فيم فيندرز متوسّطاً لجنة تحكيم المهرجان يوم الخميس الماضي (جون ماكدوغال/ فرانس برس)
تمثّل السينما، في جانب منها، مرآةً تعكس تعقيدات المجتمع، لكنها في أحيان كثيرة تتجاوز دور الانعكاس لتصبح محركاً للتغيير ومشرعاً غير رسمي للسياسات. ومع ذلك، يظل السجال حول “سياسية الفن” مشتعلاً، وهو ما تجلى بوضوح في الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله 2026).
أعاد المهرجان، الذي لطالما اعتُبر “الأكثر تسيساً” بين المهرجانات الكبرى، صياغة الحوار القديم حول متى يكون الحديث في السياسة مسموحاً ومتى يصبح “خطاً أحمر”.
بدأت الشرارة في المؤتمر الصحافي الافتتاحي للمهرجان يوم الخميس الماضي، عندما وجه الصحافي الألماني، تيلو يونغ، سؤالاً مباشراً إلى لجنة التحكيم حول ما وصفه بـ”التضامن الانتقائي” للمهرجان. أشار يونغ إلى التناقض الصارخ؛ فبينما يتبنى المهرجان مواقف سياسية حادة وواضحة تجاه قضايا مثل أوكرانيا وإيران، يلوذ بالصمت أو الحياد عندما يتعلق الأمر بحرب الإبادة الجماعية التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة.
جاء رد رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني المخضرم فيم فيندرز، مفاجئاً لكثيرين حين صرح بأن على السينما أن تبقى “خارج السياسة”. زعم فيندرز أن “الأفلام يمكنها تغيير العالم، لكن ليس بطريقة سياسية”، معتبراً أن صناع الأفلام يجب أن يبتعدوا عن السياسة لأن دخولهم فيها يجعلهم يتصرفون بوصفهم سياسيين لا فنانين.
هذا الموقف، الذي تبنته أيضاً عضو اللجنة إيوا بوشتشينسكا بوصفها السؤال عن غزة بأنه “غير عادل”، أثار موجة غضب عارمة، خاصة أن البث المباشر للمؤتمر انقطع فجأة في أثناء هذا السجال، وهو ما برره المنظمون بـ “أعطال تقنية”.
لم يمر تصريح فيندرز مرور الكرام؛ فقد أعلنت الكاتبة والناشطة الهندية الحائزة جائزة بوكر، أرونداتي روي، انسحابها الفوري من المهرجان احتجاجاً على هذه التصريحات. وصفت روي تصريحات لجنة التحكيم بأنها “غير معقولة” و”تثير الذهول”، مؤكدة أن القول إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسياً في ظل جريمة ضد الإنسانية تحدث في غزة هو “طريقة لإغلاق النقاش وتكميم الأفواه”.
روي، التي كان من المقرر عرض فيلمها الكلاسيكي In Which Annie Gives It Those Ones الذي كتبت السيناريو له، أوضحت أن موقف ألمانيا والولايات المتحدة الداعم لإسرائيل يجعل الصمت الفني نوعاً من التواطؤ. وشددت على أن التاريخ سيحكم على الفنانين الذين يعجزون عن قول الحقيقة في هذه اللحظات المفصلية. يعيد موقف روي تأكيد أن السينما ليست مجرد أداة للتعاطف الإنساني المجرد، كما يراها فيندرز، بل هي سلاح في وجه الظلم السياسي.
لم تقتصر الانسحابات على روي، إذ أعلن “سيماتيك – مركز الفيلم البديل” وعائلتا المخرجة المصرية عطيات الأبنودي (1939 ــ 2018) والسوداني حسين شريف (1934 ــ 2005) سحب مشاركتهما في مهرجان برلين السينمائي تضامناً مع دعوة مؤسسة الفيلم الفلسطيني إلى مقاطعة الحدث.
وكان من المقرر عرض النسختين المرممتين من فيلمي “أغنية توحة الحزينة” (1972) للأبنودي و”انتزاع الكهرمان” (1975) لشريف ضمن برنامج المنتدى الموسّع (Forum Expanded) التابع للمهرجان، قبل إعلان سحبهما.
