لطالما أثار البرنامج النووي للنظام الإيراني قلق الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في سياساتهما الخارجية. بعد كشف المنشآت النووية السرية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح هذا الملف محور المفاوضات التي أفضت إلى اتفاقية “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA). في عام 2018، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق، ومنذ ذلك الحين ارتفعت أنشطة إيران النووية وتراجعت مستويات الرقابة الدولية.

بعد الهجمات الإسرائيلية والأميركية على المنشآت النووية عام 2025، أظهرت صور الأقمار الصناعية أن النظام الإيراني يعمل على إعادة بناء المواقع المتضررة. في عام 2026، عادت المفاوضات بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني إلى الواجهة، بالتزامن مع احتجاجات شعبية واسعة داخل إيران. مع اندلاع هذه الاحتجاجات في ديسمبر (كانون الأول) 2025 وقمع الحكومة لها بشكل عنيف، أعادت الولايات المتحدة دراسة احتمال اتخاذ خطوات عسكرية. ويركز تقرير مجلس العلاقات الخارجية على تقييم القدرات النووية والصاروخية للنظام الإيراني.

الفاصل الزمني حتى إنتاج السلاح النووي

لا يمتلك النظام الإيراني سلاحاً نووياً حتى الآن، لكن البنية التحتية الفنية والصناعية اللازمة لإنتاجه متوفرة إلى حد كبير. وفق تقديرات الاستخبارات الأميركية، يمكن للنظام الإيراني خلال بضعة أشهر إنتاج كميات كافية من المواد الانشطارية اللازمة للسلاح. بعض التقديرات تشير إلى أن إنتاج المواد الأولية قد يستغرق أسبوعاً إلى أسبوعين فقط، رغم أن تحويل هذه المواد إلى رأس نووي قابل للاستخدام يحتاج إلى وقت أطول.

كان الهدف من اتفاقية “خطة العمل الشاملة المشتركة” زيادة هذا الفاصل الزمني إلى عام على الأقل، لإتاحة الفرصة للدول لاتخاذ الإجراءات اللازمة. بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في 2018، رفعت إيران مستوى تخصيب اليورانيوم، وتقلص وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأُجريت آخر عمليات تفتيش كاملة في عام 2021.

1142798-1050264535.jpg

يسير الناس بالقرب من مركبة إطلاق صواريخ باليستية في طهران خلال مسيرة بمناسبة الذكرى الـ47 لـ “الثورة الإسلامية” (أ ف ب)​​​​​​​

 

أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في ديسمبر 2024 أن إيران رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى نحو 60 في المئة، مستوى يقترب من عتبة 90 في المئة اللازمة لوقود السلاح النووي. وأظهر تقرير الوكالة في مايو (أيار) 2025 أن مخزون اليورانيوم المخصص للسلاح زاد بنحو 50 في المئة خلال عدة أشهر، وهو ما يكفي لإنتاج نحو عشر قنابل نووية.

وأفادت المعلومات الأميركية في أوائل 2025 بأن فريقاً سرياً من العلماء يعمل على تطوير طريقة أسرع، وإن كانت أبسط، لصناعة القنبلة. ويعد هذا التراكم في المخزون والقلق من تقليص زمن “الهروب النووي” أحد الأسباب التي أعلنت الولايات المتحدة أنها دفعتها إلى هجومها على المنشآت النووية للنظام الإيراني في عام 2025. وعلى الرغم من إعلان تدمير هذه المنشآت، تظهر صور الأقمار الصناعية أن بعضها لا يزال قيد إعادة الإعمار.

تجري إيران أنشطة مرتبطة بدورة الوقود النووي في أكثر من عشرة مواقع داخل البلاد. ويعد مركز نطنز أهم مواقع التخصيب، وقد تضرر في الهجمات التي وقعت عام 2025. أما محطة الطاقة النووية الوحيدة لإنتاج الكهرباء فتقع في بوشهر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير صدر في مايو 2025 بأن النظام الإيراني قام بأنشطة نووية غير معلنة في ثلاثة مواقع لم تكن معروفة سابقاً، هي: لويزان (شيان) وتورقوزآباد وورامين. وأدت هذه التقارير إلى استمرار الشكوك حول الأبعاد العسكرية المحتملة للبرنامج النووي الإيراني.

