الشارقة 24:
شهد قصر الثقافة بالشارقة أمسية شعرية جديدة ضمن فعاليات مهرجان الشارقة للشعر النبطي، بحضور بطي المظلوم مدير مجلس الحيرة الأدبي، إلى جانب جمهور كثيف من محبي الشعر النبطي والمهتمين بالمشهد الثقافي.
وشارك في الأمسية التي قدمها الإعلامي سعيد القمزي، وسط تفاعل لافت مع القراءات التي تنوّعت بين الوطني والوجداني والعاطفي، في لوحة شعرية متعددة الأصوات والاتجاهات، نخبة من الشعراء وهم راشد جمعة بن نايم “الإمارات”، الميث “الإمارات”، حارث البريكي “سلطنة عمان”، عبد الرزاق عايض “سوريا”، تماني الجازي “الأردن”، ريم الجنوب “مصر”.
لم تكن القصيدة ضيفاً عابراً، بل كانت سيدة المكان، تتقدم بخطاها الواثقة بين القلوب، وتجلس على مقاعد السمع قبل أن تستقر في الوجدان. مساءٌ نبطي بامتياز، اجتمعت فيه اللهجات كما تجتمع الأنهار في بحرٍ واحد، يحمل اسم الشعر، ويحتفي بذاكرته الحيّة.
استهل الشاعر الإماراتي راشد جمعة بن نايم مشاركته بقراءات حملت حس العتاب العاطفي، حيث بدت القصيدة عنده مساحة للمصارحة الهادئة، وقدم نصوصاً من قصائده: “اتجاهك، الديار، الهشيم، خشف ريم”، فحضر الحب بوصفه سؤالاً مؤجلاً، والغياب كظل ثقيل يرافق المشاعر، في لغة نبطية شفافة تميل إلى البوح الصادق، ومما قرأ:
اتجاهك فالهوى غير اتجاهي
كل ما شوفك عن العين اتهرّب
ليش اول يوم شديت انتباهي
لين قلبي من غلا قلبك تشرّب
ما قدرت احب خدّك وانت ساهي
كيف احبك و انت عن عيني تغرّب
انت تهوى الكِبْر و اتحب التباهي
والكِبْر هذا على قدرك يخرّب
يوم شفتك في وداد الغير لاهي
قلت خله مع هوى غيري يجرب
أما الشاعرة الإماراتية الميث، فجاءت قصائدها محملة بروح المكان والاحتفاء، حيث بدت النصوص أقرب إلى نداء جماعي يحتفي بالشارقة والشعر، و قرأت من قصائدها: “حي شرتا هب جدوايه، مهرجان الشعر، شيوخ كبار، ضبح العاديات، الوزن البهيج، بهج روحي، فتنقلت بين الترحيب والاعتزاز والوفاء، بلغة نبطية جزلة تحافظ على إيقاعها الشعبي الأصيل، فقالت:
مَرحْــــبا ملـــيُـون اْوْفَايـه
عَــــدّ ما للنّـود نـســنَاسِ
حَـــيّ شَرتا هَــبّ جَدوايـه
واْمـــتلَا باْلحــــبر كرَّاسِـي
يَطـــري اللّي زين فيْ اْلهَايه
لي تسَـــــببّ لِي بهُويَـاسي
الحشِـيــم اللّـــي مــربّـايه
نَايـــفـه ما لحْــقَتْ اْدنَاسي
من سلطنة عُمان، جاء صوت الشاعر حارث البريكي محملاً ببرودة الشتاء ودفء البوح، قدم مجموعة من قصائده: “الريح، غيابك، شتاء قلب، يحلى السهر، عقب الصيام”، حيث بدت القصيدة لديه مساحة للاعتراف الصامت، وملاذاً للألم حين يتحوّل إلى موسيقى داخلية، تتكئ على صورة وجدانية كثيفة، ومما قال:
شتاء وقلبٍ يدور له على مدفاه
برد والليل يطحن باقي عْظامي
أون وْيحسبونه لحن ما أحلاه
وما يدرون بـ انّه صوت آلامي
