قيام بلد كامل ونهايته (الموقع الإلكتروني لدار النشر/ تصميم: العربي الجديد)

كأنما يمانع الشاعر والناقد اللبناني عقل العويط في أن يقف عند هوية واحدة لكتابه “كتاب الغرفة” (هاشيت أنطوان، 2025)، فهو يتردّد بين الرواية والسيرة والشعر، مُصرّاً على ألّا يكون تماماً في أحدها. هذا الكتاب تواتر حتى سنة 2016 واستمد انسيابه “السردي الصوفي”، من توالٍ غير مقصود. نصلُ بعد منازل عدّة إلى منزل زوق مصبح، إلى “غرفة” السرير المفرد والمكتبة العارمة. لسنا أمام منزل عادي، “الأشياء هنا مرتّبة كالنظام الكوني”، إنها “الأشياء القلبية”. الزمن يكاد يكون تاريخياً، كلّ عزيز عليه زار هذه الغرفة، وكلّ كتاب زارها أيضاً. المكتبة نفسها ذات طابع كوني، هُنا يصل الأمر إلى حدّ “ملامسة السعادة”.

هذه الكونية هي أيضاً للّوحات التي تعمر الجدران ولكاسيتات الجاز. ثم إنها لا تبقى في حدود المنزل، إنها في مطلّه على البحر، بل هي في البحر المبسوط أمامه، والذي رغم نقص الحسّية والجسدية في علاقته بعقل، يحسّ أنه هو وأنه يصل إلى حدّ الشعور بأنه “الكون البحري”. ليست الغرفة بالكتب واللوحات سوى صناعة “الزمن المضادّ”، الزمن الذي هو تخطّ للوضع الإنساني، الذي طالما يعود العويط في كتابه إليه، من البحر إلى المطر، نصل بعد ذلك إلى منقوشة الزعتر والمائدة البلدية، ثم لنصل إلى فواصل بعضها شعري وكأنه مشروع قصيدة، وبعضها تأمّلي يطلّ على الشعر. 

هكذا نحن لدى قراءة الكتاب في حبكة تجمع، في انسيابها، بين الأشياء وبين العناصر وبين الذات اللغوية والذات العاشقة والذات المتأملة، بل نحن ننفذ من الغرفة والسرير المفرد، إلى تفاصيل لا تبقى في يومياتها وآنياتها، إذ لا نلبث أن نرجع إلى جيل كامل وتاريخ راهن، فنحن نمرّ على الأصدقاء الأربعة، نراهم وقد أصبحوا ثلاثة، سنتابع لنصل إلى الصديق الشهيد، الذي طاردته المخابرات السورية إلى أن اغتالته. سنقف عند الكاهن الاستثنائي، وسنمر على أركان في حياة العويط وحياة البلد، أركان عصر شارف على الانتهاء، نجد فيه المشروع اللبناني الذي ما لبث أن خبا، ونحن الآن في غمرة تحوّله المتفاقم وتدهوره التاريخي. العويط يتناول هكذا حركة الوعي وملحق النهار الثقافي وكلية التربية. استهلالات لامعة لمشروع لم يعتم إلى أن اغتالته الحروب والمؤامرات. 

غرفة تشمل الحقبة الأساسية لبلد زاهر قبل أن تغتاله الحروب

من غرفته تلك يطلّ عقل العويط، بدون فجوات أو انقطاعات، على تاريخ ليس فقط تاريخ جيل، بل هو بالدرجة نفسها قيام بلد كامل ونهايته. هكذا تتّسع غرفته لتشمل حقبة أساسية، بل الحقبة الأساسية لبلد زاهر، ما لبث أن اغتاله الظرف والمتغيرات. ليست غرفة العويط هي غرفة الانعزال كما ظلّ يردّد في كتابه، فما يسمّيه “غرفته” كان، من ناحية أُخرى لبنان، وما عاشه في هذه الغرفة يقرب من أن يكون حياة جيل وتاريخ وطن.

عقل العويط (صفحة الكاتب على فيسبوك)

يريد عقل العويط في كتابه هذا أن يتنصّل من أمرين: الرواية والسيرة. لا يريد أن يكونهما، وإن كان دائماً على مشارفهما. الكتاب لا يبعد عن الرواية وعن السيرة، بل هو هما، وإن بطريقته المتجنّبة هذه. لا يسمّي عقل أحداً إلا في النادر، وحين لا يستطيع تفادي ذلك، الناس عنده صفاتٌ وإشارات. حتى تلك المرأة التي منحته ابنه آدم الثالث، يظلّ يسميها “امرأة الموقدة والنبيذ والجبنة الفرنسية”. في أحد أقواله في الكتاب يصرّ على أنه ليس كاتب رواية، ولا يتعب من إقناعنا بأنه شاعر أولاً، ففي كتابه هذا نجد أنفسنا باستمرار في ما قبل القصيدة. نحن لسنا أمام أحداث، فالعويط لا يروي، ولكنه يعقب شعرياً على روايات. ليس في الكتاب أحداث مفصّلة، بقدر ما فيه شعرنة أحداث ومشاهد. مع ذلك لا نسلم لعقل العويط بأن ليس في كتابه رواية، إنها رواية بأسلوبه هو وطريقته هو، رواية شاعر وبما يقرب من الشعر. لسنا أيضاً خارج السيرة، بل إن المنازل التي ينتقل بينها ليست تاريخ شخص وسيرته فقط، بل تاريخ بلد وسيرته.

قد لا نجد عنواناً جامعاً للكتاب، غير “كتاب الغرفة” الذي وضعه العويط، سوى “ما هو الشاعر”. ما هو الشاعر، نصاً وشخصاً، فنحن نرى في الكتاب حياة اختطّها الشعر واتحد بها، ليس في الأدب وحده، بل وفي السلوك والشخصية، بحيث صارا كلاً واحداً. الشاعر هو الذي كما قال كلما جلس إلى الكتابة واتته، لكنه أيضاً الشاعر في الحب، الذي يؤثر فيه الكتمان ويغلب عليه الإخلاص، إذ لم يخن أياً من اللواتي أحبهنّ، وهو يحملهنّ جميعاً في قلبه. الإخلاص الذي ينحني فيه للمرأة ويقبل بإشرافها عليه رافضاً الاستعراض والذكورية الفادحة. 

الشاعر هو دائماً العاشق، والشعر ليس في النص وحده، بل وفي الحياة أيضاً فالشاعر ليس نصاً فحسب بل هو مزاج وأخلاق وردود، لكن ما آل إليه البلد لبنان كان بحق لعنة كاملة، عند ذلك لا ينجو الشاعر من الواقع الجديد، لا يبقى في استوائه واستقامته وإيجابه، لقد انقلبت الحياة عليه ونالته شرورها. عندئذ هو الذي كان إيجاباً كاملاً وإخلاصاً بحتاً وشعراً دائماً، هو الذي لم يعرف الشر يجد نفسه أمامه، يجد نفسه بين أوغاد، فلا يستحي عندئذ أن يصف نفسه بالمهرج، ويتكلم عن التهريج الذي آلت إليه حياة، لم يكن في مقدماتها ولا بواكيرها.

* شاعر وروائي من لبنان