القدرات العسكرية والصاروخية الإيرانية

يمتلك النظام الإيراني مجموعة متنوعة من القدرات الصاروخية. ويقول محللون استخباراتيون أميركيون إن إيران تمتلك أكبر ترسانة صواريخ باليستية في الشرق الأوسط. تتحرك الصواريخ الباليستية على مسار منحنٍ في الغلاف الجوي، وهي أسرع بكثير من الطائرات المسيرة وصواريخ كروز، وغالباً ما يكون من الصعب اعتراضها.

وذكرت التقارير أن صواريخ إيران بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى أهداف على مسافة تصل إلى 2000 كيلومتر أو أكثر، تشمل معظم أنحاء الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا. وبحسب خبراء التسليح، فإن الرؤوس الحربية التقليدية الكبيرة في البيئات الحضرية المكتظة يمكن أن تتسبب بمقتل أو إصابة المئات.

في هجمات عام 2024، استهدفت إيران إسرائيل بشكل مباشر للمرة الأولى. شملت الهجمة الأولى طائرات مسيرة وصواريخ، وكان هناك وقت كافٍ لاعتراضها بسبب التحذير المسبق. أما الهجمة الثانية في أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام فتمت بشكل أساسي باستخدام صواريخ باليستية وبدون أي تحذير، ووصلت إلى أهدافها خلال دقائق معدودة. وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن أكثر من 30 صاروخاً أصابت قاعدة جوية في جنوب إسرائيل، مما يشير إلى أن إسرائيل إما قررت عدم اعتراض هذه الهجمات، أو أن منظوماتها الدفاعية فشلت في صدها.

ويحذر محللون من أن الهجمات المستقبلية قد تكون أكبر وأكثر صعوبة في الاعتراض، خصوصاً إذا استخدم النظام الإيراني صواريخ متقدمة مثل “فتاح-1″ و”خيبر شكن” بشكل أكبر.

ما هي تداعيات امتلاك النظام الإيراني للسلاح النووي؟

يحذر خبراء السياسة الخارجية من أن امتلاك النظام الإيراني للسلاح النووي سيشكل تهديداً مباشراً لإسرائيل، ويزيد من تعقيد المصالح الأميركية وشركائها في منطقة الشرق الأوسط. ويخشى بعض المحللين الإقليميين أن إيران النووية قد تتصرف بجرأة أكبر، وتتبع سياسة خارجية أكثر عدوانية، ليس فقط في المنطقة، بل أيضاً عبر توسيع تعاونها العسكري والاقتصادي مع كل من الصين وروسيا. وقد زودت إيران روسيا بأنظمة تسليحية متنوعة، تشمل الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية قصيرة المدى، لدعم عملياتها في الحرب الأوكرانية.

كما تثار مخاوف من أن امتلاك إيران للسلاح النووي قد يدفع دولاً أخرى في المنطقة إلى السعي لتطوير أسلحتها النووية، ما يهدد باندلاع سباق تسلح نووي خطير.

رغم استمرار المفاوضات في سلطنة عمان، يصف الخبراء الطريق أمامها بأنه محفوف بالتحديات. وكتب رئيس مجلس العلاقات الخارجية، مايكل فرومن، بعد هجمات العام الماضي، قائلاً إن “المفاوضات المقبلة ستواجه عقبات كبيرة، بما في ذلك احتمال تغيير موقف ترمب أو إلغاء الاتفاقيات القائمة، بما فيها تلك التي أبرمها بنفسه”. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد صرح العام الماضي برغبته في تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، لكنه قبل مفاوضات فبراير (شباط) الجاري، خفف من شروطه المتعلقة بعدم امتلاك إيران للسلاح النووي. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، قال لصحيفة بوليتيكو: “لقد حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في طهران”.

ويرى الخبراء النوويون أن إيران سترفض بشكل قاطع تفكيك منشآتها النووية بالكامل، خصوصاً وأن البرنامج أصبح أحد أهم أوراق القوة الجيوسياسية لطهران بعد تراجع نفوذ كثير من قواتها بالوكالة في المنطقة.

وأشار فرومن إلى أن إمكانية الوصول إلى تسوية متوازنة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني تعتمد بشكل كبير على استعداد إدارة الرئيس ترمب لتخفيف العقوبات الاقتصادية. وأضاف أن السؤال الأساسي هو ما إذا كان الاتفاق سيحظر برنامج تخصيب اليورانيوم بالكامل أم سيقتصر على تقييده فقط، وإذا كان الخيار الأخير، فما مدى تحسنه مقارنة بالاتفاق النووي الذي عُقد عام 2015 والذي يُعرف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA).

نقلاً عن “إندبندنت فارسية”