خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026 بعنوان : بطولات لا تنسي والخطبة الثانية ليلة النصف من شعبان ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 11 شعبان 1447هـ ، الموافق 30 يناير 2026م.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م بعنوان : بطولات لا تنسي والخطبة الثانية ليلة النصف من شعبان ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.
العنصر الأوّل: التضحياتُ أساسُ بناءِ الأوطانِ واستقرارِها
العنصر الثاني: الدفاعُ عن الأوطانِ دفاعٌ عن الدِّينِ والعِرضِ
العنصرُ الثالثُ: ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ بينَ التهيئةِ والبذلِ وتحويلِ القِبلةِ
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م : بطولات لا تنسي والخطبة الثانية ليلة النصف من شعبان ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:
الجهودُ والتضحياتُ من أجلِ الوطنِ
والخطبة الثانية ليلة النصف من شعبان
11 شعبان 1447هـ – 30 يناير 2026م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي جعلَ الأوطانَ أوعيةَ الدِّين، ومهابطَ القيم، ومواطنَ الاستخلاف، وأقامَ بها ميزانَ العمران، وربطَ صلاحَها بصلاحِ أهلِها، وفسادَها بفسادِهم، نحمدُهُ سبحانهُ حمدَ من علمَ أنَّ حفظَ الأوطانِ من أعظمِ مقاصدِ الشرائع، وأنَّ التضحياتِ في سبيلِها ليست شعارًا عاطفيًّا، بل عبادةٌ ومسؤوليةٌ وأمانة.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له. وأشهدُ أن سيِّدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُه، الذي أقامَ دولةً على التضحية، وبنى أمةً على الفداء، وربّى رجالًا قدّموا النفسَ والمالَ والوقتَ والجهدَ من أجل أن يبقى الوطنُ آمنًا، والدينُ محفوظًا، والإنسانُ مكرّمًا. أمّا بعدُ؛
عناصر الخطبة:
العنصر الأوّل: التضحياتُ أساسُ بناءِ الأوطانِ واستقرارِها
العنصر الثاني: الدفاعُ عن الأوطانِ دفاعٌ عن الدِّينِ والعِرضِ
العنصرُ الثالثُ: ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ بينَ التهيئةِ والبذلِ وتحويلِ القِبلةِ
فحديثُنا اليوم ليس عن التضحياتِ بوصفِها لحظاتٍ استثنائية، ولا عن البطولةِ حين تشتعلُ الحروب، ولكن عن التضحية باعتبارها أصلًا من أصول بناء الأوطان، وسُنّةً من سنن العمران، وواجبًا دائمًا لا ينقطع.
العنصر الأوّل: التضحياتُ أساسُ بناءِ الأوطانِ واستقرارِها
الوطنُ أمانةٌ شرعيّةٌ والتضحيةُ لأجلِه مقصدٌ دينيّ: الأوطانُ في التصوّر الإسلامي ليست مجرّد بقاعٍ جغرافيّة، ولا حدودٍ مرسومة، ولكنّها إطارُ إقامةِ الدِّين، ومحلُّ تنفيذِ الشرع، وموطنُ الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض. ومن هنا جاءت عنايةُ القرآنِ الكريمِ بقضية الاستقرار في الأرض، وربطُها بالتكليف والمسؤولية، لا بالترف أو التملّك.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
قال الإمام الطبري: “هو ابتدأ خلقكم من الأرض وجعلكم عُمّارًا فيها، فكان المعنى فيه: أسكنكم فيها أيام حياتكم“. [جامع البيان: 12/321، وراجع أيضا تفسير القرطبي 9/56].
فإذا كانت عمارةُ الوطن تكليفًا، فإنّ التضحية لأجل هذه العمارة جزءٌ من التكليف، إذ لا عمران بلا بذل، ولا استقرار بلا تضحيات، وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. [البقرة: 251].
قال ابن كثير: أي “لَوْلَاهُ يَدْفَعُ عَنْ قَوْمٍ بِآخَرِينَ، كَمَا دَفَعَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمُقَاتَلَةِ طَالُوتَ وَشَجَاعَةِ دَاوُودَ لَهَلَكُوا، كَمَا قَالَ: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} الآيَةِ [الحج: 40]. [تفسير ابن كثير 1/669]. أي لولا أن يدفع الله بأهل الطاعة أهلَ المعصية لفسدت الأرض وهلكت.
