نادرًا ما تُقاس النجومية في البوب العربي بقدرة الفنان على الاختفاء. فصناعة الموسيقى تقوم على الحضور الدائم والتصريحات وصناعة الجدل. فمن دون هذه العناصر، يبقى الفنان على الهامش.
باسمة واحدة من هذه الحالات الاستثنائية؛ فنانة ارتبط اسمها بسلسلة من الهيتات التي ستبقى في الذاكرة، من دون أن تتحول هي نفسها إلى مركز المشهد. فهي مغنية لم تكن تسعى لاحتلال الواجهة ولم تكن صدامية، بل كانت صوتًا خفيفًا مرّ عبر مرحلة مفصلية من البوب اللبناني وأسهم في رسم ملامحها، ثم انسحب بهدوء عندما تغيّرت شروط اللعبة. من هنا، لا يُطرح السؤال: لماذا اختفت باسمة؟ بل: كيف نجحت؟ وكيف اختبأت خلف هيتاتها؟
ما قبل باسمة: الغناء بخمسة لغات قبل العربية
قبل أن تظهر باسمها الفني، عاشت باسمة تجربة فنية مُبكرة خلال رحلتها الطويلة بالبحث عن شغفها. اسمها الحقيقي بولا الترك، وهي من بلدة يحشوش، من بيئة لا تُشجع على ممارسة الفن. هذا السياق الاجتماعي أنتج علاقة ملتبسة مع الغناء؛ علاقة قائمة على الرغبة بالظهور والاختفاء في آن واحد. خلال سنوات المراهقة، مارست بولا الغناء سرًا أثناء إقامتها عند خالتها، مستخدمة اسمًا مستعارًا: بولا روسي، لتقدم في العروض الحية وصلات غنائية بلغات أجنبية. في هذه المرحلة، لم تكن المسألة بحثًا عن أغنية لبنانية أو انتماء محلي، بل استخدام الصوت كأداة شخصية للتعبير، خارج أي سياق هوياتي واضح.
أول تجربة جدية لها مع الغناء العربي جاءت قبل مشاركتها في برنامج استوديو الفن، عبر أغنية قدمتها مع إلياس الرحباني باسمها المستعار. تلك التجربة لم تكن انطلاقة بقدر ما كانت لحظة اكتشاف حاسمة؛ إذ أدركت باسمة، للمرة الأولى بوضوح، أنها رغم إتقانها الغناء بخمس لغات أجنبية، لا تجيد الأداء باللغة العربية. هذا الاكتشاف لم يجعلها تتراجع عن حلم النجومية الذي بدأ يراودها، بل دفعها إلى التدريب المكثف على الغناء العربي، استعدادًا لخوض اختبار حقيقي لقدراتها.
عندما شاركت في استوديو الفن عام 1992، كان عمرها 18 سنة، اختارت أغنية “من غير ليه” لمحمد عبد الوهاب؛ لم يكن اختيارًا آمنًا، بل رفعًا واعيًا لسقف التحدي؛ أغنية طربية معقّدة، قائمة على مقامات شرقية متعددة، وتتطلب تقنيات عالية وتمكن. وتمكنت أن تجتاز التحدي حينها.
تألقها في البرنامج دفع سيمون أسمر إلى عرض عقد احتكار عليها، في خطوة كانت كفيلة بتسريع انطلاقها، لكنها رفضته لأنها وبحسب ما أشارت بمقابلات لاحقة، كانت ترغب بالحرية، ولم تشأ الانتقال من سلطة العائلة إلى سلطة عقد احتكاري يتحكم بها. ورغم هذا الرفض، ظلّ دور سيمون أسمر محوريًا في مسيرتها، ليس عبر الاحتكار، بل عبر تثبيت صورتها العامة، فهو من اختار لها اسم “باسمة”، الاسم المحايد غير المحمل بدلالات فنية أو رمزية، الذي سيمنحها مساحة حركة داخل السوق من دون أن يقيّدها بهوية مسبقة.
البداية الفعلية: باسمة ومروان خوري
بداية باسمة الفعلية كانت عبر إصدار أغاني منفردة سنة 1998، بينها: “وشوشني حبيبي” و”في قربك وبعدك”. وفي عام 1999 حطت أقدامها على طريق النجومية، مع ألبوم “دوبني دوب”.
