السؤال: “ماذا لو ضرب المدينة زلزالاً أو هزة أرضية قوية؟”، الجواب: “بالتأكيد ستسحق عظامنا تحت الردم، نحن لا نعيش في منازل بل في صناديق موت مؤجل إلى حين”. هذا ليس جزءاً من سيناريو فيلم تراجيدي، وإنما هو جزء من حوار يومي بين مواطنين في طرابلس شمال لبنان. فقد جاءت كارثة سقوط مبنى الرضوان السكني والمبنى الملاصق في القبة، طرابلس، لتعيد إلى الواجهة وبقوة “ملف الأبنية المتصدعة”، حيث شهد شهر يناير (كانون الثاني) سقوط أربعة مبانٍ قديمة العهد في المدينة، التي تختزن جزءاً وازناً من التراث العمراني الإنساني الذي يعود بعضه إلى الزمن المملوكي، بالإضافة إلى مئات المباني الباطونية التي تعود إلى حقبة الاستقلال، ناهيك عن أعداد كبيرة من المباني الشاهدة على حقبة الحرب الأهلية منذ عام 1975، والمعارك المتتالية وصولاً إلى القصف العنيف الذي تعرضت له إبان دخول الجيش السوري في عام 1985.
ضريبة الدم
عند الثالثة من فجر السبت 24 يناير 2026، كتبت نهاية قصة أحمد خالد المير تحت أنقاض منزله، والتي تختصر فصولاً من حياة المئات من المتألمين بصمت حتى الموت. في اليوم الأخير، بدأت تزداد علامات الاستفهام والإنذار على البناء المؤلف من 5 طبقات، وتسكن عائلة المير في الطبقة الـ3. أبلغ الأهالي البلدية بتصدع البناء، فتحركت فرق الأشغال والهندسة وقامت بكشف طارئ، حيث اتضح أن خطراً جدياً يحيط بالبناء. صدرت القرارات بالإخلاء، حيث خرجت 8 عائلات من المبنى، وبقيت عائلة المير المؤلفة من 5 أفراد.
يقول شقيق المير: “أخي رجل فقير ومريض، أجرى عملية قلب مفتوح مؤخراً، وفضل البقاء في المنزل لأنه لا يوجد مسكن بديل”، وأضاف: “لقد ظن أحمد المير أن الإنذار عرضي، فقد سبق أن تلقى السكان إنذاراً عقب زلزال فبراير 2023، ولكن بقي البناء واقفاً”.
تأسفت عائلة المير لأن “البناء لم ينتظر شروق الشمس، وجاء الخبر المباغت فجأة قبل ساعات الفجر”، وانهار السقف على رأس أفراد العائلة: الأب أحمد، والأم أمال، والشابتين أليسار وهديل، والطفل عمر.
نجحت عمليات الإنقاذ في إخراج الأم أمال وعمر وهديل على قيد الحياة، وحالتهم الصحية مستقرة، وسحبت جثة أحمد (62 سنة) متوفياً من تحت الأنقاض، فيما تستمر عمليات البحث عن الشابة أليسار التي تعمل ممرضة في المستشفى الحكومي في طرابلس.
الخطر عام
شكل انهيار مبنى الرضوان جرس إنذار لسكان عدد كبير من الأبنية، وقد بدأ سكان أبنية في مناطق شعبية في القبة والتبانة والزاهرية وضهر المغر بإخلاء منازلهم خوفاً من خسارة حياتهم، أو استجابة لإنذارات متزايدة تصدرها بلدية طرابلس في إشارة إلى المخاطر الجسيمة. فيما يفضل آخرون البقاء رغم مختلف المخاوف بسبب عدم وجود مراكز إيواء مهيأة. ويشكو هؤلاء من “أماكن سيئة ولا تحترم الخصوصية، ولا تتوفر فيها الخدمات الأساسية”. وقد عاين معد التقرير عشرات البنايات المهددة بالسقوط في منطقة القبة وضهر المغر والتبانة وشارع الراهبات.

أكثر من 800 مبنى مهددة بخطر الانهيار في مدينة طرابلس اللبنانية (اندبندنت عربية)
في القبة، كانت نقطة الانطلاق من مبنى الإيعالي الملاصق، حيث تعيش عائلة طارق مرعي تحت صدمة شديدة، ويرحب بدخول “اندبندنت عربية” إلى داخل منزله لمراقبة أعمال البحث في ركام المبنى الملاصق.
