الفرقة المكسيكية “مانا” في كوكوتا 2019 (راوول أربوليدا/ فرانس برس)
عاشت فنزويلا قمعاً امتدّ سنوات خلال فترة حكم الرئيس نيكولاس مادورو الذي خطفته الولايات المتحدة في 3 يناير/كانون الثاني الحالي، وهو ما انعكس على المشهد الثقافي في البلاد.
فعلى مدى أكثر من عقد، فرضت المؤسسات الثقافية الرسمية رقابة مشدّدة على فنانين محليين ودوليين، ما انعكس في توقّف بثّ بعض الأغاني عبر الإذاعات، وإلغاء حفلات موسيقية من دون توضيحات، وحظر أسماء فنية من الظهور في البرامج الرسمية، وصولاً إلى إنهاء مسيرات فنية كاملة. ومع هذا النهج، فُرض صمت قسري على عدد من الفنانين، تطوّر من فيتوهات غير معلنة إلى حظر رسمي أجبرهم على الامتناع كلياً عن دخول الأراضي الفنزويلية.
في هذا السياق، ضمّت “اللائحة السوداء” التي أصدرها وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، في مارس/آذار 2025، أسماء فنانين فنزويليين بارزين، من بينهم ريكاردو مونتانير وداني أوشن وناتشو، إلى جانب فنانين كولومبيين مثل خوانيس ومالوما وكارلوس فيفيس، إضافة إلى أسماء أخرى من المشهد الموسيقي اللاتيني، كالمكسيكية باولينا روبيو ولويس فونسي من بورتو ريكو، بسبب مواقفهم السياسية أو مشاركتهم في فعاليات داعمة للمساعدات الإنسانية، مثل حفل Venezuela Aid Live قرب كوكوتا عام 2019. وطاولت هذه اللائحة مشاهير على منصات التواصل الاجتماعي وموسيقيين من أصول فنزويلية مقيمين في الخارج، من بينهم المغنية والمؤثرة ليلي بونس التي استُهدفت تحديداً بسبب ارتباطها بشخصيات معارضة.
منذ الانتخابات الرئاسية في يوليو/تموز 2024، سجّلت منظمات حقوقية وثقافية ارتفاعاً ملحوظاً في حالات المضايقات والترهيب، ولا سيما في أوساط المشهد الفني في كاراكاس ومدن أخرى. ونقلت منظمة ميميتا (Mimeta)، التي تتخذ من النرويج مقراً وتعمل على دعم وحماية حرية التعبير الفني، عن فنانين بصريين مثل سيغفريدو تشاكون في كاراكاس ودِيليا هيرنانديز في فالنسيا مصادرة أعمال فنية ذات مضمون سياسي وفرض قيود على حركتهم المهنية عبر إجراءات جمركية وأمنية.
ومنذ عام 2019، وثّقت تقارير متكررة مصادرة الأعمال أو فرض عراقيل بيروقراطية شديدة عند محاولة تصديرها، إذ يمكن تأخير أو رفض تراخيص التصدير تعسّفياً، وغالباً ما تُستخدم تهم فضفاضة أو ذرائع “الأمن القومي” لمنع نقل الأعمال إلى الخارج.
ووصفت صالة العرض الفنية GBG Arts في كاراكاس وفنانون آخرون حوادث متكررة دُمّرت فيها شحنات أعمال فنية أو صودرت من قبل الجمارك أثناء توجهها إلى متاحف وصالات عرض دولية، خصوصاً بعد حملة القمع التي أعقبت انتخابات 2024، كما أجبرت السلطات على إلغاء معارض ومهرجانات ثقافية.
أما اليوم، ومع خروج مادورو من السلطة، فقد فتح هذا التطور الباب أمام حديث متزايد عن تغيير محتمل في المشهد الثقافي، وسط تداول معلومات عن إنهاء الرقابة وعودة الحفلات الموسيقية العالمية إلى فنزويلا، فضلاً عن محاولات لإعادة وصل الفنانين الممنوعين بجمهورهم. غير أن ردود فعل المشهد الفني لم تكن صاخبة أو احتفالية كما قد يُتوقع، بل اتسمت بحذر واضح يعكس سنوات من القمع والمنفى والخشية من المجهول السياسي.