وهذا الدفع لا يكون دائمًا بالسلاح، بل يكون: بالصبر، وبالعدل وبالأمانة، وبالتضحية اليومية الصامتة.
التضحياتُ ليست قتالًا فقط… بل بذلٌ دائمٌ في مواقعِ الحياةِ: إذا كان الدفاعُ عن الوطنِ عند الاعتداءِ شرفًا ظاهرًا، فإنّ الحفاظَ عليهِ في أوقاتِ السِّلمِ تضحيةٌ مستمرّةٌ لا تقلُّ قدرًا ولا أجرًا، بل قد تكونُ أشقَّ وأدقَّ وأعظمَ أثرًا. فالأوطانُ لا تُستنزَفُ فقط بالحروبِ، بل تُهدمُ بالإهمالِ، وتضعفُ بالفسادِ، وتنهارُ حين تُفرَّغُ القيمُ من مضمونِها، ويغيبُ الإحساسُ بالمسؤوليةِ، وتتحوّلُ المصالحُ الخاصةُ إلى معيارٍ وحيدٍ للسلوكِ.
ولهذا وسَّع الإسلامُ مفهومَ التضحيةِ، فلم يحصرهُ في ساحاتِ القتالِ وحدها، بل جعلهُ ممتدًّا إلى كل موقعٍ يتحمّلُ فيهِ الإنسانُ مسؤوليةً، ويقدّمُ فيهِ الواجبَ العامَّ على المصلحةِ الشخصيةِ. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. قال القرطبي: “هٰذِهِ الآيَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الأَحْكَامِ… تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ الدِّينِ وَالشَّرْعِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: الأَمَانَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْجَنَابَةِ وَالصَّوْمِ وَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْوَدَائِعِ” [الجامع لأحكام القرآن 5/256 باختصارٍ].
فأداءُ العملِ بإتقانٍ، والقيامُ بالواجبِ دون تقصيرٍ، وحفظُ المالِ العامِّ، ومقاومةُ الفسادِ، والصبرُ على أعباءِ المسؤوليةِ، كلُّ ذلك من صورِ التضحيةِ الحقيقيةِ من أجلِ الوطنِ. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» رواه البخاري (893) ومسلم (1829). قال النووي: “قَالَ الْعُلَمَاءُ الرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا قَامَ عَلَيْهِ وَمَا هُوَ تَحْتَ نَظَرِهِ فَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ تَحْتَ نَظَرِهِ شَيْءٌ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ” [شرح مسلم 12/213].
ومن هنا فإنّ العاملَ الذي يرفضُ الغشَّ، والموظفَ الذي يقاومُ الرشوةَ، والطبيبَ الذي لا يُهملُ، والمعلمَ الذي يؤدي رسالتَهُ بصدقٍ، والجنديَّ الذي يحفظُ الأمانةَ في موقعِه، كلُّ هؤلاءِ يمارسونَ تضحيةً يوميةً صامتةً، لا تُرى في نشراتِ الأخبارِ، لكنها تُمسكُ بعصبِ الوطنِ وتحفظُ تماسكَهُ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]. قال القرطبي: “نَهَى سُبْحَانَهُ عَنْ كُلِّ فَسَادٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَعْدَ صَلَاحٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا تَقْطَعُوا الشَّجَرَ الْمُثْمِرَ ضِرَارًا” [تفسير القرطبي 7/226].
والتاريخُ يشهدُ أن كثيرًا من الأوطانِ سقطتْ لا بسببِ ضعفِ الجيوشِ، ولكن بسببِ انهيارِ القيمِ، وتفشّي الخيانةِ، وغيابِ الإحساسِ بالتضحيةِ، حتى قال ابن خلدون: “وَاعْلَمْ أَنَّ هٰذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ لِلشَّارِعِ فِي تَحْرِيمِ الظُّلْمِ، وَهُوَ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ فَسَادِ الْعُمْرَانِ وَخَرَابِهِ، وَذٰلِكَ مُؤْذِنٌ بِانْقِطَاعِ النَّوْعِ الْبَشَرِيِّ، وَهِيَ الْحِكْمَةُ الْعَامَّةُ الْمُرَاعَاةُ لِلشَّرْعِ فِي جَمِيعِ مَقَاصِدِهِ الضَّرُورِيَّةِ الْخَمْسِ مِنْ حِفْظِ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسْلِ وَالْمَالِ” [تاريخ ابن خلدون ج1 ص 356]. فالتضحيةُ ليست حدثًا طارئًا، بل سلوكٌ يوميٌّ يحفظُ بقاءَ الأوطانِ، ويصونُ مستقبلَها، ويمنعُ تآكلَها من الداخلِ.
