلام أخوك)
هذه السلطوية المطلقة تهددها عودة علي، الأخ الأصغر الضال، الذي تمرد على قطيع العائلة وذهب مصدقاً أحلام المرحلة وزعيمها : (سوف القاك أيها المعلم والقائد والأخ الأكبر، سوف تقرأ خطابي هذا وترسل إلى لأجلس معك ساعة من الزمن).
أراد علي أن يستبدل طلبة بعبد الناصر، الأخ الأكبر للنظام كله، وشعار المرحلة وبوصلتها، يكتب له خطاباً من محبسه بعد أن تفرقت به السبل، أو كما ينوح حزيناً في أغنية “الشارع لنا” (جمل الطريق عضني)، لكن حلم الأخ الأكبر يتحطم ليس فقط بموت الزعيم يوم خروج علي ولكن من قبل، من لحظة أن استسلم علي للشعارات الكبرى التي لم يصادقها عمل جاد أو نظام محكم وشفاف ونقي.
يعود علي ليجد طلبة قد استفحل في جسد العائلة كسرطان مميت، لا يقبل تهديد عرشه ولا تفكيك قبضته، يصرخ طلبة: (سي علي يا يدخل في الفورمة يا يرجع مطرح ما جه)
فيجيبه الأب بتهكم حزين: (واضح ان الحب بينك وبين اخوك مقطع بعضه)
والنهاية طبعا معروفة، نهاية السلطوية والديكتاتورية والاغتصاب والتشدد والشراهة، تقتل العائلة بعضها كما أكلت نفسها منذ سنوات، ولا ينجو سوى الحفيد، إبراهيم، مولياً وجهه صوب الشمس، بينما الجد المصاب يلوح له بنصيحته الغالية المصبوغة بدم أبنائه المتصارعين.
“إسكندرية ليه”
ربما إذن من الطبيعي أن يصرح شاهين بعقدة الأخ في فيلمه التالي، وأول افلام سيرته الذاتية “إسكندرية ليه”، بعد أن حاكم الأخ الأكبر في”الابن الضال”، وقتل كل منهما الآخر، لو اعتبرنا أن علي هو أحد أقنعة شاهين في تمرده وجرأته وخروجه عن منطق العائلة، في “إسكندرية ليه” يستعيد شاهين مقولة جدته التي رشقت في روحه الغضة، عندما قالت (مش كان الصغير هو اللي مات)، وذلك في لحظة خروج تابوت أخيه الأكبر مزيناً بورود حزينة على فقدانه المبكر.
في هذا المشهد، تتكشف العقدة علانية، لا كثقب أسود، ولكن كنجم هائل يشع طاقة شعورية وفكرية استغلها شاهين على مدار رحلته الطويلة مع السينما، هذا الاستغلال الذي وصل إلى حد التماهي مع الأخ الغائب في بعض الأحيان، والشعور بالرغبة الدائمة في مصالحته على الشاشة مهما تفاقمت الأمور وتغلغلت العقدة.
“بكر له طريقته بس بيحبك يا علي .. وبيخاف عليك.. انت كمان لازم تحبه يا علي.. معلش”
هكذا تنصح الأم ابنها في “الوداع يا بونابرت” 1985، وهي النصيحة التي لم توجهها أم علي لابنها الأصغر في “عودة الابن الضال”، كلاهما (علي) وكلاهما منشق عن عصا الأسرة كل في زمنه وبطريقته، صحيح أن بكر الأخ الأزهري المنخرط في مقاومة الفرنسيين لا يقل ديكتاتورية عن طلبة، لكنه بلا شك أكثر رحمة ووطنية وحباً للعائلة من الجنرال الوهمي.
ربما لا يجوز أن ينتهي حديثنا عن عقدة الأخ في سينما شاهين، إلا على سؤال مفتوح حول الرد الغامض الذي يرد به يحيى شكري مراد في “إسكندرية ليه” على صديقه محسن حين يعثر عليه مختبئاً وسط المقابر، يحدق في قبر أخاه الأكبر الراحل، بعد فشل حفلته المدرسية.
محسن مشيراً إلى اللوحة الخشبية: (ده أخوك اللي هنا).
يحيى بنبرة غامضة وتهكم قاتم: (كان عبقري)
في المشهد التالي مباشر نراه وهو يعرض أول فيلم بدائي له، مصور بكاميرا هواة عن حياة المدرسة، ثم من بعده تقول له أمه: (مش كفاية أخوك فريدي اللي راح مننا! عايز تسيبنا وتروح انت كمان آخر الدنيا؟).
فيصرخ في وجهها : (ما العبقري راح! ما يروحش ليه الفاشل بالمرة!)
فهل كان شاهين يجلد نفسه بهذا الرد؟ أم يستفز ذاته؟
لا شك أن عقدة الأخ الأكبر أضرت مشاعره، لكنها ساهمت يقيناً في صناعة مخرج لن نتوقف عن اكتشاف جوانب من عبقريته، حتى ولو بعد 100 عام من ميلاده.
* ناقد فني
