تبدو أشرطة الإعلان القصيرة التي تروّج المسلسلات السورية بمناسبة قرب الموسم الرمضاني ثرية فنيّاً، مع وجود شبه اتفاق على الخروج بالكاميرا إلى أرض الميدان، حيث دخلت إلى المدن المهدّمة والمعتقلات التي ضمّت آلاف السجناء، واعتمدت على نصوص من دون الحاجة إلى أية مواربة، وقد استفادت الدراما من رحيل الرقيب القديم عن المشهد إلى الأبد.
حازت الدراما السورية حضوراً سياسيّاً تفاوتت قيمته منذ خروج المسلسل السوري من محليّته إلى الأفق العربي، واستحسان المشاهد العربي الإنتاجات السورية، حتى أُدرِجَت ضمن الموسم الرمضاني بشكل واسع. قبل انطلاق الثورة، كانت السياسة موجودة بشكلها المرمز والمحاط بقدر من التشفير بحسب المرحلة ومتطلبات السلطة، عندما كانت أجهزة الرقابة قوية تمتلك ذراعاً طويلةً قادرة على إيقاف المسلسل، وتستطيع الذهاب أبعد من ذلك، فكان المنتج حريصاً على تقديم أعمالٍ لا تزعج “مساعدي” الأمن الحساسيين. وتمسّكت الدراما السورية فترة ملحوظة بالتاريخ، واستدعت كثيرين من شخصياته وأحداثه الغزيرة، وقدّمتها برؤيتها الخاصة. ويمكن أن تندرج مسلسلات البيئة الشامية ضمن موجة التراث الذي مكّن المخرج من أن يلتحف به لإخفاء أية صلة بالحاضر. وتحت تلك العباءة، كانت الدراما تحاول تقديم ما هو سياسي مموّها بالتوريات الزمانية. وفي أحيان أخرى، افتعلت الدراما بعض الجرأة، وقدّمت أعمالاً تتناول مؤسّسات الأمن والجيش مع تخريجات درامية، بحيث لا تسيء كثيراً إلى تلك المؤسّسات التي كانت تمسك أنفاس الجميع، فقدّمت “رجلاً فاسداً” ضمن بيئة أمنية، من دون أن تنسى أن تقدّم مقابلاً نزيهاً من المؤسّسة نفسها. ورغم القيمة السياسية المنخفضة لهذا النوع من المسلسلات، إلا أنها كانت الوسيلة المتاحة لمقاربة عمل أجهزة النظام وآلية عمله.
مع قيام الثورة السورية ضد بشار، نشطت الأجهزة الأمنية ووظفت المؤسّسات الحكومية لتصنيف الأعمال والممثلين، ومارست ضغوطاً كبيرة على شركات الإنتاج المحلية وبعض العربية، فشهدت الأعوام الأولى من الثورة انحساراً درامياً كبيراً، وهاجر كثيرون من الفنانين السوريين إلى خارج القُطر، ومنهم من كانوا موالين للسلطة، أو من اتخذوا موقفاً رماديّاً صامتاً، وخلت الساحة المحلية إلا من ممثلين قليلين استسلموا إلى دراما سقيمة، أعادت تراث السبعينيات والثمانينيات الذي لم يخلُ من رسائل موجهة تدعم سردية السلطة، وارتفع منسوب الحذر لدى منتجين آخرين، وفضّل بعضهم الانزواء على هامش الحدث، ففشلوا في مقاربة الواقع، ولكن توسيع دائرة القتل وتحوّل سورية إلى جبهات وساحات حروب، اضطرّ المنتج إلى تصوير المعاناة المعاشية نتيجة الحصار أو التشتت الأسري، وتطرّق إلى مواضيع الهجرة وتفكّك العائلة، وهي الآثار الجانبية للحدث الفعلي الذي حرصت الدراما كثيراً على تجنّبه، فما زالت قبضة الرقيب قوية، بل أصبح أكثر شراسةً ولؤماً، فهرب المزيد من الفنانين إلى الجوار في لبنان ومصر والخليج، وربما كانوا سبباً رئيسياً في ظهور المسلسلات العربية المشتركة، وظهر الممثل السوري في هذه الدراما يدور في فلك مختلف. وبعد عام 2020 صاحب الركود العسكري في سورية هدوءٌ درامي مماثل، مع تكريس نجوم الصف الأول وشحّ الفرص لبروز جيل جديد، وظهرت مسلسلاتٌ تحدثت بلهجة تعب من كل ما حدث ورغبة في الراحة أو التفرغ لإعادة بناء ما تهدم مع مبالغة في الحرص على عدم مواجهة السلطة بأية طريقة.
اللافت اليوم أن الممثل الذي كان يظهر على إعلام النظام محاولاً تبييض سجلّه، تجده في موسم رمضان المقبل بأدوار لا تناسب، أو تناقض، مواقفه السابقة، مجسِّداً شخصيةً لأحد ضحايا نظام الأسد، أو سجيناً تطبّق عليه أقسى أنواع العقوبات، وجرى انزياح كبير في المواضيع المطروحة، وقد أحسّ الكتّاب بالراحة والطمأنينة، وقد نكون على حافة انفجار درامي سوري هائل، يُخرج كل ما كُبِت أكثر من نصف قرن. ولدى المهتمين حالياً مادة توازي حجم محيطٍ تصلح لأن تكون أداة تخدم المعرفة والتوثيق.
