من عرض ديور في متحف رودان عام 2025 (جوليان دي روزا/ فرانس برس)

لم يعد حضور الأزياء في المتاحف حدثاً استثنائياً، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متنامية تعيد طرح أسئلة قديمة بصياغات جديدة. فما الذي يحدث حين تدخل الموضة، بكل ما تحمله من منطق السوق والنجومية، إلى فضاء يُفترض أنه مكرّس للحفظ والتأمل؟

أحدث تجليات هذا التحول كان عرض دار ديور للأزياء داخل متحف رودان في باريس، ضمن أسبوع الموضة في باريس الذي أُقيم بين 27 يناير/كانون الثاني الماضي و1 فبراير/شباط الحالي (للعام الرابع على التوالي)، في مشهد يختصر هذا التداخل المتسارع بين المؤسسة المتحفية وصناعة الموضة.

لا تكمن دلالة الحدث في اسم الدار وحده، بل في اختيار متحف مكرّس لأحد أعمدة النحت الحديث ليكون مسرحاً للعرض. هنا؛ لا يعود السؤال متعلقاً بجماليات الأزياء، بل بوظيفة المتحف نفسها، وهل يمنح المتحف الموضة شرعية ثقافية جديدة؟ أم أن الموضة، بجاذبيتها الجماهيرية وقدرتها على صناعة الحدث، تسحب المتحف إلى منطق الاستعراض؟

شهدت معارض الأزياء داخل المتاحف تحوّلاً لافتاً في شكلها ووظيفتها، فبعد أن كانت تقتصر على عرض القطع داخل خزائن مصحوبة بسرد تاريخي، باتت اليوم تُصمَّم بوصفها أحداثاً احتفالية. معارض مثل Alexander McQueen Savage Beauty، أو معارض الأزياء السنوية في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، لم تكتف بعرض الأزياء، بل أعادت صياغة تجربة المتحف نفسها، خصوصاً مع تزامنها مع حفل ميت غالا، إذ تتلاشى الحدود الفاصلة بين المعرض والحدث الإعلامي.

في هذا السياق، يبدو عرض ديور في متحف رودان امتداداً لمنطق يرى في المتحف منصة قابلة لإعادة التوظيف، وليس مجرد فضاء محايد. غير أنّ هذا التحول يضع المؤسسة المتحفية أمام اختبار صعب، وهو الحفاظ على دورها الثقافي والمعرفي، من دون أن تتحول إلى خلفية أنيقة لحدث عابر.

تكمن إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في طبيعة الأزياء نفسها، فهي من جهة قطع تصميم تحمل رؤية جمالية وتقنية، ومن جهة أخرى منتج مرتبط بالموسم والسوق ودورة الاستهلاك. فحين تدخل قطعة الأزياء إلى المتحف، يُفترض أن تُنزَع مؤقتاً من سياقها التجاري، ويُعاد تقديمها بوصفها جزءاً من تاريخ بصري واجتماعي.

غير أن هذا الفصل يظل هشاً، خصوصاً عندما تكون القطع المعروضة مرتبطة بعلامات لا تزال فاعلة في السوق. في هذه الحالة، يتحول المتحف إلى مساحة توازن دقيقة بين القراءة النقدية والترويج غير المعلن، وإلا باتت المؤسسة الثقافية نفسها جزءاً من منظومة العرض والاستهلاك.

رغم هذه الالتباسات، لا يمكن إنكار أن الأزياء تمتلك طاقة وثائقية كبيرة؛ فالملابس لطالما كانت مرآة لتحولات المجتمع، من علاقات الطبقة والجندر، إلى مفاهيم العمل والسلطة والتمرد. لهذا السبب، سعت معارض حديثة في أوروبا وأميركا إلى تقديم الموضة بوصفها مادة تحليلية، وليست مجرد استعراض بصري، من خلال ربط التصميم بسياقه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وحين ينجح المتحف في بناء هذا السرد، تتحول الأزياء إلى وثيقة بصرية، قادرة على قراءة الزمن الذي أنتجها. غير أنّ هذا النجاح يظل مشروطاً بوجود مسافة نقدية واضحة، تمنع اختزال الموضة في بريقها السريع.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن تغيّر طبيعة الجمهور ذاته، فزائر المتحف اليوم لم يعد متلقياً صامتاً، بل أمسى جمهوراً بصرياً نشطاً، يبحث عن التجربة القابلة للمشاركة والتوثيق. في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، تصبح المعارض أحداثاً تُستهلك عبر الصورة، وتغدو قطعة الملابس المعروضة مجرد خلفية، أما المتحف فيصبح مجرد إطار رمزي يمنح التجربة شرعيتها الثقافية.

 

تُعامل الأزياء في المتاحف بوصفها مادة أرشيفية كاملة الأهلية

يضع هذا التحول المتاحف أمام تحدٍّ مزدوج، إذ كيف تخاطب جمهوراً جديداً اعتاد منطق الحدث، من دون أن تفقد عمقها المعرفي؟ وكيف توازن بين متطلبات الصورة السريعة وبناء سرد ثقافي؟

في المتاحف الأوروبية، كما في متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، تُعامل الأزياء بوصفها مادة أرشيفية كاملة الأهلية؛ تُجمع وتُرمَّم وتُدرَس ضمن أقسام بحثية متخصّصة، وتُعرض داخل سرديات تربط التصميم بالتاريخ والعمل والتحولات الاجتماعية.

على النقيض من ذلك، لا تزال المؤسسات المتحفية العربية، تتعامل مع الأزياء الحديثة إما بوصفها هامشاً فولكلورياً، أو تتجاهلها تماماً لصالح الفنون الكلاسيكية. هذه الفجوة لا تعكس اختلافاً في القيمة الجمالية، بل تعكس اختلافاً في الوعي بدور المتحف نفسه، هل هو حافظ لذاكرة الحياة اليومية وتحولاتها، أم مجرد مخزن لرموز منزوعة من سياقها؟

يفاقم هذا الوضع غياب أرشيف مؤسّسي لتاريخ الأزياء العربية الحديثة؛ فباستثناء مبادرات فردية ومجموعات خاصة، لا توجد مؤسسات تحفظ هذا التاريخ البصري أو تدرسه بوصفه جزءاً من الذاكرة الثقافية. نتيجة لذلك؛ تغيب الأزياء العربية عن المتاحف العالمية، أو تُقدَّم في إطار استشراقي يختزلها في الاختلاف، وليس في الحداثة والتعقيد.

يبدو أن ظاهرة عروض الأزياء في المتاحف تكشف عن لحظة مفصلية في علاقة الثقافة بالسوق. فالمتحف لم يعد خارج هذا التقاطع، كما أن الموضة لم تعد تقف على هامش الثقافة. غير أن هذا التداخل يظل محفوفاً بالمخاطر، إذا غابت المسافة النقدية، وتحولت المؤسسة الثقافية إلى منصة عرض.

لا يتعلق الأمر هنا برفض دخول الأزياء إلى المتحف، ولا بالاحتفاء غير المشروط بهذا الحضور، بل بطرح السؤال الجوهري حول كيفية عرض الموضة، ولماذا؟ عندها فقط، يمكن لقطعة الملابس أن تتجاوز كونها حدثاً موسمياً، لتصبح وثيقة تستحق الحفظ والقراءة وإعادة التفكير.