عندما ندخل إلى “غيتي” (Getty) ونسأل الموقع عن صور “سائق التاكسي” (Taxi Driver) قاصدين فيلم مارتن سكورسيزي، أول ما يَظهر لنا هو صور تنتمي إلى الحقيقة.

نرى مشاهد لسائقي سيارات أجرة في روما يتظاهرون في إضراب رافعين يافطات تقول “تبّاً لأوبر”. نرى صوراً في أثينا، التُقطت منتصف الشهر الماضي، في إضراب أيضاً. نرى ثالثةً في نيويورك، حيث صُوّر الفيلم، لسائق يحاول أن ينقذ سيارته الصفراء من فخاخ الثلوج المنصوبة في المدينة.

في فيلم “سائق التاكسي” الذي صدر قبل خمسين عاماً (الثامن من فبراير/شباط 1976)، نحن مع سائق يُدعى ترافيس بيكل يخوض إضرابه الخاص وحيداً (أدّى دوره روبرت دي نيرو). يصوّره الفيلم لنا بطلاً مضاداً، يحيا روتيناً نيويوركياً تافهاً.

أراد أن يصادق امرأةً لكنه أخفق؛ فقرّر الانتقام من العالم، من خلال فانتازيا اغتيال السيناتور تشارلز بالانتين المرشّح لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية. فشلت عملية الاغتيال وهرب ترافيس، وتحوّل كل هذا العنف إلى الهجوم على بيت الدعارة لإنقاذ عاملة الجنس آيرِس (جودي فوستر).

لعلّ المفارقة التي نراها اليوم في نتائج بحث “غيتي” تمثّل تجسيداً للفجوة والقرب في آن بين ترافيس بيكل والواقع. بينما يصارع سائقو الأجرة الحقيقيون مضربين من أجل رزقهم، ويقاتلون الطبيعة بثلوجها وحرّها، كان ترافيس يصارع الوجود نفسه.

وبعد مرور نصف قرن على خروج هذا العمل السينمائي من زقاق نيويورك إلى شاشات العالم، نكتشف أنَّ الفيلم ما زال فتياً، وأن الواقع قد أمسى يشبه ترافيس بيكل أكثر من أي وقت مضى. نيويورك اليوم، رغم ناطحات سحابها ومحاولات تنظيفها عبثاً، لا تزال تحمل في نوافذها تلك الرائحة التي أراد ترافيس أن تغسلها الأمطار؛ رائحة الاغتراب، والتبايُن الطبقي الفجّ، والشعور بأنَّ المدينة وحش يبتلع ساكنيه.

نيويورك في عام 2026 ليست بعيدة عن تلك التي تنتمي إلى السبعينيات وصوّرها سكورسيزي؛ فإذا كان ترافيس قد مشى في شوارع قذرة، فإن إنسان المدينة اليوم يمشي في شوارع ممتلئة بالنفايات النفسية. المدينة الآن تعيش حالة من الجحيم الداخلي الذي تجاوز كونه مكاناً جغرافياً ليصبح مزاجاً كلياً.

تلك الشوارع المبللة التي تلمع تحت أضواء النيون في الفيلم، لم تكن مجرد اختيار جمالي لمدير التصوير مايكل تشابمان، بل كانت تعبيراً عن الفيضان الذي يغرق فيه البطل. إنها تجسيد لفكرة أنَّ المدينة انعكاس للمرض الداخلي. في واقعنا الحالي، تحولت المدن الكبرى إلى مرايا ضخمة تعكس قلقنا؛ فالضجيج المستمر هو الصرخة التي يكتمها إنسان معاصر، مثل ترافيس، إذ يرى في الزحام فراغاً وفي الأضواء عتمة، لتصبح المدينة فضاءً يراقب سكّانه ببرود.

