لم يكد ينسى السوريون جريمة قتل الفنانة ديالا الوادي خلال أغسطس (آب) 2025، حتى ضجت وسائل التواصل الاجتماعي أول من أمس الخميس بخبر العثور على جثة الفنانة هدى شعراوي مقتولة داخل منزلها في حي باب سريجة بدمشق. قُتلت الممثلة الوادي (تحمل الجنسيتين العراقية والبريطانية) خنقاً بعد حادثة سطو مسلح على منزلها في حي المالكي الدمشقي، فيما قضت شعراوي، كما أشارت التحقيقات الأولى، على يدي خادمتها الأوغندية. مصير الممثلتين كانت قد لاقته أيضاً الممثلة رائفة أحمد (1967-2021) طعناً بالسكاكين داخل منزلها في هولندا على يدي زوجها المضطرب نفسياً، ولقيت الممثلة الكردية شيندا خليل مصرعها ذبحاً في الدنمارك بيدي شقيقها عام 2014، بعدما رفضت أن تقرضه مبلغاً من المال.

6673afcc-31f6-4c93-9fda-96db82408733.jpg

هدى الشعراوي في “باب الحارة” (ملف المسلسل)

حوادث قتل الفنانات السوريات تعيدنا في الذاكرة إلى رحيل المغنية ربى الجمال (1966- 2005) في ظروف غامضة، إذ لاقت المطربة الحلبية من أصل أرمني مصيراً مشابهاً لقريناتها، فعلى رغم الإبهام الذي لف مصيرها وقتذاك، فإن مقربين من زوفيناز قره بتيان (اسمها الحقيقي) أكدوا أن صاحبة الصوت الكلثومي كان رجال من دائرة نظام الأسد الضيقة ورطوها في تعاطي جرعات كبيرة من الهيروين، إلى أن ساءت حالتها النفسية على المسرح، فبعد حفلة لها في فندق إيبلا الشام ورفضها الامتثال للغناء لأحد المتنفذين، اقتيدت إلى سجن النساء في دوماً (ريف دمشق) بتهمة تعاطي المخدرات، ويقال إنها ماتت كمداً بين جدران السجن بعد مرورها بحالة صحية مزرية. مضت جنازة ربى بصمت إلى مقابر الأرمن في العاصمة السورية، دون أن تشهد حضوراً رسمياً أو يأتي أحد لوداعها من زملائها الفنانين.

الفنانة سحر ضحية الضباط البعثيين

TOVYA_B7am7Qppjx.jpg

الفنانة السورية سحر ضحية الضباط البعثيين (سوشيل ميديا)

موت مشابه لقيته أيضاً المطربة سحر عام 1981 داخل ملهى فندق سميراميس في دمشق، حيث رفضت فضيلة مقلي (اسمها الحقيقي) الامتثال لرغبة أحد ضباط رفعت الأسد (شقيق الرئيس حافظ الأسد) بالغناء له، فقام أحد مرافقي الضابط التابع لسرايا الدفاع بتفجير قنبلة أودت بحياتها وحياة عدد من الحاضرين وعازفي الفرقة الموسيقية الذين كانوا يعزفون خلفها. سجل الموت لفنانات سوريات قضين قتلاً أو مُتن ضمن ظروف غامضة يكاد لا ينقطع منذ عقود، وهو ملف يتداخل فيه الجانب الجنائي بالجانب السياسي وفقاً لتعقيدات المشهد السوري، ماضياً وحاضراً، لكنه اليوم يأخذ بعداً أمنياً بالغ الحساسية بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد خلال ديسمبر 2024، لا سيما أن البلاد شهدت جرائم قتل سقط خلالها ضحايا نساء من كل شرائح المجتمع، إذ لم يكن الموت حكراً على نجمات الوسط الفني، بل طال معلمات وأستاذات جامع وطبيبات كانت آخرهن الطبيبة أمل البستاني مديرة ومؤسسة شركة “أصيل للنسيج”.

الراقصات الاستعراضيات كن هدفاً لعدد من الهجمات، فخلال مايو (أيار) 2025 هاجم مسلحون مجهولون بالأسلحة الرشاشة ملهى الكروان وسط العاصمة السورية، فقتلوا راقصة وأصابوا أخرى، فيما تعرضت فنانات استعراضيات للتنكيل بهن داخل مربع سهر آخر يدعى “ليالي الشرق” خلال الشهر نفسه. حوادث تلقي بالعبء مضاعفاً على القوى الأمنية الفتية في البلاد، وتجعل عدداً من نجمات الوسط الفني وزملاءهم يعرضون عن العمل داخل البلاد، إذ نُقل تصوير عدد من أعمال الدراما التلفزيونية السورية إلى لبنان، ومنها مسلسلات “سعادة المجنون” لمخرجه سيف سبيعي و”مولانا” لمخرجه سامر برقاوي، و”الخروج إلى البئر” لمخرجه محمد لطفي.

