أقر لبنان، مساء الجمعة، مسودة اتفاقية مع سوريا تقضي بنقل المحكومين السوريين الذين يقضون أحكامهم في سجون لبنان إلى بلدهم الأم، على أن يستكملوا تنفيذ ما تبقّى من عقوباتهم هناك.

وتم التوقيع على الاتفاقية خلال جلسة في القصر الجمهوري بحضور الرئيس اللبناني جوزاف عون.

وفي اتصال مع “الشرق”، أكد نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري أن هذه الاتفاقيات معمول بها في معظم دول العالم، لافتاً إلى أن لبنان وقّع منذ شهرين اتفاقية مشابهة مع دولة آسيوية، ويمكن أن يوقّع اتفاقيات مماثلة في أي وقت.

وأضاف متري أن كل حالة تتعلق بسجن مواطن في دولة أخرى تتحول عادة إلى قضية ذات أبعاد سياسية وإنسانية.

وحددت الاتفاقية وزارتي العدل في البلدين كجهتين مخولتين بالتنفيذ، على أن تدخل حيز التنفيذ بعد 30 يوماً من التوقيع.

آلية تنفيذ الاتفاقية

وحول ما أُثير عن شمول الاتفاقية نحو 300 محكوم سوري، بينهم متهمون بجرائم خطيرة بحق الجيش اللبناني أو جرائم قتل واغتصاب، قال متري إن الاتفاقية تشمل المحكومين السوريين الذين أمضوا أكثر من 10 سنوات من مدة محكوميتهم في السجون اللبنانية، لينقلوا إلى سوريا لاستكمال تنفيذ العقوبة وفق القوانين النافذة في البلدين.

وأشار إلى أن “المحكومين مشمولون بأحكام قضائية صادرة بحقهم بجرائم مختلفة، ولا يستثني ذلك من حوكموا بجرائم مثل القتال ضد الجيش اللبناني في منطقة عرسال، شرط أن تكون الأحكام قد صدرت وأن يكون المحكوم قد أمضى أكثر من 10 سنوات في السجن”.

وفي ما يتعلق بآلية تنفيذ الاتفاقية، أوضح متري أن الخطوة الأولى تتمثل في توقيعها خلال الأيام القليلة المقبلة لتصبح نافذة، يلي ذلك التشاور مع السلطات السورية حول تفاصيل التنفيذ، معتبراً أن “مسؤولية تسليم المحكومين تقع على عاتق السلطات اللبنانية، على أن يتم تحديد مكان وآلية التسليم لاحقاً، سواء في بيروت أو عبر الحدود”.

وشدد على أن موافقة السجين شرط أساسي لتنفيذ النقل، إذ قد يُفضّل بعض المحكومين البقاء في السجون اللبنانية. وأشار إلى أن الإجراءات العملية ستبدأ فور التوقيع، متوقعاً أن يتم ذلك في منتصف الأسبوع المقبل بحضور وفد سوري إلى بيروت.

مصير الموقوفين السوريين غير المحكومين

وعن عدد السوريين الموقوفين غير المحكومين في السجون اللبنانية، كشف متري لـ”الشرق” أن عددهم يقارب 2000 موقوف، مؤكداً العمل على إعداد اتفاقية ثانية لمعالجة هذا الملف.

فئات السجناء السوريين في لبنان


موقوفون لأسباب تتعلق بالانتساب إلى تنظيمات مصنفة “إرهابية”.
موقوفون متهمون بجرائم عادية.
موقوفون ملحقون بجرائم لكنهم أمضوا سنوات في السجن من دون محاكمة.

وشدد نائب رئيس الحكومة اللبناني على “ضرورة إيجاد حل عاجل، إما عبر تسريع المحاكمات وإخلاء سبيل الأبرياء، أو إصدار الأحكام بحق من تثبت إدانتهم، أو من خلال اتفاقية جديدة مع سوريا لنقلهم ومتابعة محاكمتهم هناك، علماً أن هذه الاتفاقية تحتاج إلى موافقة مجلس النواب، بخلاف اتفاقية المحكومين التي يكفي إقرارها حكومياً”.

ولفت إلى أن الجانب السوري “يُبدي اهتماماً خاصاً بالموقوفين لأسباب سياسية، لا سيما المعارضين للنظام السابق، أكثر من اهتمامه بالموقوفين بجرائم عادية، ما استدعى فصل ملف المحكومين عن ملف الموقوفين”.

القضايا العالقة بين البلدين

ورداً على سؤال لـ”الشرق”، حول ما إذا كانت الاتفاقية تفتح الباب لمعالجة ملفات أخرى عالقة بين لبنان وسوريا، مثل ترسيم الحدود البرية والبحرية، أوضح متري أن التواصل قائم دائماً بين البلدين، وأن أولوية ملف المحكومين تعود إلى الضغط الشعبي في سوريا، كما إلى رغبة لبنان في إيجاد حل لهذا الملف.

وأضاف ن الاهتمام بهذه الاتفاقية لا يعني إهمال القضايا الأخرى، لافتاً إلى اتفاق الجانبين على تعزيز التعاون لضبط الحدود ومكافحة التهريب، على أن يُستكمل البحث في الترسيم الحدودي بعد تحقيق تقدم في ضبط الحدود.

وعن مصير اللبنانيين الذين كانوا معتقلين في السجون السورية خلال فترة النظام السابق، قال متري إن السلطات السورية الجديدة تؤكد أنها أفرغت السجون بالكامل عند تسلمها السلطة، وأنه لا يوجد حالياً سجناء لبنانيون سياسيون لديها، موضحاً أن المعلومات تشير إلى الإفراج عن اثنين فقط كانا موجودين سابقاً، مع احتمال وجود مفقودين أو مختفين قسراً.

وأشار إلى أن لجاناً مشتركة بين البلدين تعمل على كشف مصير المفقودين، معتبراً أن هذا الملف “من أكثر الملفات تعقيداً” في المجتمعات التي شهدت حروباً، وتحدث عن متابعة حالات محددة، منها قضية اغتيال الصحافي سمير قصير عام 2005.

وحول مسألة الاكتظاظ في السجون اللبنانية، كشف متري عن إعداد مشروع قانون يعزز صلاحيات الهيئة القضائية للنظر في تخفيض العقوبات، بحيث يمكن الإفراج المبكر عن المحكومين الذين يثبت حسن سلوكهم، أسوة بما هو معمول به في العديد من الدول. وأكد أن مشروع القانون أُحيل إلى مجلس النواب.

كما شدد على ضرورة معالجة قضية الموقوفين منذ سنوات من دون محاكمة، معتبراً أن الأوضاع الصعبة التي مر بها القضاء في السنوات الماضية أدت إلى تأخير المحاكمات وتفاقم الاكتظاظ في السجون والنظارات، مؤكداً أن العمل جارٍ لإيجاد حلول سريعة لهذه الأزمة.