ليس ثمة ما يكشف معادن العلاقات مثل اللحظات التي يختل فيها توازن المرء، حين يثقل صوته بالتعب، ويضيق صدره بما لا يجد له اسماً، وتغدو روحه أقل لمعاناً مما اعتاده الآخرون. في تلك المسافة الهشة بين القوة والوهن، يظهر الصديق لا كما نحب أن نراه، بل كما هو فعلًا، بلا مساحيق ولا مجاملات. بعضهم يتراجع خطوة إلى الخلف، لا بدافع الحذر، وإنما خوفًا من العدوى، كأن الوجع مرض مُعدٍ، وكأن القرب مسؤولية ثقيلة لا طاقة لهم بها.

العلاقة التي لا تحتمل التصدّع الأول ليست علاقة، بقدر ما هي استعراض مؤقت، أو حلف هش يقوم على صورة جميلة وليس على جوهر متين. هناك من يطلبك ضاحكًا، حاضر الذهن، خفيف الظل، ناجحًا، مطمئنًا، فإذا تغيّر إيقاعك، أو تعثّرت خطواتك، أو خفت بريقك قليلًا، بدأ يشعر بالضجر، ثم يبدأ باتخاذ مسافة، ثم يغيب بأعذار مهذبة لا تخفي حقيقتها. هؤلاء لا يصادقون المرء، بل يصادقون نسخته المريحة لهم، النسخة التي لا تُتعبهم بأسئلة ولا تُحرجهم بصدق ولا تضعهم أمام واجب إنساني بسيط اسمه البقاء.

المرء في ضعفه لا يطلب حلولًا كبرى، ولا خطبًا تحفيزية، ولا فلسفات جاهزة، بل يطلب حضورًا هادئًا، وأذنًا لا تحاكم، وكتفًا لا يضيق بالميلان عليه.

الصديق الحقيقي لا يُصلحك، ولا يعيد تشكيلك، ولا يقيسك بمعايير النجاح السريع، بل يراك كاملًا حتى وأنت منكسر، ويعرف أن الانكسار ليس عيبًا أخلاقيًا، بل حالة بشرية عابرة، وأن القوة التي لا تمرّ بالهشاشة قوة مشكوك في صدقها.

كثيرون يخلطون بين الصداقة والراحة، فيظنون أن الصديق الجيد هو الذي لا يزعجهم، ولا يحمّلهم ثقل المشاعر، ولا يربك إيقاع أيامهم. والحقيقة أن الصداقة، في جوهرها، مساحة آمنة للارتباك، وملاذ للاعتراف، ومكان يسمح للمرء أن يكون أقل كمالًا دون أن يُقصى أو يُدان. فمن لا يحتمل رؤية ضعفك، لن يحتمل مسؤولية مشاركتك الفرح لاحقًا، لأنه لم يشاركك الطريق أصلًا، بل كان يقف عند محطاته المضيئة فقط.

والأخطر من الغياب الصريح، ذلك الغياب المموّه بالتهذيب، حيث يبقى الاسم في الهاتف، وتبقى التحيات العامة، وتختفي التفاصيل، ويبهت الاهتمام، ويتحوّل القرب إلى ذكرى. هنا يشعر المرء بأنه كان وحيدًا حتى وهو محاط بالصداقة، وأن ما ظنه سندًا لم يكن سوى ظلّ مؤقت.

لهذه الخسارات، على قسوتها، فضل خفي فهي تُنقّي الدائرة، وتعيد تعريف القرب، وتُسقط أوهامًا كان لا بد من سقوطها. والعلاقات التي تقوم على الانتقاء المزاجي، علاقات قصيرة النفس، مهما طالت ظاهريًا.

ليس المطلوب أن يبقى الجميع، ولا أن يتحمّل الجميع، فلكل امرئٍ طاقته وحدوده، ولكن الفارق كبير بين من يعترف بعجزه بصدق ومن يختبئ خلف أعذار أنيقة ليغادر بلا أثر. ذلك أن الصداقة امتحان أخلاقي قبل أن تكون رابطة اجتماعية، واختبار لمدى قدرتنا على رؤية الآخر إنسانًا لا مشروع نجاح دائم.

وحين ينهض أحدنا من تعبه، ويستعيد شيئًا من توازنه، يكتشف أن الذين بقوا هم القلّة التي تستحق، لا لأنها مثالية، بل لأنها اختارت البقاء حين كان البقاء أصعب من الرحيل، وحين لم يكن في المشهد ما يُغري سوى الوفاء. هؤلاء وحدهم يفهمون معنى أن تكون الصداقة فعلًا إنسانيًا لا رفاهية مزاجية، وأن القرب الحقيقي لا يُقاس بما نأخذه من الآخر، بل بما نقدر على احتماله معه.