Published On 2/2/20262/2/2026
|
آخر تحديث: 12:33 (توقيت مكة)آخر تحديث: 12:33 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
حين يقرر المشاهد قضاء الوقت أمام الشاشة لمشاهدة فيلم رعب، فهو يعقد اتفاقا غير مكتوب مع صانع العمل، يقوم بموجبه المخرج ببناء مسار من الخوف والتوتر، يتحرك ببطء في اتجاه ذلك الخوف، لينتهي بصرخة.
يبدأ العمل بعدها في نوع من الشرح لأسباب الخوف بالتفسير، ويستعين بمشاهد مبهرة، ويكشف الحقيقة أو يلجأ للعنف، لكشفها أيضا. لكن بعض الأفلام تنأى عن ذلك الكشف، وتحتفظ بالمشاهد في حالة توتر وقلق وخوف، من دون أن تفسر سببه.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
وينتمي فيلم “الرئة الحديدية” (Iron Lung)، الذي يعرض حاليا في الولايات المتحدة وكندا، بقوة إلى النوع الثاني، فهو لا يخيفك بالصدمات أو الوحوش، وإنما بدفعك لتحمل الغموض، وتراكم التفاصيل المخيفة. تبدو مشاهدة الفيلم كما لو كانت بمثابة جلسة في مكان متسع يضيق مع الوقت، حتى يشعر الجالس بالاختناق.
وحيد في الكون
وقد اقتبس العمل عن لعبة رعب صدرت عام 2022. الفيلم من إخراج وبطولة مارك فيشباخ. تدور أحداث فيلم “الرئة الحديدية” في مستقبل بعيد منهار حيث اختفت المساحات الصالحة للسكن. يتم إرسال عميل وحيد إلى محيط معاد مليء بالدماء على متن غواصة بدائية بالكاد تعمل.
المهمة علمية بالاسم فقط، فهي أقرب إلى طقوس استكشاف قسري، تنفذ في بيئة تنعدم فيها الرؤية ولا يضمن فيها البقاء على قيد الحياة. تشبه الغواصة نعشا حديديا أكثر من كونها سفينة، وتصبح مسرح الأحداث الحقيقي للفيلم، وتتحول تدريجيا إلى خصمه الرئيسي.
ما يميز فيلم “الرئة الحديدية” عن أفلام الرعب التقليدية هو رفضه تقديم أي حلول سردية للمشاهد. لا يوجد مسار اكتشاف تقليدي، ولا منطق مطمئنا يحول الخطر إلى معنى. المهمة لا تعد بالخلاص أو المعرفة أو حتى التقدم. بدلا من ذلك، يلتزم الفيلم التزاما تاما بنظام مغلق: آلة تتحرك للأمام لأنها مجبرة على ذلك، مسترشدة بأدوات تقدم معلومات غامضة، وبأوامر تبدو منفصلة عن أي منطق بشري.
ملصق فيلم الرئة الحديدية (الجزيرة)
يختزل المخرج الفضاء الخارجي إلى صور مشوشة ومجردة، فقط، صور فوتوغرافية مشوهة، وإشارات معيبة، وشظايا لونية لا تتضح معالمها أبدا. ولا يستخدم الظلام كغطاء مؤقت قبل الكشف، بل هو الحالة السائدة في عالم الفيلم.
هذا الخيار الجمالي ليس مجرد تأثير جوي، بل يجبر المشاهد على تبني نفس الموقف المعرفي للبطل، فهو محاصر داخل نظام ينتج البيانات ولكنه يحجب الفهم.
ويصبح الصوت هو الأداة السردية الأساسية. فالغواصة تئن، والمعدن يصرخ تحت الضغط، وتقطع صفارات الإنذار الصمت دون أن تقديم أي توجيه. لا تثير الموسيقى التصويرية المشاعر بالمعنى التقليدي، وإنما تبعد شعور المشاهد بالاستقرار. تتكرر الضوضاء الميكانيكية باختلافات طفيفة، مما يخلق بيئة صوتية تحاكي رتابة المهمة نفسها.
بمرور الوقت، تتوقف هذه الأصوات عن العمل كخلفية صوتية وتصبح تذكيراً بأن الآلة ملجأ وتهديد في آن واحد. يقدم فيلم “الرئة الحديدية” الغواصة كما لو كانت نظاما ذاتيا يملي السلوك والحركة والإيقاع، لا يتحكم فيها البطل – كما يفترض – بقدر ما يذعن لها.
