خلال الأسابيع الأخيرة، ومع تصاعد التوتر في المنطقة واستمرار التهديدات والتصريحات التصعيدية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، بشأن احتمال شن عدوان على إيران. كثّفت وسائل الإعلام الغربية والعربية (التابعة للمعسكر الأمريكي)، حملتهم الدعائية التهويلية، حول إرسال مجموعة حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” إلى محيط إيران، وأن هذا التطور يجب أن تخشى منه إيران، مؤملين نفسهم عبثاً بأن الجمهورية الإسلامية سترفع الرايات البيض سريعاً. فوفقاً لهم، يعدّ إرسال مجموعة “لينكولن” إلى المنطقة يعني أن أمريكا باتت جاهزة لمهاجمة إيران. لكن هل تكفي قدرات حاملة طائرات واحدة وعدد من المدمرات والغواصات المرافقة لها لمهاجمة دولة بحجم وإمكانات إيران العسكرية، أم أن الأمر مجرد استعراض إعلامي وتهديد فارغ؟
قدرات أمريكية محدودة
لا يخفى على أي مراقب، أن القوات الأمريكية رغم كل التقارير الإعلامية لم تعد تنتشر في منطقة غربي آسيا كما كان في السابق؛ فلم يعد هناك فرق مشاة ومدرعات كبيرة، أو قوات إنزال جوي، أو تشكيلات واسعة من قوات مشاة البحرية الأمريكية على الأرض. كما لم تعد أسراب سلاح الجو القتالية متوافرة كما كانت خلال العقد الأول من الألفية أو خلال سنوات القتال في العراق وسوريا. أما في مياه الخليج الفارسي وبحر عُمان وبحر العرب والبحر الأحمر، فلم يُرصد خلال الأشهر الماضية حضور بارز للبحرية الأمريكية، إذ تركز الجزء الأكبر من قدراتها جنوب البحر الكاريبي لفرض حصار بحري على فنزويلا.
لذا فإن إرسال مجموعة حاملة طائرات واحدة “أبراهام لينكولن”، بهدف مموه وهو مهاجمة الأراضي الإيرانية يبدو أمراً غريباً للغاية. فآخر مرة دخلت فيها البحرية الأمريكية بقدرات تضم حاملتي الطائرات “هاري ترومان” و”باتان”، الى مياه البحر الأحمر بهدف مهاجمة اليمن والقوات المسلحة المساندة للمقاومة والشعب الفلسطينيين، ومنع إغلاق مضيق باب المندب، انتهى ذلك بفشل عملياتي كبير وكامل. فقد تم إسقاط ما لا يقل عن 3 مقاتلات أمريكية من طراز F/A-18 سوبر هورنت، وكادت عدة مرّات أن تسقط طائرات F-35 في المياه، كما اقتربت الصواريخ اليمنية المضادة للسفن عدة مرات من إصابة السفن الحربية الأمريكية المتطورة. لذلك فإن الحديث الآن عن مهاجمة إيران، التي تمتلك قدرات بحرية وصاروخية مضادة للسفن هائلة، وبالاعتماد فقط على مجموعة حاملة طائرات واحدة تضم أقل من 60 طائرة مقاتلة، يبدو أقرب إلى التهديدات الإعلامية الجوفاء.
فالبحرية الأمريكية حول إيران، تمتلك قدرات في المحيط الهندي وبحر العرب (النطاق المفترض للعمليات ضد إيران)، تتوزع على الشكل التالي:
_حاملة طائرات واحدة تضم على متنها: 20 مقاتلة F/A-18E، و10 مقاتلات F/A-18F، و10 مقاتلات F-35C، و7 طائرات حرب إلكترونية E/A-18G، و4 طائرات إنذار مبكر E-2D.
_6 مدمرات من فئة “آرلي بيرك” (ميتشير، مكفول، أوستن، روزفلت، بولكلي، وإيغناتيوس).
_غواصتان هجوميتان تعملان بالطاقة النووية: “داكوتا الجنوبية” و”جورجيا”.
_سفينة قيادة واحدة، وثلاث سفن دورية ساحلية، وأربع سفن لوجستية.
وتختلف قدرات هذه القطع البحرية على حمل الأسلحة وفقاً لحجمها وطبيعة مهامها، لكنها تمتلك مجتمعة نحو 730 خلية إطلاق عمودي للصواريخ بسعة إجمالية تصل إلى 1018 صاروخاً. ومن الواضح أن جزءاً كبيراً من هذه القدرة مخصص لحمل صواريخ الدفاع الجوي من طراز SM-2 وSM-3 للدفاع الذاتي أو لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز. إلا أنها، وفق التوزيع التسليحي المعتاد، قادرة على إطلاق نحو 454 صاروخ كروز من طراز “توماهوك” لضرب أهداف برية.