خلافاً لرؤية فيندرز، أثبت التاريخ أن الأفلام يمكنها أن تؤدي إلى تغييرات تشريعية وقانونية ملموسة. هنا، مجموعة من الأفلام التي ساهمت في التأثير سياسياً.
“حقيقة مزعجة” (An Inconvenient Truth – 2006): من إخراج ديفيس غوغنهايم وتقديم آل غور. لم يكن الفيلم مجرد وثائقي بيئي، بل شكل نقطة تحول في الوعي بالاحتباس الحراري، ما دفع البرلمان الأسترالي ورئيس وزرائه حينها إلى توقيع بروتوكول كيوتو بعد عرضه.
“بلاك فيش” (Blackfish – 2013) للمخرجة غابرييلا كوبيرثويت. كشف الفيلم معاناة الحيتان في “سي وورلد”، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة وسن قانون “رعاية وسلامة الأوركا” في كاليفورنيا الذي يمنع تدريبها لأغراض ترفيهية.
“الحرب غير المرئية” (The Invisible War – 2012) للمخرج كيربي ديك. سلط الضوء على العنف الجنسي في الجيش الأميركي، وأحدث ضجة دفعت البنتاغون إلى تعديل سياساته تجاه قضايا الاعتداء الجنسي.
“الضحية” (Victim – 1961) للمخرج باسل ديردن. لعب دوراً جوهرياً في تغيير نظرة المجتمع البريطاني إلى المثلية الجنسية، وساهم في تمرير “قانون الجرائم الجنسية” لعام 1967 الذي ألغى تجريم المثلية في المملكة المتحدة.
“الخط الأزرق الرفيع” (The Thin Blue Line – 1988) للمخرج إيرول موريس. أدى هذا الفيلم الوثائقي إلى إعادة فتح قضية راندال ديل آدامز، الذي كان محكوماً بالإعدام ظلماً، وانتهى الأمر بتبرئته وإطلاق سراحه.
“ألعاب الحرب” (WarGames – 1983) للمخرج جون بادهام. أثار قلق الرئيس الأميركي رونالد ريغان بشأن الأمن السيبراني، ما أدى إلى إصدار أول توجيه رئاسي حول أمن الكمبيوتر في الولايات المتحدة.
“فتاة في النهر” (A Girl in the River – 2015) للمخرجة شرمين عبيد شينوي. دفع رئيس الوزراء الباكستاني حينها إلى إعلان عزمه تغيير القوانين المتعلقة بجرائم الشرف بعد مشاهدة الفيلم.
ولم تكن السينما العربية بمنأى عن هذا الدور الريادي، بل خاضت معارك شرسة لتغيير قوانين أو كسر تابوهات اجتماعية. من أبرز هذه الأفلام التي أثرت في الشارع العربي نذكر “عمارة يعقوبيان” (2006) للمخرج مروان حامد. كسر الفيلم محرمات سياسية واجتماعية في مصر، وفتح باباً للنقاش الجريء حول الفساد والتعذيب قبل ثورة 2011.
رفض فيندرز وإدارة المهرجان تسييس السينما يمثّل موقفاً سياسياً
و”وجدة” (2012) للمخرجة هيفاء المنصور. كان جزءاً من حراك ثقافي ساعد على تعزيز حقوق المرأة في السعودية، ومنها قيادة السيارات لاحقاً. و”كفرناحوم” (2018) للمخرجة نادين لبكي؛ إذ أعاد النقاش في لبنان حول حقوق الأطفال عديمي الجنسية وقوانين تسجيل الولادات، واستخدمته منظمات حقوقية في حملاتها. و”اشتباك” (2016) للمخرج المصري محمد دياب. ساهم الفيلم في طرح نقاش دولي حول ملف حقوق الإنسان والاستقطاب السياسي في مصر بعد عام 2013.
لعلّ رفض فيم فيندرز وإدارة مهرجان برلين تسييس السينما عندما يتعلق الأمر بقطاع غزة ليس “حياداً فنياً”، بل هو موقف سياسي بامتياز يسعى إلى تجريد الفن من أحد مقوّماته: القدرة على المساءلة الأخلاقية.
