جاء احتفال مركز نوار للموسيقى في القاهرة بالذكرى الخامسة والستين لرحيل الشيخ زكريا أحمد (1896 – 1961)، ليقدم برهاناً جديداً على زيادة اهتمام الشباب والأجيال الجديدة بالموسيقى الشرقية التقليدية، وبالمدرسة التي تجعل الطرب هدفاً رئيساً أو وحيداً للغناء.
المختارات التي قدمها الحفل، والتجاوب الجماهيري الكبير مع المطربين والعازفين ومع قطع لحنية يصل عمر بعضها إلى 100 عام، أثبتا أن نهج الشيخ زكريا ما زال يحظى بجمهور من المعجبين والمقدرين، وأن دائرة هذا الجمهور تتسع باطراد، وأن هذا النمط من الألحان ينال فوراً إعجاب المستمعين على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم، بشرط وحيد يتمثل بحسن العرض، أداءً وعزفاً، وهو ما نجح فيه مركز نوار، من خلال فرقة الأفندية التي أسسها ويقودها المطرب الشاب محمد ربيع.
على المسرح، جلس عدد من أكفأ المطربين والعازفين، يتصدرهم الفنان طارق بشير، الذي جاء خصيصاً من لندن إلى القاهرة، قبيل أيام من الحفل، لأجل تنظيم البروفات اللازمة، والتعاون مع الفرقة في اختيار عدد من أهم ألحان الشيخ زكريا، مع حرص واضح على أن تكون المساحة الأكبر لتلك الألحان التي لم تحظ بشهرة، ولم تنل ما نالته ألحان الشيخ لأم كلثوم من جماهيرية. حرص المنظمون على التنوع الشكلي في القطع المختارة، فضمنوها عدداً من الموشحات والأدوار والطقاطيق، والأغاني الفكاهية المسرحية.
وفي ما يشبه المفاجأة، استهلت الفرقة غناءها بتوشيحين دينيين مما لحن الشيخ زكريا، وهما: “ما شممت الورد إلا زادني شوقاً إليك”، و”مولاي كتبت رحمة الناس عليك فضلاً وكرم”، وهما من أشهر الأعمال الدينية التي كان يؤديها كبار المنشدين، من طبقة طه الفشني ومحمد الفيومي وعبد السميع بيومي ونصر الدين طوبار. حرصت الفرقة على تقديم النصين من دون مصاحبة آلية، كما هو معتاد من أعلام الإنشاد الديني.
أدّى أعضاء الفرقة دور الكورال أو البطانة، التي تؤدي اللحن الموضوع، وتصدى المطرب طارق بشير لدور المنشد الأساسي الذي يبدع بالارتجال الفوري، ويسهل عملية التسليم والتسلم. تكتسب هذه الفقرة أهمية كبيرة في ظل حالة الضعف العام التي تهيمن على فرق الإنشاد الديني، إذ يخلط أعضاؤها بصورة شبه كاملة بين ما هو ملحن وما هو مرتجل، ويظنون أن الانتماء إلى التراث القديم، يعني اجتراره واستنساخه، وتحويل الارتجالات العفوية إلى ألحان ثابتة. نجح طارق بشير مع فرقة الأفندية في تجنب هذا الفخ الأدائي السقيم، وتقديم ارتجالات طازجة، ولدت من رحم اللحظة النغمية.
بعد الإنشاد الديني، انتقلت الفرقة إلى مختارات من أنفس ما لحن الشيخ زكريا بدأتها بعدد من الموشحات، مثل “يا بعيد الدار” و”بنت كرم”. غلب على هذه الفقرة أداء جماعي حافظ خلاله “الأفندية” على الميزان الإيقاعي بأفضل صورة.
وبالطبع، كان لأدوار الشيخ زكريا مساحة من وقت الحفل. واستهلت الأدوار بـ”إمتى الهوى ييجي سوا”، وهو من أشهر ألحان زكريا أحمد لأم كلثوم، وأداه المطرب السوري غزوان زعيم، عضو منتدى الاثنين الثقافي الموسيقي بمدينة حماة، في ظل أجواء طربية واستحسان جماهيري واضح، ثم توالت الأدوار: “علم الوصول”، و”يا جريح الغرام”.