4fceba39-92f8-49f6-82af-545819472c21.jpg

الفنانة السورية القتيلة ديالا الوادي (سوشيل ميديا)

وعلى رغم مرور 88 عاماً على رحيلها ما زالت حادثة غرق سيارتها في الترعة مثار جدل وشكوك حتى الآن. نتحدث هنا عن أسمهان (1912-1944) التي يشير عدد من المراجعات حول سيرتها وعن فرضية تدبير موتها كحادثة قضاء وقدر، لا سيما بعدما تكشف من تعاون ابنة جبل العرب مع الإنجليز ضد حكومة فيشي الفرنسية الموالية للنازيين في سوريا ولبنان. تعد آمال الأطرش (اسمها الحقيقي) أبرز الفنانات السوريات اللاتي ما زلن يثرن جدلاً حتى الآن حول الظروف التي رافقت موتهن، إذ تعد حادثة غرق مركبتها خلال أربعينيات القرن الماضي أكثر الأمثلة سطوعاً عن تداخل الجانب الجنائي مع عمل الاستخبارات، وتذكر بنساء كثيرات وقعن في الفخ ذاته.

أسمهان الضحية

ولعل قصة أسمهان تعيد إلى الأذهان قصة مارغريتا غرترودا زيلي (1876-1917) المعروفة بـ”ماتا هاري”، إذ كانت الراقصة الهولندية تعد من أشهر جاسوسات أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى. دونت ماتاهاري سنوات عمرها المنتهية في سيرة ذاتية كتبتها بنفسها قبل أن تلقى حكم الإعدام رمياً بالرصاص على أيدي الفرنسيين، وذلك بعد اكتشافها كعميلة مزدوجة لمصلحة الاستخبارات الألمانية. هكذا لقيت راقصة الكاثاكالي مصيرها بعدما ظنت أنها كانت تمارس لعبة التلاعب بالقلوب، فأمست ضحية للعبة الأمم الكبرى في حرب لم تختبر شراستها إلا بما كانت تتقنه من فنون الجسد.   

9e7d7689-e96d-422b-80d7-e09e367cef1f.jpg

المطربة أسمهان (سوشيل ميديا)

وبدا الوسط الفني السوري مصدوماً بعد تداول مقاطع فيديو لمسرح جريمة قتل الممثلة هدى شعراوي، والتي وجدت غارقة في دمائها بعدما تلقت ضربات على رأسها وهي نائمة على سريرها. وكانت شعراوي بدأت مسارها الفني في عمر تسع سنوات حين اصطحبها الفنان أنور البابا “مشهور بشخصية أم كامل” لتسجل صوت طفلة في برنامج منوعات لإذاعة دمشق. منذ ذلك الحين لم تغب نجمة مسلسل “باب الحارة” عن المشهد الفني داخل بلادها، وكانت من أوائل من عملن في المسرح الشعبي مع كل من سعد الدين بقدونس وعبداللطيف فتحي وآخرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأسست ابنة حي الشاغور الدمشقي فرقة مسرحية باسمها أوائل سبعينيات القرن الماضي، واعتمدت على حسها الفطري في أداء الأدوار المسندة إليها، إذ تعد من أوائل الفتيات الدمشقيات اللاتي خرجن على العرف والعادات والتقاليد المحافظة، وعلى رغم معارضة عائلتها لعمل ابنتهم في مجال التمثيل فإن شعراوي ظلت مصرة على المضي نحو عالم الشهرة والأضواء، لتسجل حضورها ضمن عدد من الأعمال كان من أبرزها “باب الحارة” في دور الداية أم زكي، إضافة لأدوارها في أعمال من مثل: “عيلة سبع نجوم” و”شارع شيكاغو” و”زمن البرغوث” و”رجال العز” و”عودة غوار” و”عيلة الملك”. ظهرت شعراوي باكراً في أفلام القطاع الخاص، وكان منها: “حارة العناتر” و”تفضل ممنوع الدخول” و”شاطئ الحب” و”غرام المهرج” و”غابة الذئاب”، إضافة لعملها في أفلام المؤسسة العامة للسينما، فلعبت أدواراً لا تُنسى في أشرطة كان أبرزها محمد شاهين في فيلمه “الشمس في يوم غائم” عن رواية للأديب الراحل حنا مينة.

ونعت نقابة الفنانين في سوريا الفنانة الراحلة، وأصدرت بياناً قالت فيه: “تنعى نقابة الفنانين في الجمهورية العربية السورية وبكل أسف وفاة الفنانة الكبيرة هدى شعراوي، التي طاولتها يد الغدر هذا الصباح بين الخامسة والسادسة وفق تقرير الأمن الجنائي الذي لا يزال يحقق في حادثة مقتلها، ويُذكر أن الخادمة التي كانت تعمل لديها متوارية عن الأنظار، مما يشير بأصابع الاتهام إليها والتحقيق لا يزال جارياً حتى الساعة. هذه الخسارة تشكل فقداً كبيراً للحركة الفنية السورية والعربية. إنا لله وإنا إليه راجعون”، فيما كتب عدد من زملائها مرثيات عبر حساباتهم على “فيسبوك”، فقال الممثل والمخرج أيمن زيدان: ” لم يؤلمني رحيلك فقط يا هدى، بل شكل الرحيل. ما أوجع النهايات المفجعة. امرأة كان جل أحلامها أن ترحل بسلام. حتى حلم الرحيل الآمن لم تعشه. لروحك الطيبة كل الرحمة”.