تميزت أفلام الحركة (الأكشن)، عبر تاريخ السينما العالمية الطويل، بالإثارة والتشويق، حيث الاندفاع الخطير، وروعة الحركة، وخيال البطولة الذي يصل إلى أقصى حدوده.

وتُبنى هذه الأفلام حول “ذروات”، ولحظات مصممة لترك المشاهدين يلهثون، مقتنعين بأنهم يشاهدون أعلى مستويات الإثارة السينمائية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

لكن بعض مشاهد الحركة أحدثت تأثيرا عكسيا غريبا. وبينما كان يفترض أن تكون مثيرة ومشوقة، أصبحت خيبات لا تنسى، ليس لأنها تحتوي على نكات أو حوارات ذكية أو محاكاة ساخرة متعمدة، بل لأنها تصر بشدة على المستحيل.

ينبع الضحك من المبالغة نفسها، من اعتبار الفيزياء أمرا اختياريا، ومن تضخيم البطولة حتى تفقد معناها، ومن استعراضات مبالغ فيها لدرجة أن الجدية تنهار تحت وطأتها.

ورغم أن الظاهرة تتميز بها السينما الهندية بشكل خاص، إلا أن وجودها يستدعي الضحك فورا، لأنه يكشف عن سوء تقدير لا يتكرر كثيرا، وينتج نوعا من التخريب الذاتي.

لا يتم تقديم المشاهد التالية على أنها “الأسوأ” أو على أنها سخرية، بل كأمثلة رائعة لكيفية تجاوز سينما الحركة أحيانا عتبة يصبح فيها التوتر عبثا، ويتحول فيها الإفراط إلى مهزلة غير مقصودة.

المدرج اللانهائي

تبنت سلسلة أفلام “السرعة والغضب” عام 2011 (Fast and Furious) المبالغة بشكل صريح، وما بدأ دراما سباقات شوارع تحول إلى ملحمة أبطال خارقين تجوب العالم على عجلات. وبصدور الجزء السادس منها، لم تعد الأفلام مهتمة بالواقعية، بل أصبحت مهتمة بالتصعيد. ولعل مشهد تسلسل مدرج الطائرات هو المثال الأكثر وضوحا.

ملصق فيلم السرعة والغضب 6ملصق فيلم “السرعة والغضب” في جزئه السادس (الجزيرة)

في المشهد، تحاول طائرة شحن الإقلاع بينما يطاردها الأبطال بسياراتهم، ويتقاتلون داخلها، ويقفزون بين المركبات، ليصوروا فعليا فيلم حركة كاملا على مساحة صغيرة من أرض المطار. المشكلة ليست فقط في عدم واقعية المشهد، فالجمهور يتقبل الخيال في أفلام الحركة باستمرار، ولكن تظهر المشكلة في حجم هذا الخيال.

يبدو المدرج وكأنه لا نهاية له، كما لو أن الطائرة عالقة في حلقة سرمدية، تتسارع بلا توقف دون أن تغادر الأرض. هنا، تصبح قوانين الفيزياء مجرد اقتراح قابل للاستبعاد، بدلا من كونها قواعد كونية، ويبدأ التوتر بالتلاشي.

كان المشاهد في انتظار توقف الطائرة، لكن صناع العمل أقاموا مدرجا لا نهائيا للطائرة!

يتضخم المشهد لدرجة أنه يفقد إحساسه بالخطورة ويبدأ في الظهور بمظهر كاريكاتوري. لا يذكر المشهد فقط بسبب أحداثه، بل أيضا بسبب الضحك الذي أثاره رفضه القاطع للنهاية.

بطولة الحركة البطيئة

تشتهر سلسلة أفلام “مهمة مستحيلة” (Mission: Impossible) بدقتها، فهي تضم مشاهد مثيرة تبدو واقعية، وتخلق توترا ينبع من مخاطر حقيقية. لكن فيلم “مهمة مستحيلة 2” (Mission: Impossible II)، من إخراج جون وو، ينتمي إلى تقليد مليء بالإثارة المبالغ فيها.

يتميز أسلوب الفيلم بالحركة البطيئة والموسيقى التصويرية الرائعة وحركات البطل المصممة بدقة. ومن أبرز اللحظات مشهد القفز، حيث ينتقل إيثان هانت بين الطائرات والمخاطر برشاقة فنية تبدو أقرب إلى الأداء منها إلى محاولة للبقاء على قيد الحياة.

ويستبدل التشويق في المشهد بالشعور بمفارقة ساخرة، لأن صانع الفيلم يصر على جعل كل حركة تبدو أسطورية لدرجة أنها تصبح مفتعلة. تضفي الحركة البطيئة طابعا فنيا على الإلحاح، ويبدو الخطر مجرد فكرة، ويبقى المشهد أقرب إلى فيديو موسيقي منه إلى مشهد بين الحياة والموت.

الجمهور لا يسخر من جهد توم كروز، بل من الجدية المبالغ فيها للعرض، والطريقة التي يصر بها الفيلم على أن كل لفتة يجب أن تكون أسطورية.