أداء الموشحات والأدوار لفت الحضور إلى عازف الإيقاع إبراهيم مسلماني، وهو موسيقي حلبي، تمرس بتأسيس وإدارة عدد من المبادرات الموسيقية، المهتمة بإحياء تراث الموشحات، والقدود الحلبية، وتعليم الإيقاعات إلى الشباب وعازفين الجدد. في عام 2024، أطلق مسلماني ألبوم “أنفاس من حلب”، بدعم برنامج المنح الإنتاجية لمؤسسة المورد الثقافي ومؤسسة نفس.
جاء مسلماني من مدينة غازي عنتاب التركية إلى القاهرة خصيصاً للمشاركة في حفل “الأفندية” المخصص لذكرى الشيخ زكريا، واختار دور العزف على الرق، بأسلوب يوازن بين إظهار شخصية الإيقاع وما يضيفه من زخارف وحلايا.
يرى كثير من النقاد ومحبي الطرب الشرقي، أن زكريا أحمد كان صاحب النصيب الأكبر في تطوير قالب الطقوقة، وإكسابها ثراءً لحنياً وتعبيراً منذ مطلع ثلاثينيات القرن الماضي. لذا، حضرت الطقطوقة في الحفل حضوراً لافتاً، وتبارى أعضاء الفرقة في غناء مختارات من إبداع شيخ الملحنين، أدى غزوان زعيم طقوقة “غنيلي شوي شوي”، وقدم مؤسس الفرقة محمد ربيع طقطوقة “يا صلاة الزين”، وكذلك طقطوقة “يا حلاوة الدنيا”، وشدا طارق بشير بطقطوقة “الورد الجميل”. كذلك كان للغناء النقدي الاجتماعي مكانه في الحفل، فغنى بشير “أي وقت البرنيطة” و”هتجن يا ريت يا اخوانا”.
وكل ذلك قبل أن يتقاسم أعضاء الفريق تأدية أغصان طقطوقة “أنا في انتظارك”، التي بلغ الحفل معها ذروته الطربية. جمع أعضاء الفرقة في غنائهم بين روح أداء الشيخ زكريا أحمد وطابع شخصي ميز أداء كل فرد منهم.
وبسبب ابتعادهم عن الاجترار والاستنساخ، اشتمل غناؤهم على كثير من المفاجآت الأدائية التي تجاوب معها الجمهور تجاوباً استثنائياً، وصل في بعض الأحيان إلى مشاركة جميع الحاضرين في غناء المذهب المتكرر، فيصبح الجمهور كله جوقة تعرف متى تردد ومتى تترك الميدان للمطرب الأساسي.
حضر الصوت النسائي متمثلاً بالمطربة لميس أمين. وبالرغم من أن صوتها أقرب إلى صوت مطربات الأوبرا، إلا أنها نجحت في تقديم عدد من ألحان الشيخ زكريا، وأصرّ الجمهور على تكرار مشاركاتها. وبأدء تمثيلي، قدمت أمين أغنية الفوازير “قولي ولا تخبيش يا زين”، لكن مفاجأتها الكبيرة تمثلت بأدائها طقطوقة “إوعى تكلمني بابا جاي ورايا”، وهي من أغاني العشرينيات التي وصفت بأنها تتسم بالخفة، أو بكلمات تتعارض مع “القيم المجتمعية”. مثل هذه الأعمال تعرضت عبر عقود طويلة لنبذ فني، ولم يعد ممكناً تقديمها على مسارح الأوبرا أو وزارة الثقافة.
لكن طارق بشير، ومركز نوار، وفرقة الأفندية، ينتمون إلى تيار فني يرفض إصدار أي أحكام قيمية على الأعمال الغنائية. ويرون أن هذه الطقاطيق شكلت جزءاً مهماً من المشهد الغنائي بعد سنوات الحرب العالمية الأولى وخلال عقد العشرينيات كله.
لا يمكن فهم هذه الفترة إلا بدراسة هذه الأعمال، وفهم سياقاتها الاجتماعية، وأسباب انتشارها، بل وإعادة تقديمها لفهم الأساليب التلحينية التي شاعت في هذه الحقبة، بغض النظر عن المضامين التي تحملها الكلمات.
