الكوميديان حمزة بهاء في أحد عروضه (صفحة الفنان على فيسبوك)
لم يعد فن الستاند أب كوميدي في مصر مجرد وسيلة ترفيهية، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة تعبير تعكس تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية واضحة، وتستقطب جمهوراً شاباً، في وقت يواصل فيه هذا الفن العمل ضمن قيود رقابية صارمة. وبين الانتشار التجاري المتزايد والحدود المفروضة على المحتوى، تتشكل ملامح مشهد كوميدي جديد يفرض حضوره على الساحة الفنية المصرية.
في بداياته، لم يكن العائد المادي لعروض الستاند أب كوميدي مجزياً، إذ كانت تُقدَّم في مساحات صغيرة مثل المقاهي والنوادي، بأسعار تذاكر منخفضة لا تتجاوز 150 جنيهاً مصرياً للفرد، لكن مع اتّساع قاعدة الجمهور، تغيّرت المعادلة الاقتصادية؛ إذ انتقلت العروض إلى أماكن أكبر، ومتخصّصة في وسط القاهرة وخارجها، مثل Garden City وThe Lemon Tree، إضافة إلى مساحات وعروض أقيمت في الصالة المغطاة في استاد القاهرة الدولي وساقية الصاوي ومسرحَي روابط والفلكي وروم أرت سبيس ومسرح هيلتون كايرو.
مع هذا التوسع، ارتفعت أسعار التذاكر لتتجاوز ألف جنيه، وقد تصل في بعض الأحيان إلى 2500 جنيه. بهذا؛ لم يعد المردود المادي يعتمد على التذاكر فحسب، إذ دخل الرعاة التجاريون بقوة إلى هذا المجال، وباتت بعض العروض تتضمن إعلانات مدمجة داخل النصوص الكوميدية، ما أضفى بعداً اقتصادياً جديداً على هذا الفن.
شهد هذا الفن دفعة إضافية خلال جائحة كوفيد-19، حين تحولت منصات الإنترنت، وعلى رأسها “يوتيوب”، إلى ملاذ أساسي لجمهور الشباب. وأسهم هذا التفاعل الرقمي في بروز أسماء جديدة وتوسيع دائرة المتابعين، ما عزّز حضور الستاند أب خارج المسارح التقليدية. ومن أبرز الأسماء في هذا المجال أحمد أمين، الذي بدأ مشواره من العروض المسرحية قبل أن يحقق نجاحاً كبيراً من خلال برامج مثل “البلاتوه”، وحقق طه الدسوقي حضوراً لافتاً بعد انطلاقه من عروض الستاند أب.
رغم هذا الانتشار، لا يخلو المشهد من تحديات، إذ تظل الرقابة إحدى أبرز العقبات. يشير الكوميديان حمزة بهاء، في حديثه إلى “العربي الجديد”، إلى أن الرقابة تفرض ثلاثة محاور محظورة هي؛ الدين والجنس والسياسة، ما يفرض على الكوميديين إرسال نصوص عروضهم إلى الجهات المعنية للتأكد من ملاءمتها وتجنّب أي محتوى قد يثير السجالات أو يعرضهم للمساءلة القانونية، ويرى بهاء أن الفن شهد تطوراً ملحوظاً رغم هذه القيود، خصوصاً مع توسّع الجمهور عبر المنصات الرقمية.
بدوره، يقول المخرج المسرحي مارك صفوت، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، إن هذا الفن طالما يملك جمهوره فسيستمر، مضيفاً أنه لا يؤيد الرقابة على الفنون لأنها تمثل قيوداً على المبدع، لكنه في الوقت نفسه يرى ضرورة وجود توازن بين الحرية الفنية والأخلاقيات العامة.
لكن الستاند أب كوميدي لا يحظى بإجماع نقدي. فالناقد المسرحي أحمد أبو العلا يرى أنه يشبه الاسكتشات التي قدمها فنانون قدامى، مثل علي الكسار ونجيب الريحاني، معتبراً أن انتشاره يعكس غياب مسرح كوميدي قوي في مصر.
يضيف، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه كان من الأفضل وجود مسرح كوميدي هادف ومسلٍّ بدلاً من الاعتماد على هذا النوع من العروض. ويرى أن المنصات الرقمية ساهمت في انتشار الفن، بينما تركّز المؤسّسات التي تستضيفه على الربحية، مستفيدة من إقبال الشباب وارتفاع أسعار التذاكر، بما يضمن استمرار العروض وتوسّعها.
ينتقد أبو العلا ما يصفه بازدواجية الرقابة، التي تضع خطوطاً حمراء صارمة أمام القضايا السياسية والدينية والجنسية، لكنها، بحسب رأيه، تتساهل مع الإيحاءات المبتذلة بحثاً عن الإضحاك، متسائلاً عن مستوى الكوميديا مقارنة بما يصفه بـ”الضحك الراقي” في الماضي.
تعود انتعاشة الستاند أب كوميدي في مصر إلى عام 2007 عبر قناة “موجة كوميدي” وبرنامجَي “100 مسا” و”ضحكني شكراً” اللذين واجها انتقادات حادة من جمهور لم يكن معتاداً على هذا الشكل من الكوميديا.
فقد تعرض برنامج “100 مسا”، الذي قدمته ميس حمدان لانتقادات بدعوى الإساءة إلى صورة المرأة المصرية، بينما انتُقد “ضحكني شكراً” بسبب سخريته من بعض الظواهر الاجتماعية وتلميحاته الساخرة حول برامج تلفزيونية كلاسيكية.
ورغم ذلك، دافع صناع البرنامجَين عن التجربة، وأشارا إلى أنها مستوحاة من تقاليد كوميدية أميركية تعود إلى خمسينيّات القرن الماضي، وأن الجمهور المصري لم يكن قد تعرّف بعد إلى هذا النوع من الفكاهة. كما كان الممثل أحمد حلمي يخطط عام 2012 لتقديم عروض ستاند أب كوميدي بالتعاون مع المخرج خالد جلال، إلّا أن المشروع لم يُنفذ، في وقت خاض فيه فنانون مثل شادي خلف وأمير عيد تجربة هذا الفن، ما أسهم في توسيع حضوره في الوسط الفني.
بالنسبة إلى الجمهور، يمثّل الستاند أب مساحة للتعبير عن الواقع اليومي بلغة ساخرة. يقول أشرف محمد، وهو طالب في المعهد العالي للفنون المسرحية، إنه يحرص مع أصدقائه على حضور هذه العروض لأنها “تتحدث بلساننا”، مضيفاً لـ”العربي الجديد” أن الضحك على الواقع أفضل من الاستسلام للإحباط.
أما كاميليا نادر، وهي طالبة علوم المسرح، فتشير إلى أنها حضرت بعض العروض وفضّلت من بينها مينا نادر وعلي قنديل، “لأنهما يناقشان الواقع من دون ألفاظ خارجة، ما يجعل العروض مناسبة لحضور العائلات”.
في ظل هذا الإقبال، يبدو أن الستاند أب كوميدي وجد مكانه بين جمهور شاب يبحث عن مساحة للضحك والتنفيس، حتى وإن كان ذلك يجري داخل حدود مرسومة بعناية.