فالتضحيةُ من أجلِ الوطنِ لا تبدأُ عند الخطرِ فقط، بل تبدأُ من الالتزامِ، والانضباطِ، وتحملِ المسؤوليةِ، وبذلِ الجهدِ، والصبرِ على المشقةِ، لأنّ الوطنَ لا يقومُ بالخطاباتِ، وإنما يقومُ برجالٍ يعرفونَ معنى الأمانةِ، ويدركونَ أن كل تقصيرٍ صغيرٍ هو ثغرةٌ، وكل أمانةٍ محفوظةٍ هي لبنةٌ في بناءِ الاستقرارِ.
غيابُ التضحيةِ سببُ تآكلِ الأوطانِ وسقوطِها من الداخلِ: إذا كانت التضحياتُ هي الأساسَ الذي تُبنى به الأوطانُ، فإنّ غيابَها هو أوّلُ معاولِ الهدمِ التي تُضربُ بها المجتمعاتُ من الداخلِ، قبل أن يطالَها خطرٌ من الخارجِ. فالأوطانُ لا تنهارُ فجأةً، ولا تسقطُ دفعةً واحدةً، وإنما تبدأُ رحلةُ سقوطِها حين يضعفُ الإحساسُ بالمسؤوليةِ، ويتراجعُ الاستعدادُ للبذلِ، ويحلُّ الحرصُ على المصلحةِ الخاصةِ محلَّ التضحيةِ من أجلِ الصالحِ العامِّ.
وقد نبَّه القرآنُ الكريمُ إلى هذه السُّنَّةِ الاجتماعيةِ الخطيرةِ حين ربطَ الفسادَ في الأرضِ بسلوكِ الناسِ وأعمالِهم، فقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41]. قال الطبري: “ظَهَرَتِ المَعاصِي في بَرِّ الأَرْضِ وبَحرِها بكَسْبِ أيدِي النّاسِ وما نَهاهُمُ اللهُ عنهُ” . [جامع البيان 21/36]. فالفسادُ ليس طارئًا على المجتمعاتِ، بل نتيجةٌ مباشرةٌ لغيابِ التضحيةِ، وتقدُّمِ الأنانيةِ، وانسحابِ القيمِ من ميدانِ الفعلِ.
وحين تتراجعُ روحُ التضحيةِ، يتحوّلُ العملُ إلى عبءٍ، والأمانةُ إلى ثِقلٍ، والمسؤوليةُ إلى مصلحةٍ مؤقتةٍ، فتضيعُ الحقوقُ، وتُهدرُ الطاقاتُ، وتتفككُ الثقةُ بين أبناءِ الوطنِ الواحدِ. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما: «أمرَ اللهَ – عزَّ وجلَّ – المؤمنينَ أن لا يُقِرّوا المنكرَ بينَ أظهرِهم فيعمَّهمُ اللهُ بعذابٍ يُصيبُ الظالمَ وغيرَ الظالمِ”. [تفسير البغوي 2/283]. فالسكوتُ عن التقصيرِ، والتعايشُ مع الفسادِ، والتفريطُ في واجباتِ التضحيةِ، كلُّ. ذلك يُحوّلُ الخللَ الفرديَّ إلى خطرٍ عامٍّ يهدّدُ كيانَ الوطنِ بأكملهِ.
ويشهدُ التاريخُ أن كثيرًا من الحضاراتِ لم تسقطْ يومَ ضعفتْ جيوشُها، ولكن سقطتْ يومَ ضعفتْ أخلاقُها، وغابتْ عنها روحُ البذلِ، وسادَ فيها الترفُ والأنانيةُ، حتى قال ابن خلدون: “إذا غلبَ الترفُ على قومٍ، أقبلوا على الشهواتِ، وتركوا الفضائلَ، فكان ذلك مؤذنًا بانحلالِ دولتِهم” [المقدمة ص 308 بتصرف]. فالتضحيةُ ليست خيارًا أخلاقيًّا زائدًا، بل ضرورةٌ وجوديةٌ لبقاءِ الأوطانِ واستمرارِ العمرانِ.