وبالاستناد إلى تجارب الحروب الكبرى خلال السنوات الماضية، يتضح أن مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية لا تمتلك القدرة الكافية لتنفيذ ضربات مركزة بأقل من 50 طائرة مقاتلة، كما أنها لا تملك عدداً كافياً من صواريخ الكروز بعيدة المدى لضرب أهداف كثيرة داخل دولة واسعة المساحة، خاصة أن العديد من هذه الأهداف محمي بمنظومات دفاع جوي.
ويمكن مقارنة ذلك بحربي العراق عامي 1991 و2003؛ ففي الأولى شاركت 3 مجموعات حاملات طائرات أمريكية إلى جانب مجموعات بحرية بريطانية وفرنسية في الخليج الفارسي. أما خلال غزو العراق عام 2003 فقد دخلت 4 مجموعات قتالية كاملة للبحرية الأمريكية إلى المنطقة (تجمع في العام 1991 نحو 950 ألف جندي من مختلف دول العالم، معظمهم في السعودية، لإخراج العراق من الكويت. وفي العام 2003 بلغ عدد القوات المهاجمة، وفق الأرقام الرسمية، نحو 500 ألف جندي، بينما تشير تقديرات استخباراتية إلى أن العدد اقترب من مليون جندي).
ولو كان الانتشار الحالي مشابه لهاتين الحربين قائماً حالياً، لكان من الممكن اعتبار التهديد الأمريكي للمياه الساحلية والأراضي الإيرانية أكثر واقعية. أما نشر حاملة طائرات واحدة فقط، والتي قد تتعرض منذ الساعات الأولى لأي مواجهة لهجمات صاروخية إيرانية متطورة، فيبدو أقرب إلى الخطاب الإعلامي الذي سبق حرب الاثني عشر يوماً.
مناورات “الاقتدار” في الخليج الفارسي
هذه الخلاصة تؤكدها أيضاً نتائج مناورات الاقتدار البحرية في الخليج الفارسي، التي تم تنفيذها مؤخراً، والتي تم خلالها إثبات الجاهزية العسكرية البحرية للقوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية من خلال إطلاق صواريخ باليستية وكروز بعيدة المدى من طراز كروز “قدر 110″، “قدر 380″، “قدير”، والصاروخ الباليستي 303، من نقاط داخل عمق البلاد، حيث أصابت جميع الأهداف المحددة مسبقاً في بحر عُمان بدقة عالية وبشكل متزامن، ما أدى إلى تدميرها. وبالتزامن مع إطلاق الصواريخ، تمكنت أنظمة الطائرات المسيّرة أيضاً من مهاجمة قواعد عدو مُحاكاة وتدميرها بنجاح. كما نفذت أنظمة الدفاع الجوي المثبتة على السفن خلال هذا الجزء من المناورات تدريبات على التصدي المكثف للأهداف الجوية التي تحاول مهاجمة الزوارق السريعة والسواحل الإيرانية.
Your browser doesn’t support video.
Please download the file:
صواريخ إيرانية باليستية مضادة للسفن
ضمن عائلة صواريخ “فاتح – 110” المعروفة، توجد نماذج مضادة للسفن مثل “هرمز 1 و2” و”الخليج الفارسي”، التي تُعد خيارات فعالة للهجوم الدقيق وإشباع الدفاعات المعادية. كما زادت نسخة “ذوالفقار بصير” مدى هذه القدرات إلى نحو 700 كيلومتر، وهو مدى يقع ضمن نطاق انتشار حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”. كما يوجد نموذج آخر قد دخل الخدمة العملياتية، وهو صاروخ “قاسم بصير”، الذي يعمل بالوقود الصلب ويبلغ مداه 1300 كيلومتر، ويتميز برأس حربي قادر على المناورة لتضليل أنظمة الدفاع الصاروخي مثل “باتريوت” و”ثاد” ومنظومات الدفاع على السفن الأمريكية.
