Published On 7/2/20267/2/2026
|
آخر تحديث: 17:52 (توقيت مكة)آخر تحديث: 17:52 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
دمشق- شهدت الدراما السورية عبر عقود طويلة تحولات متعددة على مستوى الشكل والمضمون، غير أن أكثرها عمقا وتأثيرا برز خلال سنوات الحرب الممتدة بين عامي 2012 و2024، حين وجدت هذه الصناعة نفسها أمام ظروف استثنائية أعادت تشكيلها في بنيتها ومضامينها ومسارات إنتاجها.
وقد تركت التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي رافقت الحرب آثارا واضحة على الإنتاج الدرامي، إذ تراجع من حيث الكم والجودة، وضعفت قدرته على الوصول إلى الجمهور العربي. كما انعكست هذه التحولات على موضوعات الأعمال، التي غلب عليها التكرار والسطحية، أو اتجهت في كثير من الأحيان لخدمة خطاب دعائي للنظام السابق في مواجهة معارضيه.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
وتزامن هذا التراجع مع هجرة واسعة لكوادر أساسية من مخرجين وكتّاب وممثلين وفنيين، كانوا يشكلون العمود الفقري لهذه الصناعة، التي وفرت في السابق آلاف فرص العمل، ونجحت في ترسيخ حضورها عربيا عبر أعمال لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهدين رغم مرور سنوات طويلة على إنتاجها.
ومع حلول الموسم الرمضاني، تطل الدراما السورية بمجموعة من الأعمال التي تراهن على استعادة ثقة جمهورها، في ما يشبه محاولة نهوض بعد سنوات من القمع والرقابة والتوجيه. وتسعى هذه الأعمال إلى الغوص في مرحلة غنية بالحكايات المسكوت عنها، مسلطة الضوء على تجارب الظلم والقهر، وعلى جراح الإنسان السوري التي لم تندمل بعد.
وفي هذا السياق، تحاور الجزيرة نت رئيس اللجنة الوطنية للدراما السورية، مروان الحسين، للوقوف على ملامح ما يوصف بـ”الموجة الدرامية الجديدة”، ودور الدراما في المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، إضافة إلى التعريف بطبيعة مهام اللجنة واختصاصاتها.
يلحظ متابعو أخبار الدراما السورية في الموسم الرمضاني المقبل حضورا لافتا لأعمال تتناول موضوعات مرتبطة بحقبة النظام المخلوع، من بينها مسلسلات مثل السوريون الأعداء والخروج إلى البئر وسعادة المجنون. هل يمكن اعتبار هذا التوجه بداية لموجة درامية جديدة تسعى إلى نبش ما ظل مسكوتا عنه لعقود؟ وما أبرز ملامح هذه الموجة برأيكم؟
يمكن القول إن ما نشهده اليوم لا يندرج في إطار موجة عابرة بقدر ما يمثل استحقاقا مؤجلا. فعلى مدى سنوات طويلة، بقيت مساحات واسعة من الذاكرة السورية خارج المعالجة الدرامية، إما نتيجة القمع المباشر أو بفعل رقابة غير معلنة. اليوم، وبعد سقوط النظام، بدأت الدراما تقترب من تلك المناطق المعتمة، من تجربة الاعتقال، والخوف اليومي، وتشوه العلاقات الإنسانية في ظل الاستبداد، إلى الآثار النفسية العميقة التي خلفتها تلك المرحلة.
وتتجلى ملامح هذه الموجة، كما أراها، في التركيز على الإنسان لا على الشعارات، وفي التخلي عن الخطاب التبريري الذي ساد لسنوات، لصالح سرديات أكثر صدقا، وربما أكثر قسوة أحيانا، لكنها ضرورية لفهم ما جرى ومواجهة تبعاته.
