برحيل الفنانة السورية هدى شعراوي، فقدت الدراما السورية أحد أكثر وجوهها حضورًا وتأثيرًا، وخسر الشارع العربي شخصية فنية وإنسانية شكّلت على مدى عقود جزءًا من ذاكرته اليومية.

لم تكن شعراوي ممثلة عادية في سجل الدراما، بل حالة متكاملة صنعت لنفسها مكانة خاصة، قوامها الصدق والعفوية والجرأة، وهو ما جعل خبر وفاتها يُقابل بموجة حزن واسعة عربيًا وإعلاميًا.

واليوم، تطوي الدراما السورية صفحة من تاريخها، برحيل قامة كهدى شعراوي، لكن الحالة الفنية والإنسانية التي صنعتها، والشخصيات التي عاشت في ذاكرة الناس، ستبقى شاهدة على مسيرة فنانة اختارت أن تكون قريبة من الناس، فاختارها الناس واحدة منهم.

وكانت وزارة الداخلية السورية، قد أعلنت في 29 من كانون الثاني، عن جريمة قتل راحت ضحيتها الفنانة القديرة هدى شعراوي داخل منزلها في العاصمة دمشق.

صدقًا وعفوية يصعب تكرارهما

تنتمي الراحلة إلى الجيل الأول المؤسِّس للدراما السورية، وهو الجيل الذي عمل في ظروف صعبة، في غياب المعاهد والبنية الإنتاجية الواضحة، فبدأت رحلتها من إذاعة دمشق في الخمسينيات عبر المسلسل الإذاعي “حياة فنان”، وكانت من الوجوه التي واكبت انطلاق البث التلفزيوني السوري عام 1960.

وتحمل شعراوي رقم العضوية “33” في نقابة الفنانين، مما يجعلها واحدة من أقدم الأعضاء المسجلين الذين ساهموا في نهضة المشهد النقابي.

وفي هذا السياق، يرى الناقد الفني والصحفي شارل عبد العزيز، أن هدى شعراوي كانت من الفنانات اللواتي أسّسن للدراما السورية اعتمادًا على الفطرة والملاحظة المباشرة للمجتمع، لا على القوالب الجاهزة أو التجارب السابقة، ما منح أداءها صدقًا وعفوية يصعب تكرارهما اليوم.

ويشير عبد العزيز إلى أن هذا الجيل تحمّل مسؤولية مضاعفة، خصوصًا بالنسبة للمرأة الفنانة، إذ لم يكن الدخول إلى عالم التمثيل أمرًا سهلًا أو مقبولًا اجتماعيًا، ما جعل الاستمرار في المهنة لسنوات طويلة إنجازًا بحد ذاته.

 

عفوية هدر شعراوي وخفة ظلها لم تكونا نتاج تدريب أو توجيه إخراجي، بل جزءًا أصيلًا من تكوينها الشخصي، إذ نجحت في فرض حضورها دون تكلّف، وبعيدًا عن التزييف أو المبالغة.

شارل عبد العزيز

صحفي وناقد فني

 

 

 

 

 

شعراوي واجهت هذه التحديات بإصرار وشغف، وهو ما انعكس على حضورها الفني الثابت حتى سنواتها الأخيرة.

من جهته، يرى الصحفي الفني جورج درويش، أن هدى شعراوي كانت واحدة من الفنانات السوريات اللواتي لا يتكررن، لما تمتلكه من شخصية فنية متفرّدة وأدوات خاصة، سواء على مستوى الأداء أو لغة الجسد أو طريقة الحكاية.

وأكد أن جرأتها كانت واضحة حتى في نظراتها، وأن حضورها الجسدي كان قويًا ومؤثرًا، ما جعل أدوارها عصيّة على التقليد أو الاستنساخ.

 

هدى شعراوي كانت واحدة من الفنانات السوريات اللواتي لا يتكررن، لما تمتلكه من شخصية فنية متفرّدة وأدوات خاصة، سواء على مستوى الأداء أو لغة الجسد أو طريقة الحكاية

جورج درويش

صحفي فني

تعيش الشخصية لا تؤديها

وعلى المستوى الفني، شكّلت مشاركاتها في أبرز الأعمال السورية التي حققت انتشارًا عربيًا واسعًا محطات مفصلية في مسيرتها، لا سيما في الأعمال الكوميدية وأعمال البيئة الشامية، وعلى رأسها مسلسل “باب الحارة”، ففي شخصية “أم زكي”، قدمت هدى شعراوي نموذجًا دراميًا نادرًا، تحوّل إلى أيقونة في الذاكرة الشعبية.

يتقاطع رأي عبد العزيز ودرويش عند فكرة أن هدى شعراوي لم تكن “تؤدي” الشخصية بقدر ما كانت تعيشها، فقد استطاعت أن تجسّد المرأة الدمشقية والشارع الشعبي بصدق لافت، مقدّمة نماذج تشبه الأم والعمة والجدة، وتبدو مأخوذة من الحياة اليومية.

