مصر تقع في الفخ

    أحمد عثمان جبريل

    بسؤالٍ يوقف المعنى ويستدعي الضمير: كيف لبلدٍ بحجم مصر، بثقلها التاريخي، وبنضجها المعرفي المتراكم آلاف السنين، أن تقع في فخٍّ صغير اسمه البرهان، وضيق أفقٍ اسمه (الزمرة الكيزانية)؟.. كيف تُقاد دولة الحكمة بمنطق الابتزاز، وتُدفع أخلاقيًا وسياسيًا إلى زاوية لا تشبهها، ولا تشبه صورتها الراسخة في وجدان السودانيين؟

    ❝ السياسة بلا أخلاق حيلة قصيرة العمر، أمّا الأخلاق فهي سياسة التاريخ الطويل. ❞

    — عبد الرحمن الكواكبي

    (1)

    لم يأتِ السودانيون إلى مصر سياحةً ولا ترفًا، بل ساقتهم الحرب العبثية سوقًا، حرب لم تترك لهم خيارًا سوى النجاة.. ومصر، حين فتحت ذراعيها، لم تفعل ذلك منّةً، بل انسجامًا مع تاريخها ودورها الطبيعي.. لكن المأساة تبدأ حين تتحوّل الاستضافة من فعل إنساني إلى ورقة ضغط، ومن حق لجوء إلى أداة سياسية.

    (2)

    ما يحدث اليوم ليس تضييقًا إداريًا عابرًا، بل محاولة خبيثة لإجبار اللاجئ على العودة القسرية، لا الطوعية. عودة لا لأن الخرطوم آمنة، بل لأن (النظام العسكري) يريد شهودًا زورًا على أمنٍ لم يتحقق، ويريد أموالًا تُعاد قسرًا إلى اقتصادٍ دمّرته ذات الحرب التي أشعلها.

    (3)

    الفخ هنا مزدوج:”أن تُستخدم مصر كرافعة لإعادة إنتاج سردية (السودان الآمن) وأن تتحمّل هي كلفة أخلاقية وسياسية لحرب لم تشعلها وبمعنى أدق تطلق: “طلقتها الأولى”. فالأمن لا يُصنَع بالترحيل، ولا بالاعتقال، ولا بإغلاق النوافذ في وجه الخائفين الذين لا حول لهم ولا قوة إلا من رحمة الله ولطفه، بل بوقف الحرب نفسها.

    (4)

    البرهان ومن خلفه لا يريدون عودة الناس ليعمّروا السودان، بل ليُعمّروا كذبتهم.. يريدون صورًا، أرقامًا، بيانات، يقولون بها للعالم: (عاد الناس).. أما الواقع، فيقول قولا واحدا لا ثاني له: (الأرض التي بلا دولة لا تعود إليها الحياة، ولو عاد إليها البشر).

    (5)

    ولأن المصريين يعرفون السودانيين أكثر من غيرهم، ولأن العلاقات بين الشعبين تقول حقيقتها أنها ليست طارئة ولا مصلحية، بل ضاربة الجذور في الأرض الواحدة والتاريخ،  فإن أي حملة تشويه أو خطاب كراهية ضد اللاجئين ليست فقط ظلمًا لهم، بل إساءة مباشرة للروح المصرية نفسها، تلك التي عُرفت بالإيواء قبل القوانين، وبالنجدة قبل الحسابات.

    (6)

    نعم، لمصر أيادٍ بيضاء لا تُنكر، ومن ينكرها ففي قلبه مرض.. ونعم، قد تُفهَم بعض الإجراءات في سياق الضغط الاقتصادي والأمني، لكن ما لا يُفهَم ولا يُبرَّر هو الاعتقال والترحيل لمن يحملون أوراقهم، أو لمن لم يرتكبوا جرمًا سوى أنهم هربوا من الموت.

    (7)

    حين تغفل الدولة عن مبادئ حماية اللاجئين، وعن الأخلاق التي حكمت تاريخها، فإنها لا تخسر سمعتها فقط، بل تخسر نفسها.. فمصر التي نعرف، لا تُقاس بما تفعل الأنظمة العابرة، بل بما يبقى في الذاكرة الجمعية للشعوب، والسودانيون لا ينسون.

    هذه ليست مصر التي نعرفها، ولن تكون.

    ومصر، إن استمرت في هذا الطريق، لا تخدم السودان، ولا تحمي نفسها، بل تقع ـ دون أن تشعر ـ في فخ أنظمة لا تعيش إلا على خراب الأوطان.

    فاللاجئون لا يُعادون بالقوة، والأوطان لا تُبنى بالكذب، والتاريخ لا يرحم من يبدّد رصيده الأخلاقي في سوق السياسة الرخيصة.

    وهنا، في (أفق الحرف) نقولها بوضوح:

    أوقفوا الحرب.. وسيعود الناس.

    أما غير ذلك، فليس إلا وهماً، يدفع ثمنه الأبرياء. إنا لله ياخ.. الله غالب.