ولهذا فإنّ حفظَ الوطنِ لا يكونُ فقط بردِّ العدوانِ، بل يكونُ قبل ذلك بإحياءِ معنى التضحيةِ في النفوسِ، وربطِ العملِ بالمسؤوليةِ، وربطِ المنصبِ بالأمانةِ، وربطِ الحقوقِ بالواجباتِ، لأنّ الوطنَ حين يفقدُ أبناءَهُ المستعدّين للتضحيةِ، يبدأُ في فقدانِ نفسهِ، ولو بقيَتْ حدودُهُ قائمةً وصورُهُ مرفوعةً.
العنصر الثاني: الدفاعُ عن الأوطانِ دفاعٌ عن الدِّينِ والعِرضِ
حين نتأمل شرفَ الدفاعِ عن الأوطانِ في تراثِنا، نجد أن النصوصَ الشرعيةَ لم تفصل يومًا بين حمايةِ الأرضِ وحمايةِ الدِّينِ، بل قررت أن ضياعَ الأوطانِ مقدمةٌ لضياعِ العقائدِ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40].
وقال الإمامُ القرطبيُّ في تفسيرِها (12/70): «أي لولا ما شرعهُ اللهُ تعالى للأنبياءِ والمؤمنينَ من قتالِ الأعداءِ، لاستولى أهلُ الشركِ، وعطّلوا ما بينتهُ أربابُ الدياناتِ من مواضعِ العباداتِ، ولولا القتالُ لما بقيَ الدينُ الذي يُذبّ عنهُ”.
وفي سيرةِ النبيِّ ﷺ مشهدٌ بالغُ الدلالةِ، حين أُخرجَ من مكةَ المكرمةِ، فوقف يخاطبُها قائلًا: «واللهِ إنكِ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ» (رواه الترمذي ح 3925، صحيح). فكان الخروجُ من الوطنِ ابتلاءً عظيمًا، لا يقلُّ ألمًا عن فقدِ النفسِ، وهو ما تؤكدهُ النصوصُ القرآنيةُ حين قرنت بين القتلِ والخروجِ من الديارِ، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 66]، وقال عز وجل: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة: 246].
وقال البيهقيُّ رحمهُ اللهُ: «إن اللهَ تعالى جعل الجلاءَ من الوطنِ بمرتبةِ القتلِ» (شعب الإيمان، ج2، ص236)، وقال ابنُ رشدٍ المالكيُّ رحمهُ اللهُ: «فسوّى بين النفي — يعني من الوطنِ — والقتلِ» (بداية المجتهد، ج2، ص342).
ثم تأتي مواقفُ الصحابةِ لتجسّد هذا المعنى حيًّا، ففي بدرٍ الكبرى، حين استشار النبيُّ ﷺ أصحابَه، قام سعدُ بنُ معاذٍ رضيَ اللهُ عنهُ فقال: امضِ يا رسولَ اللهِ لما أردتَ، فواللهِ لو خضتَ بنا هذا البحرَ لخضناهُ معكَ، ما تخلّفَ منا رجلٌ واحدٌ (صحيح مسلم بشرح النووي 12/142، وعنده أن القائلَ سعدُ بنُ عبادة). موقفٌ لا خطابةَ فيهِ، بل استعدادٌ صادقٌ لبذلِ النفسِ دفاعًا عن الدِّينِ والوطنِ معًا.
ويتكرر المشهدُ في التاريخِ الإسلاميِّ، فهذا سعدُ بنُ أبي وقاصٍ رضيَ اللهُ عنهُ يقودُ معركةَ القادسيةِ فيقطعُ دابرَ الطغيانِ الفارسيِّ، ويحفظُ للأمةِ أرضَها وكيانَها، ثم يقفُ طارقُ بنُ زيادٍ أمام جنودِه يومَ العبورِ العظيمِ ويقول كلمتَهُ المشهورةَ: البحرُ وراءكم والعدوُّ أمامكم، فليسَ لكم واللهِ إلا الصبرُ والصدقُ، فتكونُ التضحيةُ سبيلَ النصرِ والتمكينِ.