هذا الجحيم يقودنا إلى الوحدة والعزلة الاجتماعية التي بلغت ذروتها في عصرنا الرقمي. ترافيس بيكل كان يصف نفسه بأنه “رجل الإله الوحيدُ” (God’s Lonely Man)، واليوم نجد الملايين يشاركونه هذا اللقب بصمت خلف شاشاتهم. العزلة في “سائق التاكسي” نتجت عن استحالة التواصل مع البشر. ترافيس أراد أن يكون طبيعياً؛ فحاول أن يصادق امرأة، أن يندمج في المنظومة، لكنه فشل لأنَّ المنظومة نفسها مشوهة.

في عالمنا الحالي، نرى هذا الفشل يتجسد في ظواهر اجتماعية تمثّل امتداداً لتلك التي في الفيلم؛ إذ يتحول هذا الرجل المنسيّ إلى قنبلة موقوتة. العزلة أصبحت خياراً ذهنياً، فيعيش المرء في بناية تضم كثيراً من الشقق لكنه لا يعرف اسم جاره، تماماً كما كان ترافيس يعبر الشوارع المزدحمة في قلب صحراء إسمنتية.

تكمن الخطورة في أنَّ هذه العزلة والبحث عن معنى في عالم غريب، قد ينفجران في شكل عنف سياسي أو انتقامي. هنا يبرز التشابه بين فانتازيا ترافيس واغتيال السيناتور في الفيلم، وبين واقعنا المعاصر. حين ننظر إلى الرجل المتهم بمحاولة اغتيال ترامب، ريان روث (حُكم عليه بالسجن مدى الحياة)، نجد ملامح ترافيس بيكل واضحة؛ ذلك الشخص الذي يعيش في هامش الأحداث، ويشعر بأنَّ لديه رسالة عظيمة لتطهير العالم من الشر.

كذلك الأمر في حالة الشاب لويجي مانجيوني (27 عاماً)، الذي قتل الرئيس التنفيذي لشركة تأمين صحي، برايان تومسون. هنا نرى تجسيداً للبطل المضاد. مانجيوني لم يُنظر إليه في دوائر واسعة من الإنترنت بوصفه قاتلاً، بل كان مخلصاً انتقم من نظام يمتص دماء الفقراء ويستغلّهم.

هذا ما حدث مع ترافيس في نهاية الفيلم؛ فبعد مجزرته في بيت الدعارة، لم يُسجن، بل احتفت به الصحف بطلاً أنقذ طفلة. بدأ واقعنا اليوم يتبنى معايير ترافيس بيكل: العنف وسيلةً أخيرةً للتطهير، والقاتل قديساً عصرياً في مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية.

ضجيج المدن المستمر يمثّل الصرخة التي يكتمها الإنسان المعاصر

ما يجعل “سائق التاكسي” مؤثراً حتى الآن هو أسلوب السرد من داخل الذهن. استخدام المونولوغ الداخلي جعلنا سجناء في رأس ترافيس. نحن لا نرى نيويورك كما هي، بل نراها كما يراها، قذرة ومنحلة. هذا الأسلوب أمسى دليلاً في السينما، من “أميركان سايكو” (ماري هارون)، مروراً بـ”سيفين” (ديفيد فينشر)، وصولاً إلى “جوكر” (تود فيليبس).

في واقعنا الحالي، أصبحنا نمارس هذا النوع من السرد عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ نكتب يومياتنا، ونعلق على العالم، ونبني مونولوغاً يعزز انحيازاتنا لنعيش في عصر الذاتية المطلقة، فالحقيقة هي ما نراه من خلف شاشات هواتفنا (مُعادل مقود السيارة في حالة ترافيس).

حوّل سكورسيزي المُشاهد إلى شريك في الجريمة، إذ أجبره على رؤية العالم بعيني هذا الشخص المضطرب. اليوم، يمارس الواقع الرقمي الأمر نفسه، فيحبسنا في غرف صدى تجعلنا نرى أنفسنا الأبطال الوحيدين في فيلم تراجيدي طويل.