في تلك المرحلة، كانت الأغنية اللبنانية تُعيد تعريف نفسها، مع ولادة جيل جديد من الكتاب والملحنين، أبرزهم مروان خوري، الذي ارتبط اسمه بأغاني باسمة في نهاية التسعينيات؛ ربما لأنه احتاج صوتها، القادر على تمرير أغانيه بسلاسة إلى الجمهور دون أن تضيع بصمته في ظل نجومية المؤدي. باسمة كانت مناسبة تمامًا لهذا الدور، فهي قدّمت نفسها كوسيط بين اللحن والمستمع، مع شخصية خافتة تتوارى خلف الأغاني التي تؤديها، سواء كانت الأغاني رومانسية أو صاخبة. هذه الشخصية جعلت أغانيها سهلة التداول وسريعة الانتشار، لكن في الوقت نفسه، جعلت نجاحها مرتبطًا بالصيغة أكثر من ارتباطه باسمها كعلامة مستقلة.
x
استمر التعاون بين باسمة ومروان خوري عبر ثلاثة ألبومات متتالية: “دوبني دوب” (1999) و”عندي سؤال” (2001)، و”عيني يامو” (2003)، وخلال هذه الفترة استمر نجاح الأغاني في الشارع، وتحوّلت إلى هيتات متداولة، في مقابل حضور شخصي خفيف لباسمة.
باسمة كانت خفيفة الظهور، وأبعد ما تكون عن الجدل الإعلامي. لم تكن صاحبة تصريحات، ولا نجمة صدام، بل صوتًا شفّافًا ينقل الأغنية بأداء متقن ويتركها تعيش وحدها. وظلت تتمتع بذات الطبيعة حتى بعد أن دب الخلاف بينها وبين مروان خوري بسبب أغنية “اتطلع فيي هيك”، التي كانت باسمة قد سجّلتها ضمن تحضيراتها، لكنها بقيت حبيسة الأدراج، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى صوت كارول سماحة وتحقق نجاحًا أسطوريًا.
رغم ما حملته هذه اللحظة من خيبة أمل شخصية، فإنها لم تتحوّل إلى أزمة علنية أو مادة استثمار إعلامي. توقّف التعاون مع مروان خوري بهدوء، من دون تصريحات قاسية أو نزاع مفتوح، وبقي الاحترام قائمًا بين الطرفين. انتهت مرحلة، وبقيت أغنياتها شاهدة عليها، فيما ظلّت باسمة، كما كانت منذ بدايتها، حاضرة بأعمالها أكثر من حضورها كنجمة.
x
الوصول إلى القمة، والانسحاب بهدوء
بعد انتهاء التعاون مع مروان خوري، لم تدخل باسمة في حالة إنكار أو مواجهة، بل أعادت بهدوء ترتيب مشروعها الفني. في ألبومها الرابع “شو رجعك”، الصادر عام 2004، جربت أن تتعاون مع أسماء جديدة لتصنع هيتات بطعم آخر، لتقدم أغنية “شو رجعك” مع سليم سلامة ومنير بو عساف وطوني سابا. كما أنها، وللمرة الأولى، جرّبت الغناء باللهجة المصرية، أغنيتي “يا أنا يا إنت” و”توبي يا عين”، في محاولة لتوسيع رقعة انتشارها، من دون أن يتحول هذا الخيار إلى مسار ثابت؛ إذ بقيت أغانيها اللبنانية هي الأقرب إلى الجمهور والأكثر تأثيرًا في مسيرتها.
وبلغت باسمة ذروة نجاحها عام 2005 مع ألبومها الخامس “شو عبالي”، الذي تعاونت به للمرة الأولى مع الملحن سمير صفير والموزع المصري طارق عاكف. هذه الثنائية ومع كلمات نزار فرنسيس، الذي رافقها منذ ألبومها الأول، كانت وراء الهيت الأبرز في مسيرة باسمة، “شو عبالي”. لكن هذه الذروة لم تتحول إلى مسار تصاعدي طويل؛ فالألبوم التالي “حلم الطيور” الصادر عام 2008، شهد تراجعًا واضحًا في الزخم والمستوى، وكان آخر ألبوماتها قبل أن يبدأ الغياب التدريجي.
x
بعد ذلك، اكتفت باسمة بأغانٍ منفردة متباعدة، كان آخرها “جرحك عندي” عام 2016، قبل أن تتوقف نهائيًا وتعتزل بهدوء، لتخرج من المشهد واحدة من أنجح الأصوات التي أسهمت في رسم ملامح البوب اللبناني في مرحلة مفصلية، من دون ضجيج ولا مواجهة أخيرة؛ لتبقى أغانيها في الذاكرة الجماعية، فيما ظل اسمها، كما كان دائمًا، متراجعًا خطوة إلى الخلف، خلف الهِيتات التي صنعتها ومرّت عبر صوتها.