وفي تاريخِ الأمةِ موقفٌ خالدٌ عند عينِ جالوتَ، حين وقف السلطانُ المظفّرُ قطزُ رحمهُ اللهُ يواجهُ زحفَ التتارِ، وقد ظنَّ الناسُ أن لا طاقةَ لهم بهم، فصدعَ بنداءِ الإيمانِ: وا إسلاماه، فهبَّت الجموعُ وبُذلت الأرواحُ، وانكسرَ الطغيانُ، وحُفظت ديارُ المسلمينَ، وكان ذلك شاهدًا على أن التضحيةَ الصادقةَ من أجلِ الوطنِ والدينِ تصنعُ الفارقَ في أحلكِ اللحظاتِ.
وقد لخّص النبيُّ ﷺ هذا المعنى في قاعدةٍ جامعةٍ حين قال: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دينِهِ فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دمِهِ فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شهيدٌ» (الترمذي 1421، حسن صحيح). فالوطنُ الجامعُ لهذه المعاني كلها، والدفاعُ عنهُ دفاعٌ عن المالِ والدِّينِ والعِرضِ والنفسِ في آنٍ واحدٍ.
ولهذا ظل الدفاعُ عن الأوطانِ شرفًا باقيًا في وجدانِ الأمةِ، تتوارثهُ الأجيالُ كما تتوارثُ العقيدةَ، وصدقَ أميرُ الشعراءِ أحمدُ شوقي حين قال:
وطني لو شُغلتُ بالخلدِ عنهُ ** نازعتني إليهِ في الخلدِ نفسِي
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، نحمدُهُ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيهِ، ونشكرُهُ على نِعَمِهِ الظاهرةِ والباطنةِ، ونشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.
أمَّا بعدُ؛ فإنَّ من رحمةِ اللهِ بعبادِهِ أن جعلَ لهم محطّاتٍ إيمانيّةً يتزوّدونَ فيها بالطاعةِ، ويُراجعونَ فيها أعمالَهم، ويُجدّدونَ فيها نيّاتِهم، ومن أعظمِ تلك المحطّاتِ شهرُ شعبانَ، الذي يسبقُ شهرَ رمضانَ، ويهيّئُ القلوبَ والعقولَ لتحمّلِ المسؤوليةِ، والإقبالِ على الطاعةِ، وتصحيحِ المسارِ في حياةِ الفردِ والمجتمعِ.
العنصرُ الثالثُ: ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ بينَ التهيئةِ والبذلِ وتحويلِ القِبلةِ
إذا كانت التضحياتُ من أجلِ الوطنِ تحتاجُ إلى صدقِ نيّةٍ، وقوّةِ عزيمةٍ، واستقامةِ سلوكٍ، فإنَّ الشريعةَ جعلتْ من بعضِ الأزمنةِ محطاتٍ لتجديدِ هذه المعاني، ومن أعظمِها شهرُ شعبانَ، الذي يسبقُ رمضانَ، ويُعدُّ مرحلةَ إعدادٍ روحيٍّ وسلوكيٍّ لما بعدهُ.
ثبتَ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ كان يُكثِرُ الصيامَ في شعبانَ، حتى تعجّبَ الصحابةُ من ذلكَ، فحين سأله أسامةُ بنُ زيدٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال: «يا رسولَ اللهِ، لم أرَكَ تصومُ من شهرٍ من الشهورِ ما تصومُ شعبانَ؟ قال: ذاكَ شهرٌ يَغفَلُ الناسُ عنهُ بينَ رجبَ ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ، فأُحبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ» رواه النسائي (2357) وأحمد (21753)، وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد أكّدت أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها هذا المعنى بقولِها: «ما رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ، وما رَأَيْتُهُ أكْثَرَ صِيَامًا منه في شَعْبَانَ». البخاري (1969)، مسلم (1156)، وأبو داود (2434)، والترمذي (768).
فكما أنَّ الأوطانَ لا تُبنى إلا بالتضحياتِ الظاهرةِ في ميادينِ العملِ والبذلِ، فإنها لا تستقرُّ إلا بتضحياتٍ باطنةٍ، تبدأُ من تطهيرِ القلوبِ من الحقدِ، وتصحيحِ النيّاتِ، وتحويلِ العبادةِ إلى سلوكٍ عمليٍّ ينعكسُ على الأمانةِ، والإخلاصِ، وحسنِ القيامِ بالواجبِ.
