منذ العام المنصرم، فاق الاهتمام بالحروب التجارية والسيطرة على المعادن والممرات البحرية، ذلك المرتبط بالنزاعات العسكرية التي يعيش العالم تحت وطأتها.

 

والترجمة الاقتصادية لهذه الحروب كانت في الارتفاع غير المسبوق لأسعار الذهب والفضة بشكل خاص، على اعتبار أنهما من الملاذات الآمنة في أزمنة عدم اليقين السياسي وتبعاته على الاقتصادات العالمية.

 

ومن هنا تظهر “العلاقة الحميمة” بين الاقتصاد وقرارات الحرب والسلم. وعبر التاريخ ارتبطت الحروب، مهما اختلفت درجتها على المقياس الجيوسياسي، بأسباب اقتصادية.

 

وعلى قاعدة أحجية “الدجاجة أم البيضة”، هل الاقتصاد يحدد مسار الحروب، أم الحرب هي التي تفرض الإيقاع الاقتصادي؟

 

عن هذا التساؤل، قدّم خبراء اقتصاديون وعسكريون، في حديثهم مع “النهار”، إجابات مختلفة، بين أن “الحروب لها آثار اقتصادية بناءة جداً على منتجي السلاح”، وأن ميزانيات الحرب “تُستمد من السنوات السابقة”، وبين أنها “عبء يُجبر الجنرالات على التراجع”.

بوصلة الاقتصاد

بين التضخم العالمي والحروب هناك “علاقة مشبوهة ومعقدة”. في بعض الأوقات يُنظر إلى الحروب على أنها أحد أسباب زيادة التضخم، نظراً إلى الأكلاف العالية وتحويل الاقتصاد من مسار النمو الطبيعي إلى خزنة لتمويل الحرب. يُضاف إلى ذلك أن الثمن قد يكون تدمير المصانع والحركة التجارية، واستنزاف الموارد، وإدخال فئة كبيرة من الناس في حالة من الفقر المادي، إلى جانب غيرها من العوامل التي تنتج عن الصراعات المسلحة.

 

في هذا السياق، يقول المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات التنموية الدكتور مصطفى يوسف، لـ”النهار”، إن “العلاقة بين رغيف الخبز وطلقة الرصاص هي علاقة عضوية لا تنفصل أبداً”. ويشرح بأن الاقتصاد ببساطة “هو البوصلة والمحرك الحقيقي لأي قرار عسكري”.

 

وعليه، يرى الأستاذ الجامعي في الاقتصاد السياسي أن أي خطة عسكرية هي في الأساس “فاتورة ضخمة”. وطالما هناك احتياطي نقدي وقاعدة صناعية “يظل نَفَس صانع القرار طويلاً”، لكن بمجرد أن يترنح الاقتصاد (تضخم، انهيار عملة، عجز)، “تصبح الحرب عبئاً يهدد الجبهة الداخلية، وهنا يُجبر الجنرالات على التراجع والبحث عن مخارج ديبلوماسية، لأن البيت من الداخل لم يعد يحتمل”.

 

لكن للجنرالات رأياً آخر. ففي حديثه مع “النهار”، يقول مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون السياسية والعسكرية في إدارة الرئيس جورج بوش، الجنرال مارك كيميت: “بحسب خبرتي، نادراً ما تُعطى العوامل الاقتصادية دوراً بارزاً في المراحل التي تسبق العمليات العسكرية. فمعظم الموارد اللازمة، كالمعدات والوقود والذخيرة، تُستمد من المخزونات الموجودة التي دُفع ثمنها في السنوات السابقة”.

 

ويتابع الجنرال كيميت، الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط سابقاً: “حتى التكاليف الإضافية للإمدادات غير المتوقعة، كالحاجة إلى صواريخ إضافية تفوق ما تم التنبؤ به وتخزينه سابقاً، لا تُشكّل سوى اعتبار ثانوي في التخطيط العملياتي الشامل”.

 

بين التضخم العالمي والحروب هناك علاقة مشبوهة ومعقدة. (أ ف ب)

بين التضخم العالمي والحروب هناك علاقة مشبوهة ومعقدة. (أ ف ب)

 

التضخم والحرب

قد يكون التضخم كذلك من الأسباب الدافعة لإطلاق الحروب، إذ تبدأ الدول في البحث عن موارد جديدة، ولو بالقوة، لإعانة اقتصادها. وفي حالة الدول الكبرى، عادة ما تلجأ أيضاً إلى زيادة إنتاجها العسكري لرفع النمو، ما يخلق سباقاً في التسلح، ما من شأنه أن يزيد من احتمال التصادم العسكري.
وعند اندلاع الحروب، تصبح الغلبة لمن يملك اقتصاداً قادراً على تحمّل التبعات؛ وهنا تصبح القوة أداة للسيطرة على موارد دول ضعيفة لإشباع الآلة العسكرية وضمان استمرارها لأطول فترة ممكنة.

 

بالعودة إلى الدكتور يوسف، المقيم في ولاية ميشيغان في الولايات المتحدة، فإن “الحرب ليست مجرد سلاح متطور، بل هي مَن يملك القدرة على الاستمرار”. ويلفت في هذا الإطار إلى أنه “إذا تعطلت سلاسل التوريد أو عجزت الدولة عن تأمين الطاقة والمواد الخام، تتحول أحدث الترسانات إلى حديد وخردة”. لذا نرى أن الخطط العسكرية تتغير فجأة من الهجوم إلى حماية الموارد الاقتصادية لضمان البقاء.

 

ويستطرد مؤكداً أن أغلب الصراعات خلفيتها اقتصادية، و”أحياناً تُعدّل الخطط بالكامل من أجل السيطرة على حقل غاز أو ممر مائي”. هنا يكون الاقتصاد هو “الجائزة التي تبرر الحرب”، أو هو “الخسارة التي تفرض وقف القتال إذا أصبحت تكلفة الدمار أكبر من أي مكسب متوقع”.

 

ويختم قائلاً: “الاقتصاد هو الذي يقرر متى تبدأ المدافع، وهو وحده من يملك كلمة السر لإسكاتها حين تصبح تكلفة الاستمرار أغلى من ثمن الانتصار”.