رصاص بلا مسار

من الطبيعي أن يتحول بطل أفلام الحركة إلى شخص لا يقهر، لكن فيلم “كوماندو” (Commando) عام 1985، من بطولة أرنولد شوارزنيغر، حوّل الطبيعي إلى سخيف بدرجة مضحكة.

في أحد أشهر مشاهد الفيلم، يندفع البطل وسط موجات من الأعداء المسلحين بينما تتطاير الرصاصات في كل مكان، ومع ذلك، لا يصيبه شيء.

يتحرك كرجل محصن ضد الواقع نفسه. يسقط جنود العدو بأعداد غفيرة، لكن البطل يبقى سالما، دون أن يتأثر ولو قليلا.

يصبح المشهد مضحكا بشكل غير مقصود لأنه يلغي العنصر الأساسي الذي يعتمد عليه الفعل وهو الضعف.

إذا كان البطل لا يُصاب بأذى، يصبح الخطر استعراضيا. ويتحول إطلاق النار إلى ضجيج لا تهديد حقيقي.

ويبدأ المشهد في التشبه بلعبة تمثيلية. يكمن الضحك هنا في نقاء المبالغة. الفيلم لا يلمح للجمهور، بل يعرض فكرة الحصانة المطلقة بكل جدية، وهذه الجدية هي ما تجعله عبثيا.

الدمار بلا مخاطر

تتميز أفلام المخرج مايكل باي من سلسلة “المتحولون” (Transformers) بضخامتها الهائلة: انفجارات لا تنتهي، مدن تنهار، وحروب آلية على مستويات كارثية. في فيلم “عصر الانقراض” (Transformers: Age of Extinction)، يصبح الدمار مستمرا وشديدا لدرجة أنه يفقد معناه العاطفي.

يتطلب الفعل تباينا، ويتطلب الخطر مساحة، ولكن عندما يكون كل شيء ينفجر باستمرار، لا خصوصية لأي شيء. يرفع الفيلم مستوى الفوضى إلى درجة تجعل المشاهد عاجزا عن إدراكها كتهديد. ويتحول المشهد إلى ضجيج، وأحيانا يتحول الإفراط إلى مهزلة. تنهار المباني كالألعاب. وتتوالى الانفجارات بلا انقطاع.

يبدو أن الفيلم أقل اهتماما بالتشويق من اهتمامه بإثبات كمية الدمار التي يمكن أن يحتويها مشهد واحد.

والنتيجة أنه كلما أصر الفيلم على رهانات ملحمية، فقد ثقله. لا يشعر الجمهور بالرعب، بل بالذهول، وأحيانا تصبح التسلية هي رد الفعل الوحيد المتبقي. لا تكمن الكوميديا في المحتوى، بل في المبالغة وسوء التقدير.

سينما مسرحية

يجمع فيلم “فيس أوف” (Face/Off) عام 1997 للمخرج جون وو، بين الميلودراما والحركة، وتدور فكرته الأساسية حول عدوين يتبادلان الوجوه حرفيا، وهي فكرة تبدو ملحمية بحد ذاتها وتدور أحداث الفيلم كما لو كان كرنفالا للهوية والأداء والعنف المنسق.

مشهد من فيلم فيس أوف لقتال مخطط بعناية (آي ام دي بيمشهد من فيلم “فيس أوف” (آي إم دي بي)

تتضمن إحدى أكثر لحظات الحركة التي لا تنسى في الفيلم مشاهد قتالية صممت بكثافة ومبالغة تصل إلى حد العرض المسرحي، فالحركات مهيبة، والتعبيرات مبالغ فيها، والتوتر يكاد يكون طقوسيا.

ما يفترض أن يكون ذروة درامية يبدو أحيانا وكأنه عرض مسرحي للتوتر بدلا من كونه خطرا حقيقيا، بحيث يصبح الفعل رمزيا بدلا من أن يكون فعليا.

لا يفشل المشهد لأنه سيء الصنع، بل لأنه مصمم ببراعة، ولكن لأن مبالغته العاطفية شديدة لدرجة أنها تصبح سريالية.

لا يضحك الجمهور على عدم الكفاءة، بل على الكفاءة المبالغ فيها، إنه الشعور بأن الفيلم يمثل الأحداث بدلا من أن يعيشها.

تزدهر الإثارة في بيئة تضخم فيها عناصر الواقعية. فالجمهور يتوق إلى مشاهد تتجاوز المألوف، ويريد أبطالا ينجون مما لا يستطيعون هم النجاة منه. لكن ثمة حد فاصل، خط تتوقف عنده المشاهد عن كونها مثيرة وتتحول إلى عبثية.

تظهر الكوميديا غير المقصودة عندما يتم تجاهل الفيزياء بشكل واضح للغاية، ويصبح البطل منيعا للغاية وحين يستمر التدمير بلا نهاية، ويصبح أهم من التوتر، ويصر صانع العمل على تقديم ما لا يمكن تصديقه، لأن النتيجة ستكون ضحكا، وهو هنا ليس قسوة بقدر ما هو رد فعل طبيعي على عدم التوازن.