في السياق ذاته، كيف تقيمون التحول البنيوي الذي تشهده الدراما السورية بعد سقوط النظام؟ وهل تمكنت الصناعة من تجاوز مرحلة “التوجيه” والانتقال إلى فضاء أوسع من النقد والمكاشفة؟ وما دوركم كلجنة وطنية في هذا المسار؟
أعتقد أن التحول البنيوي لا يتحقق بقرار آني، بل هو مسار تراكمي. ويمكن القول إن الدراما السورية بدأت بالفعل بالخروج من منطق التوجيه نحو فضاء أوسع من النقد والمكاشفة، كما تفضلتم، إلا أن هذا المسار ما يزال في مراحله الأولى.
أما دورنا كلجنة وطنية، فلا يتمثل في توجيه المحتوى، بل في تفكيك العوائق التي أعاقت هذا التحول سابقا، والعمل على توفير بيئة تشجع الجرأة المسؤولة، بحيث يصبح النقد جزءا من عملية التعافي والشفاء المجتمعي، لا مصدر تهديد لها.
ما تزال آلاف الحكايات عن العذابات السورية خلال 14 عاما من الثورة والحرب حاضرة، من الموت المجاني والمعتقلات، إلى النزوح واللجوء واليتم وغيرها من تجليات المعاناة. برأيكم، ما الدور الذي يفترض أن تضطلع به الدراما في مقاربة هذه الحكايات؟ وكيف يمكن الموازنة بين منطق الصناعة القائم على الربح، ومنطق الفن الذي يسعى إلى تمثيل الألم بهدف تجاوزه؟
لا أرى أن مهمة الدراما تقتصر على توثيق الألم أو تكديسه في سرديات سوداوية، كما أنها ليست سلعة منفصلة عن وجدان المجتمع. التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التجارب القاسية إلى معنى إنساني يتجاوز الاستهلاك العاطفي، ويمنح المتلقي فرصة للفهم والتأمل، لا للصدمة فقط.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال منطق الصناعة بوصفه شرطا للاستمرارية، غير أن منطق الفن هو ما يمنح هذه الصناعة مشروعيتها الأخلاقية. ويتحقق التوازن حين ننجح في إنتاج أعمال صادقة وعميقة، قادرة على الوصول إلى جمهور واسع، من دون التفريط بالحقيقة، بل عبر صياغتها فنيا بذكاء يحفظ تأثيرها الإنساني، من دون أن يحولها إلى مادة فجّة أو عسيرة التلقي.
ملصقات دعائية للمسلسلات السورية “السوريون الأعداء” و”سعادة المجنون” و”عيلة الملك” (الجزيرة)الدراما في المرحلة الانتقالية
بدأت سوريا منذ عام 2025 مرحلة انتقالية حسّاسة تتصدّر أولوياتها تحقيق السلم الأهلي والمصالحة الوطنية؟ فهل من دور للدراما في ذلك؟ وهل يمكن الحفاظ على مقاربتها الفنّية والإنسانية عند تصدّيها لموضوعات من هذا النوع؟
نعم، ولكن بشرط واضح: ألا تتحوّل الدراما إلى أداة وعظ أو خطاب تصالحي مصطنع. فدورها الحقيقي من وجهة نظري هو فتح الأسئلة الصعبة، وإعادة الإنسان إلى مركز الحكاية، لا تبييض الصراعات.
وأظن أن الدراما القادرة على لمس الجراح بصدق، من دون شيطنة أو تبسيط، تساهم في التهدئة العميقة للنفوس بعيدا عن السلم الشكلي أو الدعائي.
في ظل هيمنة أنماط درامية محددة لسنوات، مثل البيئة الشامية والدراما المشتركة، وما نتج عنها من تهميش لبيئات ومناطق سورية واسعة، هل تتجه الدراما في المرحلة المقبلة إلى تمثيل التنوع الثقافي والعرقي والمناطقي بصورة أكثر توازنا؟
هذا أحد الملفات الأساسية التي نعمل عليها. لسنوات، اختُزلت سوريا دراميا في بيئات محدّدة، بينما غُيّبت مناطق وثقافات كاملة. وأعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تعكس سوريا بتعدّدها الحقيقي: جغرافيا وثقافيا وعرقيا ولغويا، من دون فلكلرة (من فلكلور) أو استثمار سطحي في الاختلاف.