وفي أواخر العام 2023، أعلن الشهيد الفريق محمد باقري أن إيران طوّرت نموذجاً جديداً من الصواريخ الباليستية القادرة على تدمير الوحدات البحرية المتحركة، وأن اختبارات هذا الصاروخ نجحت ودخل مرحلة الإنتاج الكمي، مما جعل إيران ضمن ثلاث دول تمتلك هذه التكنولوجيا. وأضاف أن هذا الصاروخ الباليستي، بسرعة 8 ماخ ومدى 1500 كيلومتر، قادر على إصابة الأهداف المتحركة بدقة.
وفي العام 2011 أعلن الشهيد اللواء أمير علي حاجي زاده عن إطلاق صاروخين من صحراء سمنان باتجاه هدف عند مدخل المحيط الهندي على مسافة 1900 كيلومتر. كما أشار الشهيد الفريق حسين سلامي عام 2017 إلى وجود صاروخ يدخل الغلاف الجوي بسرعة 8 ماخ ويستطيع استهداف سفن متحركة، ما يشير إلى مدى يتجاوز 1500 كيلومتر.
وفي كانون الثاني/يناير 2021، نفذت القوة الجوفضائية للحرس الثوري المرحلة الأخيرة من مناورات “الرسول الأعظم 15″، حيث أُطلقت عدة صواريخ باليستية باتجاه أهداف في شمال المحيط الهندي لمحاكاة تدمير حاملات طائرات على مسافة 1800 كيلومتر، وأشارت مصادر أمريكية إلى أن أحد الصواريخ أصاب هدفاً بحرياً بينما كانت حاملة الطائرات “نيميتز” على بعد 150 كيلومتراً فقط.
ومن الصواريخ الإيرانية أيضاً صاروخ “عماد” بمدى يقارب 1700 كيلومتر، والمزوّد برأس حربي مزوّد بأجنحة توجيه لتصحيح المسار في المرحلة النهائية.
صاروخ “خيبر شكن” وصاروخ “الشهيد حاج قاسم”
يُعد صاروخ “خيبر شكن”، الذي كُشف عنه عام 2022، من الجيل الثالث للصواريخ بعيدة المدى لحرس الثورة الإسلامية، ويعمل بالوقود الصلب ويتميز بقدرة مناورة في المرحلة النهائية لتجاوز أنظمة الدفاع الصاروخي، كما انخفض وزنه وزمن تجهيزه للإطلاق بشكل كبير. ويرى بعض الخبراء أن دقة هذا الصاروخ خلال حرب الاثني عشر يوماً كانت من أسباب القلق لدى الولايات المتحدة الأمريكية والكيان المؤقت.
أما صاروخ “الشهيد الحاج قاسم سليماني”، الذي كُشف عنه عام 2020، فيزن أكثر من 7 أطنان ويبلغ طوله 11 متراً، ويحمل رأساً حربياً بوزن 500 كغ، ويصل مداه إلى 1400 كيلومتر مع دقة إصابة عالية جداً. ويصل إلى سرعة دخول الغلاف الجوي تعادل 12 ضعف سرعة الصوت، ما يمنحه قدرة على اختراق أنظمة الدفاع الصاروخي.
مهمة تعطيل حاملة طائرات تكفي
تُعد حاملات الطائرات هدفا ضخماً، إذ يتراوح وزنها بين 90 و100 ألف طن، ويصل طولها إلى نحو 300 متر وعرضها إلى أكثر من 70 متراً، وهي من أكبر السفن البحرية وأكثرها تدريعاً. ورغم ضخامة هذه الأهداف، فإن بطء حركتها نسبياً يجعل استهدافها ممكناً، لكنها تحظى بحماية كبيرة عبر سفن مرافقة وغواصات وأنظمة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات.
غير أن الصواريخ الباليستية، بسبب مسارها العالي وسرعتها فوق الصوتية عند مرحلة الهبوط، يمكن أن تتجاوز الكثير من هذه الدفاعات. كما أن سطح حاملة الطائرات يحتوي على طائرات جاهزة للإقلاع محمّلة بالوقود والذخائر، إضافة إلى أنظمة حساسة لإدارة الطيران، ما يعني أن إصابة دقيقة قد تعطل الحاملة بالكامل.
إن إدخال أجيال جديدة من هذه الصواريخ في الخدمة قد يدفع الأساطيل المعادية إلى التراجع لمسافة تصل إلى 2000 كيلومتر عن الحدود الإيرانية، ما يمنح الدفاعات الإيرانية وقتاً أكبر لاكتشاف الطائرات والصواريخ المعادية، ويجبر الطائرات الأمريكية على التزود بالوقود جواً وحمل ذخائر أقل، ويمنح المدافعين وقت رد فعل أطول.
