حين شاهدتُ لسامر حنَّا قبل أَشهُرٍ مسرحيته السابقة “عَ الهوى سوا” (أَيلول/سبتمبر 2025 – مسرح “مونُّو”)، وكانت كوميديا غنائية ناجحة، توسَّمتُ في نهجه المسرحيّ جديدًا مُغايرًا: في الخط الدرامي، وفي الأُسلوب، وخصوصًا في الإِيقاع الذي يَضبط اللحظة المسرحية عند الحد الفاصل بين الرتابة والرشاقة. وهو ما اعتمدَه سامر بدقَّةٍ في كوميدياه الموسيقية الجديدة “البيت بيتَك” (مسرح “مونُّو”).

من المجافاة إِلى الموافاة
أَرادها سامر حنَّا (مؤَلِّفًا) سحابةً رومنسية لطيفة في بُعدها الأَول، لكنها خَرجت من حواراته عميقةَ الدلالة، ولو مُغلَّفةً ببسمة تتَّسعُ حتى الضحك الخفيف. وشاءَها سامر (مخرجًا) سائغةً سلِسَةً في بانوراما بصرية بسيطة الديكور والسينوغرافيا، لكنها خرجَت من رؤْيته الإِخراجية مَضبوطةَ الإِيقاع، كأَنها عمل تلفزيونيٌّ خرَج من المونتاج دقيقَ الحركة ضابطًا الممثلين والممثلات على إِيقاع مشدودٍ في كل لحظة من المسرحية.

 

طوني أَبو جودة بين مايا يمين وسامر حنا

طوني أَبو جودة بين مايا يمين وسامر حنا

 

هذا الإِيقاع السريع مرَّت فيه لوحاتٌ، سريعةٌ غير متسرِّعة: مشاهدُ حُب تبدأُ مجافاة وتنتهي موافاة، ومعالجةُ العودة إِلى المطرح الأَول الذي يتشبَّث به من وُلِد فيه وفيه عاش، فالبيت ليس مكانًا بل ذاكرةٌ صمتُها صدى نوستالجيّ. كلُّ ذلك في مناخٍ من حنين يتجاذبُه التردُّد، ويغلُب في خاتمته القرار.

أَرادها سامر حنَّا فكاهياتٍ ذاتَ مغزى، ومع ذلك لم يُفْرغْها من جِدِّيَّتها، فجاءت بسمة الجمهور مؤشرًا لإِيقاع الصالة قبالةَ خشبة المسرح. 

وأَرادها لمسة حنان وحنين، لكنه شحنها ببعض التمزُّق بين عاشقَين سابقَين قبل أَن تعود نوستالجيا الطفولة (مشهد قصير بين ولديَن في أَول المسرحية) لتلتقي بذينك الولَدين في ختام المسرحية، فيُقفل سامر حنا الدائرة على وعد الطفولة تحقَّق بعد فراق. والربط بين أَول المسرحية والقفْلة في نهايتها، من علامات البراعة النصية في العمل المسرحي.

 

داليا ومروان: طفلا الأَمس عاشقا اليوم

داليا ومروان: طفلا الأَمس عاشقا اليوم

 

ذاك التسجيل من أَيام الطفولة
أَشْرح: كان ولدان يتحاوران حين سجلَت الفتاة حديثهما. دار الزمن: عادت داليا إِلى الضيعة لمحطةٍ سريعة قبل إِكمال سفرها إِلى الخليج، ترافقُها صديقتها ميشا، ففوجئَت بأَن شقيقتَها جمانة قرَّرَت بيع البيت الوالدي ومغادرتَه مع ابنها جاد. ومَن الشاري؟ مروان صديق داليا منذ الطفولة. ترفُض داليا بيعَهُ البيت لانفصالهما الطويل وزواجه. وحين تكتشف بأَنه طلَّق زوجته، تستعيده لها وفْقَ ما تحفظ آلة التسجيل من حوارهما في الطفولة ووعدها إِياه أَن تتزوَّجه. تبتسم له، تخاصره، وترضى به شاريًا طالَما صار البيت بيتَه أَيضًا إِذ سيكون من أَهل البيت.   

الخيط الروائي واضح: الهجرة التي تَشفيها النوستالجيا. وينعقد الحب بين القلبين في لحظةٍ تَطرد الرحيل وتستقبل العودة، في مزاج هانئ هادئ، تخالطه كوريغرافيا دقيقة الخطوات (سيسيل كلَّاب) وأَغانٍ موقَّعةٍ بفرح (نصوص جوانَّا طوبيا وتلحين منير الحلبي).

 

الكوريغرافيا شخصية لافتة في ذاتها

الكوريغرافيا شخصية لافتة في ذاتها

 

كوكبة مواهب
على الخشبة، تتألَّق الموهوبة جدًّا آلين لحود بعد غياب 8 سنوات عن المسرح الغنائي، وعن أَدائها الناصع في رائعة روميو لحود “بنت الجبل”، لتتركَّز اليوم في فضاء مسرحنا نجمة ساطعة في أَداء تمثيلي مشدود في أَدق تفاصيله. وقبالتها طوني أَبو جودة الذي جاء من إِقليم الكوميديا إِلى المسرح الجاد، ولو مغلَّفًا بجدِّيَّة أَداها في نجاح لافت. وتُثْبت مايا يمين بثقةٍ، عملًا بعد عمل، أَنها وجهٌ سيكون غالبًا مطلوبًا لأَدوار غير مبسَّطة. وتلتمع موهبة ماريا بشارة لافتةً كعادتها، خفيفة رشيقة طبيعية، في مذاق واضح الانفتاح على نجاح مقْبلٍ مضمون.

 

داليا وميشا: محطة البقاء ولا عودة

داليا وميشا: محطة البقاء ولا عودة

 

يبقى سامر حنا، تأْليفًا جيِّد السبك، إِخراجًا جيِّد التحرُّك والتحريك، وتمثيلًا يعانقُ النص والإخراج معًا. وهو مسرحيٌّ ترك منذ مطالعه بصمةً متفرِّدة، تجعلنا ننتظر أَعماله التالية بأَمل جديد لنسْجِهِ أَعمالَه في حرَفية عالية تسجِّل له مكانةً وُثقى في جيل رفاقه المسرحيين الشباب الذين نتهيَّأُ أَن نُسدي إِليهم شعلة جيل الكبار من مسرحيينا المكرَّسين.