يفتح نافذة غرفة نومه بصعوبة بسبب الضغط الشديد للانهيار، ويبادر بالقول: “كان هناك فاصلاً لا يقل عن خمسة أمتار، ولكن الآن الركام عند عتبتي”، وينظر إلى أحلام العائلات وفرشها وأثاثها التي تحولت إلى أطلال. ويضيف: “نعيش بلطف من الله، كان أشبه بزلزال أيقظ العائلة. قبل ثوانٍ من سقوط المبنى، كنت في السرير، سمعت أصوات سقوط أجسام من البناء، خلت أن أحد السكان يرمي أكياساً من الأعلى، ولكن سرعان ما اهتز المنزل، وملأ الغبار المكان”. تسلل الخوف إلى داخل السكان، وابنة السيد طارق تعجز عن الكلام، فالمشهد لا يمكن وصفه، ولكن يعيش الإنسان صدمته على الفور، كما تبدو آثاره داخل المنزل الذي غطى الغبار أجزاءً واسعة منه.
الرحيل إلى المجهول
قررت عائلات الرحيل إلى منازل أقارب بسبب سقوط أجزاء من البناء، فيما يعبر آخرون عن ترحيبهم بإخبار تجربتهم. يقودنا السيد أبو سليم إلى منزله المشرف على المبنى الذي سقط، وهو لا يستبعد مصيراً مشابهاً لسكان المباني القريبة. يرشدنا الحاج السبعيني إلى موقع سقوط البناء، وخلال الوقوف على الشرفة، يشير إلى سقف الشرفة الذي سقط الغلاف الإسمنتي منه، وظهر من تحتها قضبان الحديد التي غلفها الصدأ. ويقودنا إلى غرفة النوم التي سقط سقفها على الزوجة أثناء النوم، وملأت جدرانها الشقوق. ويلفت الحاج أبو سليم: “كل زاوية من الزوايا تشهد على قصة وقذيفة خلال الأحداث المتلاحقة”، ويرشدنا إلى موقع الفجوات التي أحدثتها حرب الجيش السوري وحركة التوحيد الإسلامي خلال الحرب الأهلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقاسم المشتركة للبناء، لا تقل المخاطر عن تلك الموجودة في الداخل. تحدثت أم عدنان عن مخاوف شديدة: تحول الدرج إلى أنهار، وأمام المنازل إلى برك عند هطول المطر، مشيرةً إلى الفسوخ والشقوق التي تتسع يوماً بعد يوم في سقف السطح وجدران البناء. ولكن في المقابل، تحدثت عن عدم القدرة على الإخلاء، فقالت: “دفعت الأسرة كافة مدخراتها من أجل شراء المنزل، وهي اليوم تعيش حالة من القلق بسبب الخوف من خسارة كل شيء”، وأضافت: “العائلة باتت تعيش بين المطرقة والسندان، فالخيار صعب بين تعريض حياة الأطفال للخطر، أو التخلي عن كل المقتنيات التي راكمتها عبر السنين الماضية”.

شكل انهيار مبنى الرضوان جرس إنذار لسكان عدد كبير من الأبنية (اندبندنت عربية)
“تشردنا من جديد”
تقودنا الجولة إلى منطقة ضهر المغر، التي شهدت في بداية العام الجديد 2026 (السابع من يناير) سقوط مبنى متهالك. في الطريق تظهر بقايا مبنى النشار الذي سقط منذ 4 سنوات قبالة مدرسة العهد الجديد التي تم إخلاؤها بسبب خطر السقوط.
نرافق هيثم الباي إلى ما تبقى من منزله الذي يقع ملاصقاً للمبنى الذي سقط مؤخراً. يروي الباي: “كنت أسهر في المنزل، وسمعت أصوات طقطقة، وهو ما أثار في نفسي الشكوك. خرجت في الظلام لأطلب من الناس الخروج وتحذيرهم، لكن لم يتجاوب أحد. وفي اليوم التالي، ازدادت الشقوق، خرجت وبدأت إطلاق النار في الهواء لتحذيرهم من خطر السقوط المحقق، وما هي إلا دقائق حتى انهار المبنى”.

لا تتوقف المخاطر على الأبنية المتهالكة وإنما تتجاوزها إلى المباني التراثية (اندبندنت عربية)
داخل ما تبقى من المنزل الأرضي، توجد أكوام من الردم والركام، وجدار غرفة النوم مملوء بالشقوق. ويتحدث عن “تلقي الأهالي بدل إيواء بقيمة ألف دولار أميركي، وهو مبلغ لا يساوي خسارة المنازل”، ولكنه في المقابل “يحمد الله أنه تمكن من إنقاذ أرواح كثيرة، ومن ضمنها عائلته المؤلفة من خمسة أطفال”.ويقول الباي: “نعيش حالياً حالة من التشرد، حيث تنقسم العائلة بين عدة منازل لقضاء الليل ريثما يجدون مسكناً بديلاً”.
