هكذا أرادت ماريلين نعمان أن تُسمّي حفلتها. غير أنّ ما قدّمته على المسرح تجاوز مفهوم السعادة بحدّ ذاته، ليتحوّل إلى تجربة أعمق وأصدق: رحلة إلى لبنان. لبنان الذاكرة لا الجغرافيا، لبنان الذي يسكننا أكثر مما نسكنه. (شاهدوا الفيديو)

منذ الأغنية الأولى، تحوّل الحفل إلى عودة حميمية نحو الطفولة النقيّة، إلى زمنٍ كانت فيه البيوت تُبنى من موسيقى، وتتغلغل في جدرانها أصوات تشبهها، تشبه دفئها وصدقها. وفي هدوء أدائها، تُذكّرنا ماريلين نعمان بفيروز؛ فيروز الحضور البعيد عن الاستعراض، القريب من الجوهر. هدوءٌ لا يطلب الانتباه بل يفرضه، ولا يعلو صوته لأنه واثق من أثره. وربما، في زاويةٍ ما من هذا الصمت، تفرح فيروز… تفرح لأن أغانيها تُحمل بأمانة، وبقلبٍ يعرف كيف يصونها. (شاهدوا الفيديو)

ماريلين نعمان من القلائل القادرين على الحفاظ على هذا الجوهر من دون أن يُثقَل، وعلى نقل هذا التراث بكل هيبته وشفافيته معًا. تؤدّي الأغنية وهي تُجِلّ زمنها، وتُخاطب الحاضر بلغة الذاكرة، فتجعل الماضي حيًّا لا متحفيًا، وقريبًا لا مُحنَّطًا. (شاهدوا الفيديو)

ويكتمل سحر المشهد حين نلتفت إلى الجمهور، الذي بدا بدوره مرآةً لما أشعلته هذه الأمسية من أحاسيس. مرّةً أخرى، تجاهلت ماريلين نعمان بُعد الأجيال، وحقّقت ما أرادته: فالتقت عيون الأطفال البريئة بقلوب الكبار الذين يعرفون قيمة كل نغمة. عندها، بدا الزمن وكأنه يبطئ خطاه احترامًا، فتوقّفت النغمات… لم تعبر فحسب، بل مكثت. علّقت نفسها في الهواء قبل أن تتسلّل بهدوء إلى القلوب. صوت ماريلين أعاد الحضور إلى الداخل، إلى ذلك المكان الذي يصعب تفسيره لكن يسهل الإحساس به.

وفي إحدى أكثر لحظات الحفل تأثيرًا، فاجأ الجمهور ماريلين بين نغمة وأخرى من أغنية «مش نفس الشي»، ليصبح شريكًا كاملًا في المشهد. ارتفعت أيادي الحاضرين تحمل لافتة كُتب عليها: “مش نفس الشي بلاكي” فيما أضاء كل شخص هاتفه، رافعًا قلبًا أحمر، في لوحة بصريّة مؤثّرة. قابلت ماريلين هذه المبادرة بلحظة صمتٍ وامتنان، قبل أن تهدي جمهورها في ختام الحفل وقتًا خاصًا للقاء كل واحدٍ منهم، وكأنها تُعيد الجميل فردًا فردًا. (شاهدوا الفيديو)

ما قدّمته ماريلين نعمان في حفلتها كان فعل وفاء بامتياز؛ وفاءً لفنٍّ لا يشيخ لأنه يشبهها، ووفاءً لذاكرةٍ بحثت طويلًا عمّن يحملها برفق، حتى جاءت ماريلين وحملتها بحبّ. كانت، إذًا، رحلةً تؤكّد أن بعض الأصوات لا تحتاج إلى أن تكون أعلى، يكفي أن تكون صادقة. فالفنّ الحقيقي لا يُنسى، ما دامت تحمله أصوات لبنانية صافية كصوت ماريلين نعمان.

بقلم: لين أبي  نخول