أعاد المغني داني أوشن نشر ما كتبته زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو التي أشادت بالتدخل الأميركي وطالبت بالاعتراف بإدموندو غونزاليس أوروتيا رئيساً شرعياً للبلاد، فيما دعت المغنية إلينا روز إلى الصلاة، وكتبت أن ما يحدث هو “حرب روحية”. وكتبت المغنية الشابة جواكينا عبارة “تسقط القيود”، في إشارة إلى بيت من النشيد الوطني الفنزويلي. أما فرقة “راوايانا”، التي تحولت إلى أحد أبرز رموز الموجة الموسيقية الفنزويلية عالمياً بعد فوزها بجائزة غرامي عام 2025، فالتزمت الصمت، رغم أن أعمالها الأخيرة كانت قد حملت إشارات نقدية واضحة للنظام.
في المقابل، كتب مغني الراب أكابيلا أن “زمن الانتقال قادم”، معترفاً بصعوبة المرحلة المقبلة، لكنه أكد أن التغيير كان مطلباً واسعاً منذ سنوات. بدوره، نشر ريكاردو مونتانير رسالة دعا فيها إلى “حماية فنزويلا” وتمنّى أن “يسود السلام” فيها. وفي مواقف أكثر مباشرة، أصدر المغني كارلوس باوتي مقطع فيديو لأغنية ينتقد فيها مادورو، معرباً عن أمله في أن تجد فنزويلا طريقها إلى الحرية، ومطالباً بالإفراج عن المعتقلين الذين احتُجزوا لسنوات خلال حكمه.
وفي حين رأى الفنانون في خلع مادورو فرصة لفتح صفحة جديدة واستعادة نشاطهم الفني، بدا المشهد الإعلامي أقل تفاؤلاً. إذ اعتاد الصحافيون في فنزويلا على الاحتجاز التعسّفي والملاحقات الأمنية، وهو ما وثّقته النقابة الوطنية لعمال الصحافة التي سجّلت اعتقال 24 صحافياً وعاملاً في مجال الإعلام بين عامي 2022 و2025، في إطار نمط متواصل من الملاحقة القضائية اتّسم بإجراءات غامضة واحتجازات طويلة وغياب الضمانات القانونية.
لم يطرأ تغيير ملموس على هذا الواقع، إذ اعتُقل 14 صحافياً وعاملاً في الإعلام من جنسيات مختلفة أثناء تغطيتهم مراسم أداء ديلسي رودريغيز اليمين الدستورية رئيسةً مؤقتة خلال الجلسة الافتتاحية للجمعية الوطنية الجديدة في كاراكاس في 5 يناير/كانون الثاني.
وعلى الرغم من الإفراج عنهم جميعاً من دون مثولهم أمام القضاء، جرى ترحيل أحدهم. وفي السياق نفسه، اعتقلت السلطات صحافيين أجنبيين يعملان مراسلين لصحيفة إل باييس الإسبانية، أحدهما إسباني والآخر كولومبي، على الحدود بين كوكوتا الكولومبية وسان أنطونيو الفنزويلية، قبل الإفراج عنهما بعد ساعات من الاحتجاز. ووفقاً للمصادر نفسها، أُكّد الإفراج عن 19 صحافياً من أصل 24 حتى 14 يناير/كانون الثاني، من بينهم صحافيون معروفون على المستوى الوطني مثل رولاند كارينيو الذي كان محتجزاً منذ أغسطس/آب 2025، فيما لا يزال مصير خمسة صحافيين مجهولاً.
هكذا، في لحظة تتقاطع فيها وعود عودة الموسيقى مع استمرار التضييق على الكلمة، يبدو المشهد الثقافي في فنزويلا محكوماً بتوازن هشّ بين الانفتاح والقيود. فبينما يستعيد الفن حضوره تدريجياً في الفضاء العام، تبقى حرية التعبير، بكل أشكالها، اختباراً مفتوحاً لما إذا كان هذا التحوّل سيؤسس لمرحلة جديدة فعلاً، أم سيظل محصوراً في حدود التغيير الجزئي والمؤقت.