يجب عليه أن ينفذ كل الإجراءات المطلوبة للتعامل معها، بدءاً من الضغط على الأزرار، وسحب العتلات، ليس لأنها منطقية، بل لأن الانحراف عنها ستكون له نتائج لا يمكن احتمالها. ينبع الرعب هنا من فقدان الإرادة، من إدراك أن البقاء يعتمد على الطاعة لمنطق لم يعد يخدم الاحتياجات الإنسانية.
أحداث في الماضي ومشاعر في الحاضر
رغم أن أحداث الفيلم في مستقبل افتراضي، إلا أن مضمونه العاطفي يقع في الحاضر، إذ يدور في عالم تهيمن عليه الأنظمة الآلية، والضرورات البيروقراطية، والمهام التي تستمر طويلا بعد زوال غرضها الأصلي.
تشبه المهمة في “الرئة الحديدية” العديد من تجارب العمل الحديثة، والتي تبدو بلا نهاية، ويشوبها الغموض. لا يكمن الرعب في احتمال موت البطل فحسب، بل في أن تكون أفعاله عديمة الجدوى جوهريا.
يختلف “الرئة الحديدية” عن روايات الرعب الكلاسيكية في عدم وجود عدو خارجي واضح. لا يوجد وحش لهزيمته، ولا قوة يمكن مواجهتها أو الفرار منها. هو يخاف لأن الأجواء مخيفة، يبتلع الخوف فيسكنه، ويصبح جزءا منه. لا يطلب من المشاهد توقع ذروة الأحداث، بل تحمل أجواء التهديد المستمر.
هذا الخيار يضع فيلم “الرئة الحديدية” ضمن سياق الرعب النابع من الذات، حيث يكمن الرعب الحقيقي في الحبس والتكرار واستحالة الحل. يعد الجسد عنصرا أساسيا في تأثير الفيلم، حيث يقدم “رهاب الأماكن المغلقة” بشكل واضح في ديكور العمل، ويبدو داخل الغواصة ضيقا وغير مريح.
لا يحتمل سوى الحركة المحدودة، والوضعية المقيدة. وهذا الضيق يجعل المشاهد مدركا تماما للتنفس، وللضغط، وهشاشة الجسد داخل المعدن. يتراكم التوتر في الجسد بدلا من توقع النهاية. يخاطب فيلم “الرئة الحديدية” الجهاز العصبي للمشاهد بقدر ما يخاطب خياله.
يرفض صانع العمل فكرة التطهير النفسي، التي تقوم على الحل النهائي في نهاية الفيلم. وبينما يقدم الرعب التقليدي متنفسا، من خلال الهروب أو المواجهة أو حتى الموت، فإن فيلم “الرئة الحديدية” يحجب هذا الحل المريح.
جاء إيقاع الفيلم قاسيا، يتحرك في دوائر من الحركة للأمام في إيقاع ممل، فإذا صمد المشاهد سيشهد بنفسه تحول الخوف إلى حالة معيشية بدلا من كونه إحساسا مؤقتا.
لكن اللاحل الذي يتبناه المخرج يظل رؤية فلسفية، فعالم الفيلم لا ينهار فجأة، لأنه منهار من الأصل، وبالتالي فإن نهاية العالم ليست حدثا جديدا. وما بقي منه هو عملية، تستمر خلالها الأنظمة في العمل لفترة طويلة بعد أن يتلاشى المعنى.
يتسق فيلم “الرئة الحديدية” مع اتجاه أوسع في أفلام الرعب المعاصرة، يعطي الأولوية للأجواء المرعبة على حساب الإبهار، وللقلق الوجودي على حساب الخاتمة السردية. ولكن هذا العمل يدفع بهذا التوجه إلى أقصى حدوده، ويجرده إلى عناصره الأكثر رعبا.
يعد “الرئة الحديدية” فيلما عن الصمود فقط، فهو لا يدعو المشاهد إلى تخيل الهروب، بل إلى مواجهة التداعيات النفسية للوقوع في فخ نظام لا يمكن التفاوض معه أو فهمه. يكمن رعبه في الإدراك البطيء بأنه لا أفق، ولا كشف مبشر وراء الظلام، ولا مواجهة نهائية تعيد التوازن.
