Published On 14/2/202614/2/2026
|
آخر تحديث: 07:32 (توقيت مكة)آخر تحديث: 07:32 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
في اليوم الأول من دورة مهرجان برلين السينمائي لعام 2026، لم تكن الحكاية الكبرى تُكتب على شاشات العرض المجهزة بأحدث التقنيات البصرية، بل كانت تنفجر بعنفوان غير مسبوق من فوق منصة المؤتمر الصحفي المخصص للجنة التحكيم الدولية.
المهرجان الذي يُعرف تاريخيا بأنه الرئة السياسية للمهرجانات الكبرى، وجد نفسه منذ ساعات الصباح الأولى أمام اختبار حاد، حيث تحول الافتتاح إلى ما يشبه “المحاكمة المفتوحة” التي وضعت شعارات المهرجان حول حرية التعبير واستقلال الفن في مواجهة مباشرة مع المأساة المستمرة في غزة.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
وهي المواجهة التي لم تتوقف عند حدود السجال الفكري، بل تحولت إلى زلزال من الانسحابات الجماعية التي هزت أركان المهرجان.
فيندرز والسياسة
بدأت اللحظة المفصلية التي صبغت اليوم الأول بلون الجدل السياسي الصارخ عندما وُجهت أسئلة مباشرة للجنة التحكيم حول موقف المهرجان، ومن خلفه الدولة الألمانية، من الحرب المستمرة على غزة والضغوط التي تتعرض لها المؤسسات الثقافية في هذا الملف.
في تلك اللحظة، قدم المخرج الألماني ورئيس لجنة التحكيم، ويم فيندرز، إجابة لم تكن لتمر مرور الكرام في مدينة مثل برلين، حيث قال بلهجة حملت الكثير من الحذر الممزوج بالرغبة في تحييد المنصة: “علينا أن نبقى خارج السياسة، لأننا إذا صنعنا أفلاما سياسية بشكل مقصود، سندخل مجال السياسة، بينما نحن في الحقيقة الثقل الموازن لها”.
فيندرز، الذي يمتلك تاريخا سينمائيا حافلا بالبحث عن الهوية والإنسان، استكمل صياغته التي تحولت خلال ساعات إلى عنوان عالمي للقطيعة بين الفن والواقع قائلا إن الأفلام يمكن أن تغيّر العالم لكن ليس بطريقة سياسية، مشددا على أن أي فيلم لم يغير حقا فكرة أي سياسي، لكن السينما يمكنها تغيير فكرة الناس عن كيفية العيش.
لم يقتصر الأمر على تصريحات فيندرز، بل تدخلت المنتجة البولندية إيفا بوششينسكا، عضوة لجنة التحكيم، لتدعم هذا الاتجاه الذي يميل إلى إبعاد الفن عن الاشتباك المباشر مع اللحظة الراهنة، واصفة الأسئلة الموجهة للجنة بأنها معقدة وغير عادلة قليلا.
المخرج الألماني ويم فيندرز رئيس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي 2026 (غيتي إيميجز)
وزادت البولندية بوششينسكا من حدة الجدل بتصريحات اعتبرها كثيرون مستفزة، إذ قالت إن اللجنة لا يمكن تحميلها مسؤولية قرار أي شخص بدعم إسرائيل أو فلسطين. كما أشارت إلى وجود العديد من الحروب التي تشهد جرائم إبادة من دون أن يتناولها المهرجان، وهي عبارات رأى متابعون أنها تسعى إلى تمييع خصوصية المأساة الفلسطينية عبر وضعها في إطار تعميمات سياسية واسعة.
ما زاد من قتامة المشهد في اليوم الأول لمهرجان برلين هو الحادثة التقنية المريبة التي وقعت أثناء البث المباشر للمؤتمر، حيث نقلت وكالة رويترز أن البث انقطع فجأة بعد طرح الأسئلة المتعلقة بغزة مباشرة، مما دفع الصحفيين لاتهام المهرجان بممارسة الرقابة الممنهجة.
ورغم اعتذار الإدارة وإرجاع الأمر لمشكلات فنية، إلا أن الشك تغلغل في نفوس المتابعين حول ما إذا كانت هناك خطوط حمراء غير معلنة تتعلق بالملف الفلسطيني.
هذا الارتباك مهد الطريق لرد الفعل الأكثر درامية، والذي جاء من الكاتبة الهندية العالمية أرونداتي روي، التي أعلنت انسحابها الصادم من المهرجان واصفة تصريحات لجنة التحكيم بأنها مذهلة إلى حد الصدمة وغير مقبولة، مؤكدة أن القول بأن الفن لا يجب أن يكون سياسيا هو وسيلة لإغلاق النقاش حول جريمة ضد الإنسانية تقع في الزمن الحقيقي.
صناع الأفلام العرب
لم يتوقف زلزال الانسحابات عند أرونداتي روي، بل امتد ليشمل الطليعة من صناع الأفلام العرب والفلسطينيين الذين اعتبروا أن لغة التوازن هي في الحقيقة انحياز للصمت.
أعلن عدد من المخرجين الفلسطينيين المشاركين في أقسام المنتدى (Forum) والبانوراما (Panorama) سحب أفلامهم احتجاجا على فشل المهرجان في توفير مساحة حرة للتعبير عن معاناتهم، وانضم إليهم مخرجون من مصر ولبنان والأردن.
وأكد المخرجون المنسحبون في بيانات متلاحقة أن المناخ في برلين أصبح خانقا ولا يسمح بتعاون ثقافي حقيقي.
وتزامن هذا مع تحركات نشطة لحركة “سترايك جيرماني (Strike Germany)” التي دعت المبدعين الدوليين لمقاطعة المؤسسات الثقافية الألمانية، مما أدى لانسحاب فنانين من أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وسحب أعمالهم من المعارض الجانبية للمهرجان مثل المنتدى الموسع.
السوق الأوروبية
هذا الضغط الجماعي تمدد ليصل إلى سوق الفيلم الأوروبي (European Film Market)، الجناح التجاري الضخم لمهرجان برلين، حيث أغلقت شركات توزيع مستقلة منصاتها وألغت اجتماعاتها احتجاجاً على خطاب الإدارة، مما أصاب الحركة التجارية للمهرجان بشلل جزئي.
وضعت الانسحابات مهرجان برلين في مأزق غير مسبوق، فالمهرجان الذي يفتخر بكونه بيت السينما السياسية وصوت الشعوب المقهورة، يواجه اليوم أزمة شرعية حادة، إذ فقد في يومه الأول ثقة أهم رموزه من الفنانين الملتزمين لصالح الحفاظ على علاقة هادئة مع الممولين والسياسة الرسمية الألمانية.
كشفت غزة في اليوم الأول لمهرجان برلين أن الصمت في مدينة مثل برلين ليس حياداً، بل هو موقف سياسي بحد ذاته يُسمع ضجيجه في كل أنحاء العالم، لتظل الأسئلة معلقة حول قدرة المهرجان على استعادة مصداقية مهدورة تحت وطأة الحسابات السياسية والرقابة الضمنية.