الخطر المزمن
لا تتوقف المخاطر على الأبنية المتهالكة، وإنما تتجاوزها إلى المباني التراثية. ففي فجر 18 يناير الحالي، سقطت أجزاء من مبنى آل عدرة التراثي في شارع الراهبات في طرابلس، وهو الحيز الذي كان له مكانة في الذاكرة الطرابلسية كونه عيادة الدكتور عبد المجيد الرافعي، نائب طرابلس السابق، وأحد قادة حزب “البعث” العراقي. أحدث انهيار المبنى أضراراً في المحال التجارية والمكتبات، حيث باشر بعض أصحاب المؤسسات أعمال التدعيم، وإقامة “سقالات حديدية” للوقاية من سقوط الأجزاء المتبقية من المبنى الحجري القديم. وتتسبب حوادث السقوط المتكررة في أخطار كبيرة وخسارة أجزاء من التراث والذاكرة الجماعية للمدينة.
مع تصاعد حالة الخوف والقلق، يبرز التحذير الذي أصدره هاني شعراني، رئيس مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي، عبر “اندبندنت عربية”، والذي يشير إلى أن أجزاءً من أيقونة المعماري البرازيلي أوسكار نيماير مهددة بخطر السقوط بسبب عدم توافر الموارد الكافية للتدعيم والترميم، مشدداً على ضرورة التحرك السريع لإنقاذ “خزان المياه” والمسرح المفتوح وبعض الأجزاء التي تعاني من التصدع. ويعبر عن أمله بالحفاظ على المنشأة التي وضعت في عام 2023 على قائمة اليونسكو للتراث البشري المهدد، وأن تلقى نداءات إدارة المعرض آذاناً صاغية لتبديد المخاوف.

استدعى انهيار المباني في طرابلس تحركاً عاجلاً من وزارة الداخلية وبلدية طرابلس ومحافظة الشمال (اندبندنت عربية)
من جهته، يؤكد المهندس سامر خلف، عضو بلدية طرابلس، أن “المشكلة كبيرة وتحتاج إلى خطة طوارئ شاملة لإنقاذ المدينة، لأن إمكانيات البلدية محدودة، وهي تحتاج إلى معدات حديثة وتجهيز فرق عمل لمواجهة الكوارث المحدقة”.
يكشف خلف عن وجود 105 مبانٍ مهددة فعلياً بالسقوط، إلى جانب ما يزيد على 700 مبنى في دائرة الخطر، ووجهت البلدية إنذارات لأكثر من 1500 مبنى بوجوب الإخلاء. ومعالجة تلك الأبنية تحتاج إلى موازنة دولة، وليس إلى اعتمادات محدودة لدى البلدية. كما أن فرق الأشغال في البلدية لا تملك العدة أو العتاد الكافي لمواجهة الكوارث، و”قد نقف عاجزين أمام حدوث حرب أو هزة أرضية”، وبالتالي لا بد من البدء بالكشف والتدعيم وتأمين بدائل للمواطنين، حيث يقع على عاتق الدولة اللبنانية “إنشاء صندوق بقيمة 250 مليون دولار أميركي لعلاج هذا الملف”.
ملف أول
استدعى انهيار المباني في طرابلس تحركاً عاجلاً من وزارة الداخلية وبلدية طرابلس ومحافظة الشمال. أشرف وزير الداخلية أحمد الحجار على أعمال رفع الأنقاض والإنقاذ. وخلال جولته على البناء المنهار، أكد الحجار أن “الأولوية هي لإنقاذ الأرواح”، مشدداً على أنه “يعد ملفاً متكاملاً لعرضه على مجلس الوزراء من أجل تأمين التمويل لمعالجة ملف الأبنية المتصدعة وإنقاذ الأرواح”.
ورداً على سؤالنا حول “كيف كشفت هذه الحادثة عدم تزويد أجهزة الإنقاذ بالمعدات الكافية وقيام عناصر الدفاع المدني برفع الركام بأيديهم؟”، يجيب الحجار: “تعاني الدولة اللبنانية مشكلة في التجهيز، لأن موازنة الدولة محدودة بفعل الأزمة الاقتصادية المستمرة، ولكن هناك عمل بالطاقة القصوى لتأمين تلك التجهيزات، سواء من خلال موازنة الدولة أو عبر الهبات والجهات المانحة”.