عبد العزيز يعتقد أن أي امرأة في أحياء دمشق القديمة يمكن أن تتقاطع مع تفاصيل من شخصياتها، ما جعل الجمهور يشعر بأنها واحدة من أفراد العائلة.

أما درويش، يرى أن شعراوي كانت ممثلة بالفطرة، تسقط الدور من أبسط التفاصيل، من طريقة اللباس إلى الإيماءة ونبرة الصوت، وهو ما بدا واضحًا في أدوار مفصلية مثل “أم العرفي” في خان الحرير، و“أم زكي” في باب الحارة.

ويشير إلى أن هذه الأدوار لم يكن من السهل أن تؤدى من قبل فنانة أخرى، لأنها كانت نتيجة انسجام كامل بين الشخصية الدرامية وشخصية الفنانة الحقيقية.

لقب “الداية”

رغم تنوع أرشيفها، تخصصت شعراوي في أدوار المرأة الدمشقية الشعبية، وحملت لقب “الداية” في عدة أعمال مفصلية.

بدأت هذه السلسلة من مسلسل “أيام شامية” (1992) بدور “الداية ديبة”، ثم في مسلسل “الخوالي” (2000)، وصولًا إلى شخصية “أم زكي” في مسلسل “باب الحارة”، وهو الدور الذي حقق لها شهرة عربية واسعة وحولها إلى نموذج نمطي للمرأة الحكيمة والمطلعة على أسرار الحارة.

وتُعدّ شخصية “أم زكي” من أكثر الأدوار رسوخًا في الذاكرة الشعبية، إذ تحوّلت إلى أيقونة درامية عربية.

ويرى عبد العزيز أن ارتباط اسم الفنانة بالشخصية إلى درجة مناداتها بها في الشارع يُعد إنجازًا فنيًا نادرًا، لا يحققه سوى قلة من الممثلين.

بينما يوضح درويش أن نجاح الشخصية لم يكن مرتبطًا بحجم الدور بقدر ما كان بدورها المحوري في تحريك الأحداث، وبكونها نموذجًا واقعيًا موجودًا في كل حارة وبيت عربي.

ويؤكد كلاهما أن هدى شعراوي لم تقلّد أحدًا، بل أسست لأسلوب خاص بها، سواء في الكوميديا أو في أعمال البيئة الشامية، واضعة قواعد واضحة لشخصيات مثل “الداية”، ما جعل من الصعب تجاوز تأثيرها لاحقًا.

ويرى درويش أن ما ميّزها عن بنات جيلها هو جرأتها الزائدة، ليس في طبيعة الأدوار، بل في أسلوب الأداء وجرأة الأدوات، إذ كانت تذهب إلى أقصى ما يتطلبه الدور دون خوف من الكاميرا أو الحسابات الشكلية.

إلى جانب ذلك، شكّلت أعمال هدى شعراوي وثيقة ثقافية واجتماعية، إذ أسهمت في توثيق العادات والتقاليد الدمشقية من خلال لغتها الشعبية ومصطلحاتها اليومية والأغاني الشامية التي قدّمتها، وهو ما يعتبره عبد العزيز جزءًا من أرشيف فني مهم يستحق الدراسة والتوثيق.

صدمة في الشارع العربي

على صعيد التفاعل الشعبي، فقد أحدث رحيلها صدمة واضحة في الشارع العربي، حيث عبّر الجمهور العربي عن حزنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستعادت وسائل الإعلام العربية، من لبنان إلى مصر والمغرب العربي، محطات مسيرتها وأثرها الفني، كأول تغطية من نوعها حيال وفاة فنان سوري.

الصحفي الفني جورج درويش، يقول إنه تفاجأ بحجم المحبة العربية التي حظيت بها، معتبرًا أن ذلك مبرّر نظرًا لبصمتها العميقة في وجدان الجمهور.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن وفاتها تم توظيفها سياسيًا، في ظل ظروف حساسة وطريقة وفاة غامضة، ما ضاعف مشاعر الحزن والأسى لدى الناس.

وفي مقارنة بين الأمس واليوم، يرى درويش أن جيلًا كاملًا من الفنانات، مثل هدى شعراوي وسامية الجزائري وضحى الدبس وإيمان عبد العزيز، كنّ يتمتعن بخصوصية تمنع تبادل الأدوار بينهن، بعكس بعض نجمات اليوم اللواتي يمكن لهن أداء أدوار بعضهن البعض، مع استثناءات محدودة.

ويؤكد أن غياب هدى شعراوي قد لا يغيّر مسار الدراما السورية بشكل مباشر، لكنه يحرمها من وجه إنساني وفني محبوب، يمتلك “خلطته الخاصة” الناتجة عن الصدق والبساطة.

“الداخلية” توقف المشتبه بها بقتل الفنانة هدى شعراوي

Related