بكيت الحزن شعرٍ دمعتي تقراه
كتبت الصمت دمعي حبر أقلامي
نزف شعري وقلبي لحّنه وْغناه
كصوت الناي لحنه صياح أيتامي
والشاعر السوري عبد الرزاق عايض، منح الشارقة حضورًا خاصًا في نصوصه، حين قرأ من قصائده: “الشارقة، غاب طيفك، المطوع، النسب”، وجاءت القصيدة هنا أشبه برسالة محبة وامتنان، تتغنى بالمدينة بوصفها حاضنة للثقافة والشعر، وتحتفي بسيرتها الفكرية والإنسانية، وقرأ:
حنين البوح وحروف القصيد اللي يفيض شعور
تغنى شوق في دار الكرام وْجر مواله
يشارقة الادب واسمك على وجه الزمن محفور
تحيه من هوا (الفيحا )تبختر عِزّ مختاله
على وقع الوداد اللي بطا وسط الخفوق يْدور
يا كم باقي كلام وْهامش المكتوب ماشاله
فلا تكفي غناويي على ليلاك بضع اسطور
لانك من حيا وجه الزمان الذرب مشتاله
شهدنا سيرتك سيرة فكر وحكاية الدكتور
سليل (القاسمي سلطان) وجه النور بقباله
ومن الأردن أطلت الشاعرة تماني الجازي بصوت يحمل نبرة الفخر والانتماء، وقدمت قصائد: “أنا أردنية، طال الفراق، أزهرت رم، رافقتك السلامة”، وبدت القصيدة لديها مرآة للوطن، تستحضر رموزه، وتحتفي بأرضه وقيمه، في خطاب شعري واضح ومباشر، لا يخلو من حرارة المشاعر، ومما قرأت:
سلام من دار الهواشم هل البيت
دار المليك الهاشمي والمروات
دار النشامى اللي لهم طيب الصيت
الأردن اللي له مع الكل وقفات
أخذت فنجال السمو وْتقهويت
بالمدح ورموز الوفا والتحيات
وأنا بمدح أهل المكارم تغنيت
شيخ المراجل بالسنين العسيرات
بالشيخ (سلطان) وْفعوله تعاليت
رأسه تعدى فوق رأس الطويلات
واختتمت الأمسية الشاعرة المصرية ريم الجنوب، التي قدمت قصائد منها: “أهل البداوه، ترحيبة”، حيث حملت النصوص روح الترحيب والوفاء من حضرة النيل، وقدمت الشارقة بوصفها داراً مفتوحة للشعر وأهله، فجاءت قصيدتها محملة بصور الكرم والعلم والتواصل الإنساني، في لغة نبطية تنبض بالود، فقرأت:
جبت التحيه مسك يا حضرة النيل
امحمله من طيب عطر المطايب
ريحة شـذاها كنها البن والـهيـل
في دار قـومٍ مـن أعز الحــبايب
دار الفلاحي كــنها قمـــة اسهيل
الله عـطاهم من جزيل الوهـايب
عِـلْم وْكـرم وخـلاق كلها تساهيل
حتـى نـباكم هـبه الريـــح طايب
الله يديم اعيادكم يا الحــلاحيل
حبل الــتواصل للمــهمات جايب
جينا نهنى فوق صـوت المواويل
نضفى على غيث المحبه هـبايب
(الشارقه) جيتك وأنا راعية خـيل
وسرج قوافي مْحمله بالسـحايب
يشـهد لها التاريخ جـيلٍ بـثر جـيل
في ظل شيـخٍ مرتــكي للنوايب
وفي ختام الأمسية، قام عبد الله بن محمد العويس، ومحمد القصير، وبحضور بطي المظلوم، بتكريم الشعراء المشاركين، تقديراً لإسهامهم ومشاركتهم في هذه الدورة من مهرجان الشارقة للشعر النبطي، تأكيدًا على مكانة الشعر النبطي بوصفه ذاكرة حية وجسراً ثقافياً يجمع الأصوات العربية تحت سقف القصيدة.