ويؤكد العمل على تأمين هبات لكافة البلديات ومن ضمنها بلدية طرابلس، مشيراً إلى تجاوب جلسات مجلس النواب مع المطالبات بتدعيم وتجهيز الدفاع المدني وزيادة موازنته، ومشيداً بالعنصر البشري المتميز والمتفاني، والذي يضحي إلى أقصى حد وباللحم الحي على كافة الأصعدة.
خطط عاجلة
ساهمت خلية الأزمة في محافظة لبنان الشمالي في وضع تصور مبدئي لمواجهة ملف الأبنية المتصدعة، وشهدت سلسلة لقاءات ضمت القائمين على محافظة الشمال والهيئة العليا للإغاثة وبلدية طرابلس ونقابة المهندسين والصليب الأحمر اللبناني. وتشير الأوساط إلى أن “عقدة التمويل تحول دون الوصول إلى حل مؤقت أو دائم لأزمة المباني”، وبالتالي “لا بد أن تقوم الحكومة بتقديم تمويل أولي، ومن ثم في مرحلة ثانية يمكن إنشاء صندوق لتلقي الهبات والمساعدات من قبل متمولين ومغتربين لمعالجة المباني المتصدعة، وصولاً إلى نشر أسماء المتبرعين بهدف تكريس الشفافية”.
وتنوه الأوساط إلى “صعوبة تطبيق القانون القائل بإنجاز الترميم والتدعيم على عاتق المالك، لأنه في كثير من الأحيان يعيش هؤلاء في حالة من الفقر ويعجزون عن القيام بأعباء تلك الأعمال، أو أن هناك صعوبة في تحديد المالك بسبب انتقاله بالإرث إلى خلفاء متعددين”.
وتشير المعلومات إلى محاولة لتوحيد قاعدة البيانات بين جهات عدة، في مقدمها وزارة الثقافة التي قامت بمسح للمباني التراثية المتصدعة، وبلدية طرابلس ونقابة المهندسين ومحافظة الشمال، والقيام بمسوح ميدانية للكشف عن الوضع الاجتماعي والقانوني للقاطنين. وشهدت المرحلة الماضية تحديد ما يزيد على مئة بناء متصدع في دائرة الخطر الشديد، وبدأت عملية ترتيب المباني وتحديد الأولوية، ووضع خطة لتأمين مراكز إيواء موقتة للسكان. وتقدر الأوساط أن “إنجاز عملية توحيد قاعدة البيانات سيتم خلال الأسبوع الأخير من يناير الجاري”.
في الموازاة، يكشف النائب أشرف ريفي عن خطة لتأمين مساكن بديلة للمواطنين، متحدثاً عن “ملف مزمن يعود تاريخه إلى العهد السوري الذي حاصر المدينة. ولكن هناك شعور بتعاطٍ جديد برعاية رئيسي الجمهورية والحكومة الحاليين، جوزاف عون ونواف سلام، ومحاولة احتضان للمدينة، وسرعة استجابة لمعالجة 105 مبانٍ عرضة للانهيار”.
يلفت ريفي إلى “الحاجة لتأمين مساكن بديلة بصورة عاجلة، وكان هناك اقتراح لتأمين مساكن جاهزة للسكن، إلا أنه لقي معارضة البعض، لأنه من المفضل إبقاء المواطنين في مناطقهم الأم”، متحدثاً عن طرح استئجار بيوت مؤقتة ريثما يتم تأمين الموارد لإقامة مشروع سكني وتأمين مساكن آمنة للعائلات.
ورداً على اتهام نواب طرابلس بالتقصير، يجيب ريفي: “نحن لا نتهرب من مسؤولياتنا المعنوية، ولعبنا الدور في إيصال الصوت. ولكن الملف والإهمال يعود إلى عشرات السنين، وتحولت المباني إلى بيئة غير قابلة للحياة”. وأضاف: “هناك حل نظري، ولكن هناك حاجة للتمويل، وهناك تعهد من رئيسي الجمهورية والحكومة بتأمين التمويل الضروري لإنقاذ حياة البشر”. ويضيف “نحاول تجزئة المشكلة، والبدء من الأبنية الأكثر خطراً، ومحاولة تأمين بديل مؤقت طارئ، ومن ثم إقامة مجمع سكني متكامل”.