تمتلك سوريا أرشيفا دراميا غنيا ما يزال حاضرا في الذاكرة السورية والعربية. كيف تنوون التعامل مع هذا الإرث بما يضمن الحفاظ عليه بوصفه جزءا من الذاكرة الثقافية الوطنية؟
نرى في اللجنة الوطنية للدراما أن الأرشيف الدرامي ليس مجرد ماض محفوظ، بل ذاكرة حيّة. ومن هذا المنطلق نعمل على توظيفه بحيث يشكّل الحاضر والمستقبل امتدادا متطورا للتجارب السابقة، بالتوازي مع قراءات تحليلية ودراسات نقدية تضع هذا الإرث في سياقه الصحيح. كما نعدّ حفظ الأرشيف وترميمه وإتاحته جزءا أساسيا من حماية الذاكرة الثقافية الوطنية.
ما يزال دور اللجنة الوطنية للدراما غير واضح لدى شريحة من العاملين في قطاع الإنتاج. ما أبرز مهامكم؟ وكيف تردون على مخاوف بعض النقاد من أن تتحول اللجنة إلى جهة رقابية تحد من الحرية الإبداعية؟
اللجنة جهة ناظمة لقطاع صناعة الدراما والفنون، تقوم بدور داعم وتطويري لا رقابي. مهمتنا الأساسية تنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع، وتسهيل عملية الإنتاج، ودعم الجودة، وفتح قنوات الحوار بين مختلف الأطراف، انطلاقا من ربط الفن بسياقه التاريخي والثقافي المتجذر في المجتمع السوري. أما الحرية الإبداعية، فهي مصانة ضمن أطر واضحة تحترم المسافات الطبيعية بين الجهات المختلفة، ولا تهدف إلى تقييد الخيال أو فرض الوصاية.
أشرتم في تصريحات سابقة إلى تدفق استثمارات جديدة، من بينها مشروع “بوابة دمشق”. كيف ستسهم هذه المشاريع في تحويل الدراما إلى قطاع اقتصادي مستدام؟
الهدف هو بناء بنية تحتية قادرة على تحويل الدراما إلى قطاع اقتصادي حقيقي، لا مجرد منتج فني. يشمل ذلك إنشاء استوديوهات حديثة، وتوفير التدريب وفرص العمل، وتطوير الشراكات الإقليمية والدولية. فالاستثمار ليس ترفا، بل شرط أساسي لاستدامة هذه الصناعة.
واجه المنتجون في السابق عوائق بيروقراطية وأمنية معقدة. ما الخطوات التي اتخذتموها لتجاوز هذا الإرث؟
بدأنا بمراجعة الإجراءات المعمول بها، وتوحيد المرجعيات، وتقليص عدد الموافقات المطلوبة، إلى جانب فتح قنوات تواصل مباشرة مع المنتجين. التحدي الحقيقي ليس إجرائيا فحسب، بل ذهني أيضا، عبر ترسيخ قناعة بأن الدراما شريك في التنمية لا عبء على الدولة.
يعتبر كثيرون أن أزمة الدراما السورية هي أزمة نص بالدرجة الأولى. هل هناك خطط لدعم كتّاب جدد عبر ورش أو مختبرات كتابة؟
أزمة النص حقيقية، ولذلك نعمل على إطلاق ورش كتابة وتطوير تستهدف أسماء جديدة، وتجمع بين الخبرة والتجريب. الهدف هو كسر حلقة إعادة تدوير الأسماء نفسها، مع الحفاظ على احترام التجارب القائمة، وضخ دماء جديدة تضمن الاستمرارية الإبداعية.
أخيرا، ما ملامح خارطة الطريق التي تعتمدها اللجنة لإعادة الاعتبار للدراما السورية؟
تنطلق خارطة الطريق من ثلاث أولويات أساسية: إعادة الاعتبار للنص، وبناء بيئة إنتاج صحية ومستدامة، واستعادة ثقة الجمهور بالدراما السورية.
هدفنا ليس استعادة “مجد سابق”، بل بناء دراما تعبّر عن سوريا كما هي اليوم: جريحة، ومتنوعة، وصادقة مع نفسها.