وثبتَ في فضلِ ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قال: «يَطَّلِعُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى خَلقِه ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ، فيغفِرُ لعبادِه إلَّا لاثنَينِ: مُشاحنٍ، وقاتلِ نفسٍ» أحمد (6642)، والشجري في ترتيب الأمالي الخميسية (1539)، وهو حديثٌ صحيحٌ بشواهدهِ.
ودلالةُ الحديثِ واضحةٌ في تقريرِ فضلِ هذه الليلةِ من جهةِ اطِّلاعِ الربِّ سبحانهُ وتعالى على عبادِه، ومغفرتِه العامّةِ، مع استثناءِ صنفينِ عظيمي الخطرِ: المُشاحنِ، وهو الذي يحملُ في قلبِه الخصومةَ والبغضاءَ ويُؤذي الناسَ بلسانِه أو يدِه، وقاتلِ النفسِ، وهو الذي انتهك حرمةَ الدمِ التي حرَّمها اللهُ عزَّ وجلَّ. وفي ذلكَ ربطٌ صريحٌ بينَ صفاءِ القلوبِ، وحفظِ الدماءِ، وبينَ استحقاقِ المغفرةِ الإلهيّةِ.
ويُفهَمُ من الحديثِ أنَّ هذه الليلةَ ليست موطنَ أقوالٍ مجرّدةٍ، بل موطنُ مراجعةٍ حقيقيّةٍ للنفسِ، وتطهيرٍ للقلوبِ من الشحناءِ، وردٍّ للمظالمِ، وتهيئةٍ أخلاقيّةٍ قبلَ دخولِ شهرِ رمضانَ، وهو ما ينسجمُ مع كونِ شعبانَ شهرَ رفعِ الأعمالِ إلى اللهِ تعالى.
وقد ارتبطَ شهرُ شعبانَ في السيرةِ النبويّةِ بحدثٍ عظيمٍ من أحداثِ التشريعِ، وهو تحويلُ القِبلةِ، حيثُ تحوَّلَ المسلمونَ بأمرِ اللهِ من بيتِ المقدسِ إلى المسجدِ الحرامِ، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ﴾ [البقرة: 144]. وكان ذلكَ التحويلُ امتحانًا للطاعةِ، وابتلاءً للامتثالِ، وربطًا مباشرًا بينَ الإيمانِ القلبيِّ، والانقيادِ العمليِّ لأمرِ اللهِ.
فكما كانت ليلةُ النصفِ من شعبانَ موطنَ نظرٍ إلهيٍّ إلى القلوبِ، وتمييزٍ بينَ الصفاءِ والشحناءِ، كان تحويلُ القِبلةِ تمييزًا بينَ الصادقينَ في الاتّباعِ والمتردّدينَ في الطاعةِ، فاجتمعَ في هذا الشهرِ تطهيرُ الباطنِ بتصفيةِ القلوبِ، وتصحيحُ الظاهرِ بالامتثالِ لأمرِ اللهِ دونَ تردّدٍ.
ومن هنا يتجلّى الارتباطُ بينَ ليلةِ النصفِ من شعبانَ وتحويلِ القِبلةِ، إذ يجتمعانِ على معنى واحدٍ: إصلاحُ القلبِ، وصحّةُ الاتّجاهِ، والاستعدادُ للطاعةِ قبلَ دخولِ شهرِ الصيامِ، وهو المعنى الذي تحتاجُهُ الأفرادُ، وتقومُ عليهِ المجتمعاتُ، وتستقيمُ بهِ الأوطانُ.
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، مسند أحمد، سنن النسائي، المعجم للطبراني. شعب الإيمان للبيهقي. مسند أبي يعلى الموصلي.
تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، تفسير البغوي، تفسير الشعراوي، تفسير محمد سيد طنطاوي (الوسيط)، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر. بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ترتيب الأمالي الخميسية للشجري.
د. أحمد رمضان
خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان
___________________________________
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة
تابعنا علي الفيس بوك
الخطبة المسموعة علي اليوتيوب
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع
للمزيد عن أخبار الأوقاف
و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف
للمزيد عن مسابقات الأوقاف
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط
