بمزيج من عبق التاريخ وسحر الريشة، تأخذنا الفنانة التشكيلية جولييت مخلوف في رحلة بصرية تتجاوز حدود الزمن، حيث تلتقي الأصالة بالحداثة في معرضها الذي يحمل عنوان «الأجداد»، المقام في «أوبلونغ غرافيتي غاليري» بمنطقة القوز في دبي، وتفتح مخلوف أبواب الذاكرة لتستحضر إرثاً لا ينضب من الجمال والدفء، مقدمةً تحية وفاء للأجيال التي شكّلت وجداننا الحاضر.

وبين ألوان «الأكريليك» النابضة وقطع الأثاث التي تحولت بلمستها إلى تحف حية، تعيد جولييت تعريف الفن كجسر يربط بين الرموز التاريخية والواقع المعاصر، مؤكدةً أن روح الإبداع البشري تظل عصية على التقليد التقني أو المحاكاة الآلية.

تحية وفاء

وتكشف الفنانة التشكيلية جولييت مخلوف، لـ«البيان»، عن الرؤية الفلسفية الكامنة وراء المعرض، الذي يمثل حالة من الامتنان الجماعي والفردي للأجيال السابقة التي شكلت وجداننا الحاضر، قائلةً: «سواء بصفتي الشخصية كفنانة، أو كجزء من كيان جماعي، أردنا من خلال هذا المعرض تقديم تحية إجلال لكل أولئك الذين سبقونا على هذا الدرب. هؤلاء الذين لم يرحلوا إلا وقد تركوا وراءهم معالم ومآثر بالغة الأهمية، لا تزال تنبض بالحياة في ذاكرتنا».

وتوضح جولييت أن الأعمال المعروضة تسعى لاستحضار العوالم التي خلَّفها الأجداد، مشيرةً إلى أنها عوالم غنية بالقيم كالجمال والدفء اللذين يغلفان تفاصيل الحياة القديمة، والمحبة الصادقة التي كانت المحرك الأساسي للعلاقات الإنسانية، والمعرفة العميقة التي تشكّل إرثاً فكرياً لا ينضب، مؤكدةً أن المعرض، في جوهره العام، هو محاولة لربط الحاضر بالماضي عبر جسر من الفن، والاحتفاء بذاكرة الأشخاص الذين أثّروا في مسارنا الإنساني بجمالهم وعطائهم المستمر.

خدمة الطبيعة

وعن أدواتها الفنية وفلسفتها في اختيار المواد، تذكر جولييت مخلوف أنها تفضّل العمل بمادة «الأكريليك» كخيار أساسي في لوحاتها، مشيرةً إلى أن هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة اعتبارات جعلتها تبتعد عن الألوان الزيتية التي قد تؤثر سلباً في صحتها.

ولم يتوقف إبداع مخلوف عند حدود «الكانفاس» التقليدي، بل توضح أنها تعتمد تقنية «المزيج»، فتدمج «الأكريليك» مع مواد أخرى، ما يمنح أعمالها قواماً فريداً ونتائج فنية متميزة على السطح، مستعرضةً قطعاً من الكراسي قامت بتحويلها إلى تحف فنية ضمن تجربتها الإبداعية التي نقلت عبرها الفن من الإطار الجداري إلى القطع المجسمة.

وتقول: «نقلت الرؤية الفنية ذاتها من اللوحة إلى الخشب، فلم يقتصر الرسم على الهيكل الخشبي للكرسي فحسب، بل امتد ليشمل المقعد أيضاً، لخلق وحدة بصرية متكاملة»، موضحةً أن الفن ليس مجرد صبغة على قماش، بل هو روح يمكن أن تسكن الأشياء المحيطة بنا، فتتحول قطع الأثاث الجامدة إلى عناصر تنبض بالحياة والألوان.

هوية ثقافية

وتلفت الفنانة التشكيلية جولييت مخلوف إلى مفهوم «المكان» في تجربتها الإبداعية الذي يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة لمسقط الرأس، ليمتد إلى فضاء ثقافي أرحب يشمل المنطقة العربية بأسرها، مبينةً أن المكان ليس مجرد بقعة وُلدنا فيها، بل هو «الميدان العام» الذي تتدفق فيه الثقافات وتتفاعل.

وتوضح أن انتماءها الفني يرتكز على المنطقة العربية ككتلة واحدة، مضيفةً: «الثقافة في منطقتنا متفاعلة ومؤثرة بعضها في بعض بصورة عميقة، وهو ما يجعل من الصعب فصل خيوط هذا النسيج المترابط».

وفي قراءتها للتأثير الحضاري للمنطقة، تشدد مخلوف على أن الغرب يدرك تماماً القيمة التاريخية والإبداعية التي قدمتها حواضر بلاد الرافدين، وشمال إفريقيا، والجزيرة العربية، منوهةً بأن هذه المناطق قدمت أثراً ثقافياً مفصلياً للبشرية، وأن العالم لا يزال حتى يومنا هذا منشغلاً بالبحث في رموز هذا الإرث ومعانيه العميقة لاستلهام حلول فنية وفكرية معاصرة.

وتؤكد أن الفنان العربي المعاصر لا يستمد إلهامه من فراغ، بل من خزان حضاري هائل يتسم بالاستمرارية والحيوية، مشيرةً إلى أن هذا ما يجعل من أعمالها الفنية جسراً يربط بين الرموز التاريخية والواقع المعاصر.

نسيج متكامل

وترى الفنانة التشكيلية جولييت مخلوف أن مفهوم «الثقافة» لا يمكن حصره في زاوية ضيقة، بل هو نسيج متكامل يجمع بين الهندسة، والنحت، والعلوم، وصولاً إلى الميثولوجيا التاريخية، والثقافة ككتلة واحدة، لافتةً إلى أن استحضار التاريخ في أعمالها، مثل تجسيدها لشخصية «زنوبيا»، لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج دراسة للعناصر الثقافية المتعددة، بما في ذلك «الرُّقم الطينية» التي مثلت قديماً أختاماً ونظاماً نقدياً متطوراً.

وتوضح جولييت أن الفنان يستمد إلهامه من كل الروافد ليصوغ رؤيته الخاصة، وأنه يمتلك قدرة فطرية ومكتسبة على استيعاب المفاهيم الهندسية المعقدة وتطويعها فنياً، قائلةً: «بصفتنا فنانين، ندرك تماماً معنى العمارة والمنظور، ونستوعب بدقة ثنائية الأفقي والعمودي، والزوايا، وأبعاد القريب والبعيد».

وتشير إلى أن هذه الأدوات التقنية، برغم دقتها، ليست عصية على الاستيعاب بالنسبة إلى الفنان الذي يسعى لدمجها بمرونة داخل لوحاته، ليخلق توازناً بين الدقة العلمية والجموح الفني.

اختيار الموضوع

وحول فلسفتها الفنية ومنهجها في الرسم، تكشف الفنانة التشكيلية جولييت مخلوف أن نقطة الانطلاق لأي تجربة إبداعية تخوضها تبدأ باختيار «الموضوع» أو (الثيم) الذي يشكّل الهوية الجامعة لمعرضها، مؤكدةً أن القيمة الفنية تكمن في الجوهر لا في القوالب الجامدة.

وعن الجدل المستمر حول التصنيفات الفنية، توضح مخلوف أنها لا تحصر ريشتها في نمط محدد، قائلةً: «غالباً ما أُسأل عن أسلوبي: هل هو تجريدي، تكعيبي، أم انطباعي؟ لكن الحقيقة أنني لا أعير هذه المسميات اهتماماً كبيراً، فما يشغلني حقاً هو «الثيم»؛ إذ أطوّع العمل الفني بالكامل ليخدم الفكرة المركزية التي أريد إيصالها».

ورداً على سؤال عن اللحظة التي تقرر فيها أن العمل قد اكتمل، تبيّن أن الرضا الذاتي مرتبط بمدى قدرة اللوحة على نقل الإيحاء المطلوب، ومدى فائدتها المعنوية للمتلقي، مشيرةً إلى أن العمل الناجح، من وجهة نظرها، هو الذي يجسّد الرؤية التي طمح إليها الفنان منذ البداية.

