استهل الحبر الأعظم خطابه مرحباً بضيوفه ومعربا عن سروره للقائهم، مشيرا إلى أنهم يلتقون في هذه الأيام من أجل النظر في كيفية مواصلة التزامهم الذي جاء ثمرة للقمة الدولية حول حقوق الأطفال وقد دعا إلى انعقادها البابا الراحل فرنسيس، والتأمت في الفاتيكان في الثالث من شباط فبراير ٢٠٢٥. وقد شهد ذلك الحدث مشاركة حوالي أربعين متحدثا من بينهم سياسيون وحائزون على جائزة نوبل ودعاة من عالم الثقافة والاقتصاد والكنيسة، بالإضافة إلى ممثلين عن اليهودية والإسلام. وحاول برغوليو في المناسبة أن يسلط الضوء على معاناة الصغار لاسيما بسبب الفقر والحروب والحرمان من التعليم والظلم والاستغلال.

أكد لاون الرابع عشر أنه يصلي من أجل الحاضرين الساعين إلى تمييز مشيئة الرب وقراءة علامات الأزمنة المتعلقة بتأثير الأزمات الراهنة اليوم في العالم على “صغار الله” هؤلاء. ثم قال البابا إنها لمأساة حقاً أن نرى الأطفال والشبان في هذا العالم، الذين يريد المسيح أن يأتوا إليه، محرومين من الرعاية اللازمة ومن مقومات الحياة الأساسية، ما يعني أن هؤلاء يفتقرون إلى الفرص المطلوبة التي تسمح لهم ببلوغ كامل قدراتهم.

وأضاف لاون الرابع عشر أن أوضاع الأطفال في العالم لم تشهد أي تحسن، وللأسف، خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، أي منذ انعقاد القمة الدولية، كما أن عدم تحقيق أي تقدم على صعيد حماية الصغار من المخاطر المحدقة بهم يبعث على القلق الشديد. من هذا المنطلق اعتبر الحبر الأعظم أنه من الأهمية بمكان أن نتساءل عما إذا كانت الجماعة الدولية قد طرحت جانباً التزاماتها بشأن تحقيق التنمية المستدامة، وهو سؤال يخطر على بالنا، مضى يقول، عندما نرى أعدادا كبيرة من الأطفال الذين يعانون من الفقر المدقع، ويقعون ضحية الانتهاكات والتعديات والتهجير، هذا ناهيك عن حاجتهم إلى التربية وانفصالهم عن عائلاتهم في كثير من الأحيان.

تابع البابا خطابه مذكرا بما كتبه سلفه الراحل فرنسيس بشأن حقوق الأطفال الأساسية في الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس “فرح الحب” عندما أكد البابا برغوليو أن لكل طفل الحقّ في أن يُحب من قبل أم وأب، مؤكدا أن هذا الحبّ أساسي وضروري من أجل نمو متكامل ومتناغم للطفل. كما شدد لاون الرابع عشر على أهمية الدفاع عن نظرة عميقة للحياة كهبة ينبغي أن نثمنها، وللعائلة التي ينبغي أن تكون مسؤولة عن هذه الحياة وحامية لها. وندد البابا بريفوست برصد الموارد العامة لتمويل قتل الحياة عوضا عن استثمارها في دعم الأمهات والعائلات، وهو تحذير أطلقه الحبر الأعظم مطلع العام الجاري في الخطاب الذي وجهه إلى أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي لتبادل التهاني بحلول العام الجديد.

هذا ثم عاد الحبر الأعظم ليعرب مجددا عن امتنانه للجهود التي يبذلها ضيوفه الساعين إلى التجاوب مع القضايا المقلقة التي أثارتها القمة الدولية بشأن حقوق الطفل. وشاء في هذا السياق أن يذكّر الحاضرين بمسألتين هامتين، لافتا أولا إلى أنهم يتكلمون نيابة عن الأشخاص الذين لا صوت لهم، وهي مهمة نبيلة بحد ذاتها. وشجعهم على عدم نسيان هذا الأمر عندما يواجهون الإحباط نتيجة فشل بعض المبادرات، أو عدم اكتراث الآخرين بتلك الجهود، أو لدى الشعور بأن الوضع لم يتحسن. وطلب منهم أن يكون الخير الذي يصنعون المحرّك الذي يقودهم إلى الأمام.

أما النقطة الثانية، تابع البابا يقول، فتتمثل في التركيز على الاحتياجات الشاملة للأطفال والتي غالباً ما يُغض الطرف عنها عندما يُصب الاهتمام على ناحية معينة. وقال إن كل واحد من الحاضرين يسعى إلى الاستجابة لتلك الاحتياجات انطلاقاً من كفاءاته ومجال اختصاصه ومواهبه الخاصة، ضمن الكنائس المحلية والجمعيات الرهبانية والمنظمات الكاثوليكية. ومع ذلك حثّ لاون الرابع عشر ضيوفه على البحث عن سبل لتعزيز التعاون والتنسيق كي يحصل الأطفال على رعاية متزنة، تأخذ في عين الاعتبار خيرهم الجسدي والنفسي والروحي. وذكّر بالمؤسسات التي ترافقهم في مسيرتهم وفي طليعتها الدائرة الفاتيكانية للتنمية البشرية المتكاملة، والأكاديمية البابوية للحياة والاتحاد الدولي للرؤساء العامين والرئيسات العامات، آملا أن تُتخذ الخطوات الكفيلة في التجاوب مع احتياجات الأطفال كافة.

في الختام ذكّر لاون الرابع عشر أعضاء اللجنة التنظيمية لمبادرة “من الأزمة إلى الرعاية: العمل الكاثوليكي من أجل الأطفال” بأن البابا فرنسيس كان يتحدث دائماً عن الحاجة للإصغاء إلى الأطفال، وقد أثبت أنه كان معلماً مثالياً على هذا الصعيد. وقد وجه له الأطفال رسالة العام الماضي لمناسبة انعقاد القمة في الفاتيكان، كتبوا فيها أنهم يريدون، وبالتعاون مع البابا، أن يطهروا العالم من الأشياء السيئة، وأن يزيّنوه بالصداقة والاحترام، أن يساهموا في بناء مستقبل جميل للجميع. هذا ثم سأل لاون الرابع عشر لضيوفه شفاعة العذراء مريم، والدة الكنيسة، وطلب من الله أن يباركهم جميعاً ويمنحهم القوة والشجاعة اللازمتين كي يساعدوا الأطفال على تحقيق أحلامهم.