مثلت الحالة الطربية التي غلبت على الحفل فرصة سانحة للعازفين، الذين تباروا في تقديم ارتجالات بديعة، كان من أبرزها ارتجالات القانون التي قدمها العازف السعودي محمد العربي، وأيضاً ارتجالات التاي التي قدمها العازف رامي شمروخ، وأيضاً ارتجالات العود التي قدمها العازف أحمد وجيه.
قال المطرب والعازف طارق بشير لـ”العربي الجديد” إن الفرقة حرصت على أن يدرك الجمهور أن ألحان الشيخ زكريا أحمد للسيدة أم كلثوم تمثل جزءاً من مسيرة الرجل، لكن رصيده الفني أكبر كثيراً من تعاونه مع سيدة الغناء. فالرجل من أكبر من صاغوا الألحان المسرحية، والغناء الاجتماعي، وله عشرات الأدوار، ومئات الطقاطيق. كذلك فإنه امتلك دوماً أسلوباً خاصاً في الغناء، وقدرة هائلة على الإطراب.
وأكد مؤسس مركز نوار للموسيقى ومديره، محمد ربيع، أن حالة الاندماج الكامل بين العازفين والمطربين هي أهم أسباب نجاح الاحتفالية. وأشار ربيع إلى أن كثيراً من العازفين هم من الهواة، ومحبي الطرب، وليسوا من المحترفين المتفرغين. وضرب مثلاً بعازف القانون، محمد العربي، وهو طالب سعودي يدرس الطب في القاهرة، أو أحمد وجيه، عازف العود الذي يدرس الهندسة، أو كيرا، عازفة التشيلو الأميركية، التي أتقنت الأبعاد الشرقية لشغفها الشديد بالتراث الموسيقي الكلاسيكي.
تزداد أهمية احتفالية مركز نوار بذكرى الشيخ زكريا أحمد عند الانتباه إلى أن الرجل لا مكان له على خريطة حفلات المسارح الرسمية، إذ أقصى ما يمكن أن يحصله المهتم من هذه المسارح أن يستمع إلى لحن من ألحان الشيخ ضمن باقة متنوعة من أغاني أم كلثوم مثلاً.
ومن النادر جداً أن تقدم دار الأوبرا أو مسارح وزارة الثقافة ليلة كاملة للشيخ زكريا، كما تفعل مع أم كلثوم، أو عبد الوهاب، أو فريد الاطرش، أو بليغ حمدي، أو محمد الموجي، أو محمد فوزي. ومن الواضح أن القائمين على هذه العروض الموسيقية يختارون ما يظنون أنه مضمون النجاح تجارياً، ويسهل الاستعداد له عملياً.
لا ريب أن اختفاء زكريا أحمد من على المسارح، والعروض المباشرة، ينشئ حالة من الانقطاع بينه وبين الأجيال الجديدة. كذلك تزداد المسألة تعقيداً عند إدراك أن تراث الشيخ زكريا أحمد سيحتاج إلى قدرات صوتية وأدائية لا يملكها أغلب من يتصدرون المسارح الرسمية، بل يحتاج تراث الشيخ إلى مطرب تشرّب تلك الأساليب الغنائية المشيخية القوية، وامتلأت نفسه بها، وتمرس بسماعها قبل غنائها.

سينما ودراما
التحديثات الحية
“الست” بعين مروان حامد… أم كلثوم التي اخترعها أحمد مراد
تمثّل احتفالية مركز نوار بذكرى الشيخ زكريا أحمد في جوهرها فعلاً إيجابياً ضد التنميط الذي أصاب الذائقة العامة، وإدانة ضمنية للمؤسسات الرسمية التي حصرت التراث في قوالب الاستهلاك التجاري. أثبت هذا الحفل أن عبقرية زكريا أحمد لم تكن يوماً حبيسة الحنجرة الكلثومية، ولكنها مدرسة تضرب بجذورها في أعماق التربة المصرية، وتتفرع لتشمل الوجداني والديني، والساخر والاجتماعي.
وما الحضور الطاغي لجيلٍ من الشباب العازفين والمطربين من جنسيات عربية وأجنبية متنوعة، إلا دليلٌ قاطع على أن تراث الشيخ زكريا قادر على إدهاش المستمع المعاصر متى ما وُجدت الأمانة الأدائية التي تعيد بعث الروح في النغم لا مجرد استنساخ هيكله.