وتشدد على أن الفن ليس تجربة ذاتية مغلقة، بل هو جسر للتواصل مع الآخرين، وأن الموضوعات التي تطرحها ليست ملكاً لها وحدها، بل هي للعالم والناس والمشاهدين، مضيفةً: «العمل الفني يحمل دائماً رسالة، ولا نعتبر أن المهمة انتهت إلا حين نشعر بأن هذا العمل سيلامس وجدان المشاهد وينال إعجابه».

الموسيقى والتشكيل

وتلفت الفنانة التشكيلية جولييت مخلوف إلى الدور الجوهري الذي تلعبه الموسيقى كعنصر لا ينفصل عن الهوية الثقافية والعمل الفني، موضحةً أن الموسيقى ليست مجرد فن عابر، بل هي جزء أصيل من التراث الثقافي الذي يمتد لآلاف السنين في منطقتنا العربية، ومستشهدةً في حديثها بمدينة «أوغاريت» التي شهدت اكتشاف أول معزوفة موسيقية مدونة في التاريخ، ما يؤكد عمق التجربة الإبداعية العربية وقدمها.

وعن العلاقة بين الرسم والموسيقى وبقية الفنون، توضح الفنانة جولييت مخلوف أن التواصل بين مختلف أنواع الفنون ضروري وحتمي؛ لأن العمل الفني لا يعيش في عزلة، لكنه رفيق دائم ومكمل لكل الإبداعات الإنسانية الأخرى، مؤكدةً أن الفن التشكيلي يستمد طاقته من هذا المزيج الثقافي والموسيقي الغني، ليخرج في النهاية صورة متكاملة للإبداع البشري.

الذكاء الاصطناعي

وتتطرق الفنانة التشكيلية جولييت مخلوف إلى قضية تغلغل التكنولوجيا في المشهد الفني، معترفةً أن صعود الذكاء الاصطناعي يمثل تحدياً كبيراً بلا شك، إلا أنه بحسب رؤيتها، لا يشكّل تهديداً حقيقياً لجوهر الفن الأصيل.

وتوضح أن إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للجميع، سواء كانوا فنانين أو غير ذلك، تجعل الرهان الحقيقي يكمن في قيمة العمل بحد ذاته، مشيرةً إلى أن التحدي لا يتعلق بالمهارة التقنية في استخدام هذه الأدوات، بل في قدرة الفن على البقاء والاستمرار كعنصر بشري خالص.

وتصف الذكاء الاصطناعي بأنه أداة تقلّد الإنسان ولا تخترع؛ فالمحرك الرقمي يعيد تدوير وتكرار ما أنتجه العقل البشري مسبقاً، بينما يظل الإبداع والابتكار الحقيقيان سمة ينفرد بها الفنان الذي يضع جزءاً من روحه وإحساسه في كل لوحة، معربةً عن إيمانها بأن المستقبل سيظل للعمل الذي يحمل بصمة إنسانية عميقة، وأن الآلة مهما بلغت دقتها، لن تتفوق على المشاعر التي يبثها الفنان في عمله.

رسالة سعادة

وتؤكد الفنانة التشكيلية جولييت مخلوف أن الغاية الأسمى من فنها تتجاوز حدود اللوحة لتصل إلى وجدان المتلقي، قائلةً: «إن جلّ ما أتمناه هو أن يجد الزوار في هذا المعرض مساحة للسعادة والبهجة، وأن يخرجوا بانطباع إيجابي يلامس أرواحهم ويمنحهم شعوراً بالراحة النفسية».

وتشير إلى أن العلاقة بين العمل الفني واقتنائه يجب أن تبنى على الارتباط العاطفي، مضيفةً: «يهمني جداً أن يشعر كل من يقتني قطعة فنية بالرضا والسكينة، وأن يكون سعيداً بحق لامتلاكه عملاً يحبه ويحاكي ذوقه الخاص؛ فالفن في نهاية المطاف تجربة إنسانية مشتركة تهدف إلى نشر الجمال».